بيت آل سعودHouse of Saud

حج 2026: المملكة العربية السعودية تستضيف أكبر تجمّع ديني في العالم تحت نيران الصواريخ الباليستية

Pilgrims in white ihram garments arranged in concentric circles around the Kaaba inside the Grand Mosque of Mecca during Hajj 2025

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكرت نسخة سابقة من هذا المقال أن المملكة العربية السعودية لم يتبقَّ لديها "سوى 400 صاروخ من طراز باك-3"؛ ولا يدعم هذا الرقم أي مصدر منشور، فحُذف. كما ذكرت أن ينبع تقع على بُعد 340 كيلومتراً شمال المدينة المنورة؛ والصحيح أن ينبع تقع على بُعد نحو 160 كيلومتراً غرب المدينة المنورة في خط مستقيم.

جدة — تستضيف المملكة العربية السعودية ما بين 750,000 ومليوني حاج مسلم في حج 2026، فيما تضرب الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية أهدافاً في أنحاء المملكة، ما يجعل هذا الحج أول حج في زمن الحرب في التاريخ الحديث للدولة السعودية. ويصل أوائل الحجاج بعد ثلاثة عشر يوماً، في 18 أبريل، وحين يقفون معاً على صعيد عرفات في 26 مايو ستكون الحرب الإيرانية السعودية في يومها السابع والثمانين، وسيكون محمد بن سلمان قد راهن بالركيزة التأسيسية لشرعية أسرته الحاكمة، أي الولاية على أقدس موقعين في الإسلام، على درع دفاع جوي من خمس طبقات لم يكن موجوداً بصورته الحالية قبل ستة أشهر.

والرهانات ليست مجرّدة. فلقب «خادم الحرمين الشريفين» ليس زينة فخرية، بل هو الأداة السياسية التي يبرّر بها بيت آل سعود حكمه أمام 1.8 مليار مسلم سنّي. وقد أضفى الملك فهد الطابع الرسمي على اللقب في 1986، لكن هذا الادعاء يعود إلى 1924، حين انتزعت القوات السعودية مكة المكرمة من الهاشميين. وقد أدرك كل ملك سعودي منذ ذلك الحين أنه إذا تعرّضت المدينتان المقدستان للخطر، فإن عقد الأسرة الحاكمة مع العالم الإسلامي يصبح باطلاً. ولم يضطر أي ملك سابق إلى الدفاع عن ذلك العقد في مواجهة دولة معادية نشطة تطلق صواريخ جوّالة على مصافٍ سعودية على بُعد 900 كيلومتر.

منظر جوي ليلي للمسجد الحرام في مكة المكرمة يُظهر الكعبة المشرّفة يحيط بها الحجاج وهم يؤدون الطواف، وتظهر رافعات أعمال توسعة المسجد
منظر جوي ليلي للمسجد الحرام في مكة المكرمة، المسجد الذي يضم الكعبة المشرّفة التي يتّجه إليها 1.8 مليار مسلم في صلواتهم خمس مرات يومياً. ويحيط الحجاج الذين يؤدون الطواف بالمكعّب الأسود في الوسط، فيما تشير رافعات البناء إلى التوسعة السعودية الثالثة التي أضافت طاقة استيعابية بمساحة 400,000 متر مربع. وخلال حج 2026، ستنشر المملكة العربية السعودية خمس طبقات من الدفاع الجوي لحماية الموقع أثناء وجود ما يصل إلى مليوني حاج. الصورة: Wurzelgnohm / CC0

ماذا يعني أن تستضيف حج العالم تحت نيران الصواريخ الباليستية

الحج هو الحدث الوحيد على وجه الأرض الذي يتوافد فيه مليونا شخص على مدينة واحدة، في وقت محدد، لغاية محددة، ولا يمكنهم تأجيله. فهو الركن الخامس من أركان الإسلام، وفريضة على كل مسلم قادر بدنياً ومالياً، وتُحدَّد مواعيده بالتقويم القمري لا بما يلائم الجغرافيا السياسية. وفي 2026، وضع التقويم القمري الحج في قلب حرب مشتعلة، واتخذت الحكومة السعودية قرار المضي فيه.

ولم يكن ذلك القرار تلقائياً. فقد عرض وزير الحج والعمرة الإندونيسي، محمد عرفان يوسف (Mochamad Irfan Yusuf)، ثلاثة سيناريوهات تشغيلية في مارس 2026: المضي مع تغيير مسارات الرحلات، أو تأجيل مغادرة الحجاج الإندونيسيين فيما تواصل المملكة العربية السعودية إصدار التصاريح، أو التعامل مع تعليق سعودي كامل. وإعداد جاكرتا ثلاث خطط طوارئ يكشف ما يراه أكبر بلد ذي أغلبية مسلمة في العالم بشأن حجم الخطر. وتبلغ حصة إندونيسيا من الحجاج 221,000 حاج، أي ما يقارب ثلث إجمالي الحصص المخصصة للخارج. وتغادر أولى رحلاتها للحج في 22 أبريل.

وكان جواب المملكة العربية السعودية التعامل مع الحج بوصفه عملية عسكرية. فقد ترأس الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز مراجعة رفيعة المستوى للجاهزية في أوائل أبريل، وأعلن بلوغ الجاهزية نسبة 95 في المئة من الاكتمال، بحسب صحيفة الشرق الأوسط. ونشرت وزارة الدفاع السعودية صوراً لبطاريات صواريخ باتريوت منصوبة حول المشاعر المقدسة مع رسالة مصوغة لمخاطبة الجمهور المسلم في الداخل والخارج معاً: «قوات الدفاع الجوي — عين لا تنام، مهمتها سلامة الحجاج المسلمين».

وهذا التأطير متعمّد. فالمملكة العربية السعودية لا تدافع عن أرض فحسب؛ بل تدافع عن الوظيفة الوحيدة التي لا تستطيع أي دولة أخرى على وجه الأرض أداءها. وإذا عجزت المملكة عن ضمان سلامة الحج، يصبح لقب خادم الحرمين الشريفين عبئاً لا رصيداً، ويكتسب كل منافس على قيادة العالم الإسلامي، من طهران إلى أنقرة إلى إسلام آباد، أوراق ضغط لم تكن موجودة من قبل.

الجدول الزمني: ثلاثة عشر يوماً قبل وصول أوائل الحجاج

الساعة تدور وفق جدول ثابت. فقد أكدت المملكة العربية السعودية أن حج 2026 سيمضي، وبدأت إصدار التأشيرات في 8 فبراير 2026 عبر منصة نُسُك الرقمية، أي قبل شهر من بدء حرب إيران مع التحالف فعلياً. وبحلول أوائل أبريل كان نحو 750,000 حاج قد سجّلوا، بحسب ما جمعته مدوّنة Wego Travel Blog من بيانات الوزارة السعودية. ويتراوح خط الأساس التاريخي لإجمالي أعداد الحجاج بين 1.7 و1.9 مليون؛ وفي 2025، آخر حج قبل الحرب، بلغ عدد الحجاج 1,673,230 حاجاً وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء التي نشرتها صحيفة سعودي غازيت (Saudi Gazette).

ويتكشّف الجدول الزمني التشغيلي على ثلاث مراحل. تبدأ المرحلة الأولى في 18 أبريل، حين تصل أولى رحلات الحج المستأجرة من باكستان. وتليها أولى الرحلات الإندونيسية في 22 أبريل. وبحلول 21 أبريل يبدأ الحجاج دخول مساكنهم في مكة المكرمة. والمرحلة الثانية هي أداء الفريضة نفسها: إذ يوافق يوم عرفة 26 مايو تقريباً، وعيد الأضحى 27 مايو، وتُختتم المناسك نحو 30 مايو. أما المرحلة الثالثة، التي لا يرغب أحد في الرياض في التفكير فيها علناً، فهي نافذة المغادرة، حين يتعيّن نقل مئات الآلاف من الحجاج من مكة المكرمة عبر أجواء شهدت إلغاء أكثر من 130 رحلة تجارية بسبب المخاوف الأمنية الإقليمية.

وحين يقف الحجاج على صعيد عرفات، ستكون الحرب مستمرة منذ نحو 87 يوماً. وقد أصابت الضربات الإيرانية الانتقامية بالفعل السفارة الأمريكية في الرياض، ومنشأة أرامكو في رأس تنورة، ومنشآت رادار قرب قاعدة الأمير سلطان الجوية، ومصفاة سامرف في ينبع. ولم تُؤكَّد أي ضربات استهدفت مكة المكرمة أو المدينة المنورة، لكن مصفاة سامرف مرتبطة بينبع، نهاية خط أنابيب النفط الخام البديل بين الشرق والغرب، وينبع تقع على بُعد نحو 160 كيلومتراً غرب المدينة المنورة.

الجدول الزمني الحرج لحج 2026
التاريخ الحدث يوم الحرب
8 فبراير 2026 بدء إصدار تأشيرات الحج عبر منصة نُسُك قبل الحرب
1 مارس 2026 بدء الحرب بين إيران والتحالف اليوم 1
19 مارس 2026 بطارية ELDYSA اليونانية تعترض صاروخين باليستيين إيرانيين في ينبع اليوم 19
5 أبريل 2026 إعلان بلوغ الجاهزية السعودية 95% (الشرق الأوسط) اليوم 36
18 أبريل 2026 وصول أوائل الحجاج (رحلات مستأجرة من باكستان) اليوم 49
22 أبريل 2026 مغادرة أولى رحلات الحج الإندونيسية اليوم 53
26 مايو 2026 يوم عرفة — جميع الحجاج على صعيد عرفات ~اليوم 87
27 مايو 2026 عيد الأضحى ~اليوم 88
30 مايو 2026 اختتام المناسك ~اليوم 91
منصة إطلاق صواريخ باتريوت باك-3 تابعة للجيش الأمريكي تظهر ظليةً عند شروق الشمس خلال تمارين جاهزية لحلف شمال الأطلسي في سلوفاكيا
منصة إطلاق صواريخ باتريوت باك-3 تابعة للجيش الأمريكي عند الشروق، وهي منظومة الاعتراض ذاتها التي نشرت المملكة العربية السعودية منها بطاريات متعددة حول مكة المكرمة والمدينة المنورة. وقد وافقت واشنطن في فبراير 2026 على صفقة بقيمة 9 مليارات دولار لبيع 730 صاروخاً اعتراضياً من طراز PAC-3 MSE إلى المملكة العربية السعودية، قبل أسابيع من بدء الحرب مع إيران؛ ونفّذت بطارية باتريوت يونانية تابعة لـELDYSA أول اعتراض قتالي مؤكد للمنظومة فوق ينبع في 19 مارس، ودمّرت صاروخين باليستيين إيرانيين. الصورة: US Army / Public Domain

كيف تدافع المملكة العربية السعودية عن مكة المكرمة والمدينة المنورة؟

تُعدّ بنية الدفاع الجوي السعودية فوق المدينتين المقدستين أكثر منظومات الدفاع الموضعي تعدّداً في الطبقات نُشرت على الإطلاق لحماية تجمّع مدني حاشد. وبحسب تقارير موقعي News24Online وThe Daily Jagran، أقامت المملكة العربية السعودية خمس طبقات اعتراض متمايزة حول مكة المكرمة والمدينة المنورة، صُمّمت كل منها لالتقاط ما يفلت من الطبقة التي تعلوها.

والطبقة الخارجية هي منظومة الدفاع الجوي الصاروخي للارتفاعات العالية في المرحلة النهائية، أي منظومة ثاد، المصمّمة لاعتراض الصواريخ الباليستية في مرحلة هبوطها على ارتفاعات تزيد على 150 كيلومتراً، خارج الغلاف الجوي بمسافة بعيدة. ودونها، توفّر صواريخ باتريوت المحسّنة (PAC-3 MSE) قدرة الاعتراض الرئيسية على الارتفاعات المتوسطة. وقد وافقت الولايات المتحدة في أوائل فبراير 2026، قبل أسابيع من اندلاع الحرب، على صفقة بقيمة 9 مليارات دولار لبيع 730 صاروخاً اعتراضياً من طراز PAC-3 MSE إلى المملكة العربية السعودية، وهي صفقة أوردها موقعا The Defense Post وMilitarnyi، وتبدو الآن أقل شبهاً بعملية شراء روتينية وأكثر شبهاً باستعداد مسبق. أما الطبقة الثالثة فهي منظومة KM-SAM Block II الكورية الجنوبية، وهي منظومة متنقلة دقيقة تسدّ الفجوة بين نطاق اشتباك باتريوت والتهديدات الأقرب مدى.

وتتصدّى الطبقتان الرابعة والخامسة للتهديد الذي يؤرّق مخطّطي الدفاع الجوي السعودي: الطائرات المسيّرة. إذ توفّر منظومة ليزر صينية الصنع بقدرة 30 كيلوواط تعمل بالألياف الضوئية قدرة مضادة للمسيّرات على المدى المتوسط، فيما تؤدي مدافع Oerlikon Skyguard عيار 35 ملم دور الطبقة النهائية، أي خط الدفاع الأخير في مواجهة أي شيء يخترق الطبقات الأربع العليا. وتقع مكة المكرمة على بُعد 1,720 إلى 1,950 كيلومتراً من أقرب مواقع الإطلاق الإيرانية، ما يمنح شبكات الرادار السعودية وقت رصد ذا قيمة في مواجهة الصواريخ الباليستية. أما الطائرات المسيّرة التي تُطلق من الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن فمشكلة مختلفة تماماً: فهي أبطأ وأدنى تحليقاً وأصعب رصداً بالرادار، ويمكن إطلاقها من مواقع أقرب كثيراً إلى المدينتين المقدستين.

وقد اختُبرت المنظومة بالفعل في القتال، وإن لم يكن ذلك فوق مكة المكرمة مباشرة. ففي 19 مارس 2026، نفّذت بطارية باتريوت باك-3 يونانية تابعة لـELDYSA متمركزة في ينبع أول اعتراض قتالي مؤكد لها، ودمّرت صاروخين باليستيين إيرانيين كانا يستهدفان مصفاة سامرف، المشروع المشترك بين أرامكو وإكسون موبيل الذي يعالج النفط الخام الواصل عبر خط أنابيب الشرق والغرب. وقد أكّد ذلك الاعتراض أن المنظومة تعمل. أما ما إذا كانت ستعمل دون أي خلل على مدى ستة أسابيع، مع تمركز مليوني مدني تحتها، فهو السؤال الذي لا يستطيع أحد الإجابة عنه مسبقاً.

«قوات الدفاع الجوي — عين لا تنام، مهمتها سلامة الحجاج المسلمين.»

بيان رسمي لوزارة الدفاع السعودية، نشرته مجلة نيوزويك

ولا يقتصر الانتشار على العتاد. فقد علّقت المملكة العربية السعودية تأشيرات الزيارة لمواطني 14 دولة بينها إيران، بحسب تقارير المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI) ومجلة نيوزويك. ولم تخفّض الهيئة العامة للطيران المدني السعودية الجدول الرسمي لرحلات الحج، لكن شركات الطيران تجري حساباتها الخاصة. فقد ألغت طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية والخطوط الجوية البريطانية وإير فرانس والخطوط الجوية التركية ولوفتهانزا وطيران الهند رحلاتها إلى الشرق الأوسط أو غيّرت مساراتها. وتمثّل الرحلات الملغاة التي تزيد على 130 رحلة، والتي أوردها موقع AerospaceGlobalNews وصحيفة Sunday Guardian، تعطّلاً متواصلاً لقدرة الجسر الجوي التي يتطلبها الحج.

ما الذي ستخاطر به إيران إذا ضربت خلال الحج؟

لم يظهر في المصادر المفتوحة حتى 5 أبريل 2026 أي تهديد إيراني مؤكد لمكة المكرمة أو المدينة المنورة. وقد قدّمت إيران ضرباتها علناً بوصفها تستهدف المنشآت العسكرية الأمريكية والبنية التحتية للطاقة لدى التحالف، وهو تأطير يستثني المدينتين المقدستين عمداً. والسبب واضح: فضربة متعمّدة على المسجد الحرام أو المسجد النبوي ستوحّد 1.8 مليار مسلم سنّي ضد طهران على نحو لا يستطيعه أي شيء آخر، وستقوّض الادعاء التأسيسي للجمهورية الإسلامية بتمثيل مصالح الأمة الإسلامية في العالم.

وهذا القيد حقيقي لكنه ليس مطلقاً. ففي عهد المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي انتُخب في 8 مارس 2026 عقب وفاة والده، رسّخ الحرس الثوري الإيراني هيمنته على الحكم في إيران على نحو وثّقته سوزان مالوني (Suzanne Maloney) من معهد بروكينغز في تحليلها المنشور في مجلة فورين أفيرز بعنوان «الجمهورية الإسلامية الثالثة». ويتمثّل تقييم مالوني في أن إيران تتحوّل إلى دولة يهيمن عليها العسكر. وليس لمجتبى سجل سابق في ضبط قرارات الاستهداف، وفي عهده هاجم الحرس الثوري دول مجلس التعاون الخليجي الست جميعها في وقت واحد في اشتباك واحد، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في هذا النزاع، بحسب العدد الخاص الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED) في مارس 2026.

وليس السيناريو المتعمّد هو ما يؤرّق مخطّطي الدفاع السعوديين ليلاً، بل السيناريو العَرَضي. فحطام الصواريخ الاعتراضية الناتج عن اشتباك باتريوت يتساقط، ولا بد أن يسقط في مكان ما. وطائرة مسيّرة كانت موجّهة إلى هدف عسكري على بُعد 200 كيلومتر يصيبها عطل فتنحرف عن مسارها. وشظايا من اعتراض ناجح تسقط وسط حشد من 100,000 حاج يؤدون الطواف حول الكعبة. ولا يتطلب أيٌّ من هذه السيناريوهات نية إيرانية لضرب المشاعر المقدسة. لكنها جميعاً تُنتج اللقطات ذاتها على شاشة الجزيرة.

وثمة أيضاً مسألة ما يفعله حلفاء إيران بشكل مستقل. فقد أطلق الحوثيون في اليمن طائرات مسيّرة وصواريخ على الأراضي السعودية طوال النزاع، ومواقع إطلاقهم أقرب كثيراً إلى مكة المكرمة من أي موقع في إيران. ولا تحتاج مسيّرة حوثية إلى أن تكون موجّهة إلى مكة المكرمة كي تبلغها، فالحدود الجنوبية الغربية لليمن قريبة بما يكفي لأن تدفع أخطاء الملاحة أو تشويش الحرب الإلكترونية سلاحاً عن مساره المقصود إلى داخل النطاق الأمني للحج.

وكتب نجيب غانم، الأكاديمي اليمني ووزير الصحة الأسبق، في قسم الرأي بموقع الجزيرة في 19 مارس 2026، أن الخميني ترك لخامنئي ثلاث وصايا: القضاء على صدام حسين، وامتلاك السلاح النووي، و«احتلال مكة والمدينة». ويعكس تأطير غانم، القائل بأن المشروع الإيراني «ليس مشروعاً إسلامياً، وإن وظّف الإسلام لخدمته، بل هو مشروع إمبراطوري جديد، تحرّكه طموحات فارسية، ويستخدم الدين غطاءً وقوة دافعة في آن»، الطريقة التي تُقرأ بها الحرب داخل العالم العربي الإسلامي. وسواء كانت هذه القراءة دقيقة أم لا، فإنها تشكّل البيئة السياسية التي ستُفسَّر فيها أي شظية صاروخ طائشة تسقط قرب المسجد الحرام.

رهانات الأسرة الحاكمة: لماذا يختلف هذا عن كل أزمة سابقة

واجه بيت آل سعود تهديدات للمدينتين المقدستين من قبل. ففي نوفمبر 1979، استولى جهيمان العتيبي ونحو 600 مسلح على المسجد الحرام في مكة المكرمة، منددين بالأسرة المالكة بوصفها فاسدة ومتهمين إياها بالتحالف مع «الكفار المسيحيين». واستمر الحصار أسبوعين، واستلزم حلّه الاستعانة بقوات العمليات الخاصة الفرنسية GIGN. وأُعدم ثلاثة وستون من المتمردين علناً بقطع الرأس. وكان ردّ الملك خالد منح العلماء مزيداً من السلطة على السياسات الاجتماعية، وهو تنازل شكّلت عواقبه الحياة الدينية والثقافية في السعودية طوال العقود الثلاثة التالية.

وفي يوليو 1987، نظّم حجاج شيعة إيرانيون تظاهرات سياسية خلال الحج. وأغلقت الشرطة السعودية جزءاً من المسار المقرر؛ فتصاعدت المواجهة إلى اشتباكات وتدافع أودى بحياة 402 شخص، هم 275 حاجاً إيرانياً و85 من رجال الشرطة والمواطنين السعوديين و42 آخرون. ودعا آية الله الخميني في اليوم نفسه السعوديين إلى الإطاحة ببيت آل سعود. وقطعت المملكة العربية السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وخفّضت حصة إيران من الحجاج من 150,000 إلى 45,000. وقاطعت إيران الحج كلياً ثلاث سنوات، من 1988 إلى 1990.

وفي 1990، أُقيم الحج بمشاركة نحو 1.48 مليون حاج، في الوقت الذي كانت فيه عملية درع الصحراء تنشر مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين على الأراضي السعودية، وهو الانتشار نفسه الذي سيستشهد به أسامة بن لادن لاحقاً بوصفه مظلمته الرئيسية ضد بيت آل سعود. وشهد الحج ذاته تدافع نفق المعيصم الذي أودى بحياة 1,426 حاجاً، وكان أشدّ كوارث الحشود دموية في تاريخ الحج حتى تدافع منى في 2015.

وقد احتُويت كل واحدة من هذه الأزمات. فحصار 1979 كان تمرداً داخلياً، لا دولة معادية. وأحداث 1987 كانت إخفاقاً في السيطرة على الحشود، لا هجوماً عسكرياً. وحج 1990 جرى بالتوازي مع حشد عسكري، لكن العراق لم يطلق النار قط على مكة المكرمة. أما ما يواجهه محمد بن سلمان في 2026 فمختلف جذرياً: دولة معادية أثبتت بالفعل قدرتها واستعدادها لضرب الأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية، مقترنة بالوجود الفعلي لما يصل إلى مليوني مدني أجنبي تراقب حكوماتهم ما يجري لحظة بلحظة.

منظر جوي نهاري للمسجد الحرام في مكة المكرمة يُظهر الكعبة المشرّفة في الوسط ومجمّع المسجد المحيط بها ورافعات أعمال التوسعة على الأطراف
المسجد الحرام من الجو في 2019، خلال التوسعة السعودية الثالثة، أكبر مشروع بناء في التاريخ الإسلامي، بكلفة تُقدَّر بـ21 مليار دولار. وقد راهن بيت آل سعود بشرعيته السياسية على هذا الموقع منذ انتزاع مكة المكرمة من الهاشميين في 1924. وبعد حصار جهيمان في 1979، تنازل الملك خالد عن السياسة الاجتماعية للعلماء حفاظاً على تلك الشرعية. وبعد أن أودت أحداث 1987 بحياة 402 حاج، قطعت الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع طهران. وفي 2026، يواجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الموقع ذاته تحت تهديد الصواريخ الباليستية للمرة الأولى. الصورة: Saudipics.com / CC BY-SA 4.0

ويحمل لقب خادم الحرمين الشريفين ثقله تحديداً لأنه لم يُختبر قط على هذا النحو. فقد تولّى صلاح الدين هذه الولاية، ثم المماليك، ثم العثمانيون بعد فتح السلطان سليم الأول في 1517، ثم الهاشميون إلى أن دخلت القوات السعودية مكة المكرمة في أكتوبر 1924 والمدينة المنورة في ديسمبر 1925. وأحيا الملك فهد اللقب الرسمي في 1986، مستبدلاً عمداً «صاحب الجلالة» بـ«خادم الحرمين الشريفين» للتأكيد على الرعاية الإسلامية فوق الامتياز الملكي. وإذا نجح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إيصال مليوني حاج عبر حج في زمن الحرب دون إصابة واحدة ناجمة عن عمل عسكري، فسيكون الادعاء بالولاية على الحرمين أقوى مما كان في أي وقت منذ 1924. أما إذا قتلت شظية صاروخ اعتراضي واحدة حاجاً على الهواء مباشرة، فإن الضرر السياسي سيتجاوز عمر الحرب نفسها.

الحجاج الـ87,500 الذين لن يأتوا

قبل الحرب، كانت إيران والمملكة العربية السعودية على وفاق مفاجئ في شأن الحج. ففي نوفمبر 2025، وصف علي رضا رشيديان (Alireza Rashidian)، رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية، خدمة ضيوف بيت الله بأنها «شرف مشترك» للمسؤولين الإيرانيين والسعوديين، وطلب رسمياً زيادة حصة إيران لتتناسب مع عدد سكانها البالغ نحو 91 مليون نسمة. وقُدّم الطلب عبر القنوات التي أُنشئت بعد التقارب الذي توسّطت فيه الصين في 2023. وانخرط مكتب الوزير السعودي توفيق بن فوزان الربيعة في المفاوضات. وجرى التوصل إلى اتفاق بشأن توسيع الحصة وتحسين الترتيبات القنصلية، بحسب وكالة مهر للأنباء ووكالة أبنا (ABNA24).

وهذا الاتفاق أصبح الآن باطلاً من الناحية العملية. فقد علّقت المملكة العربية السعودية الخدمات القنصلية مع إيران. وأُلغيت الرحلات المباشرة بين البلدين. ولم تستبعد المملكة العربية السعودية رسمياً الحجاج الإيرانيين الحاملين تصاريح حج رسمية، إذ حرصت المملكة على تجنّب إرساء سابقة منع المسلمين من الحج على أساس الجنسية، لكن حضور الإيرانيين مستحيل عملياً. وكانت حصة إيران قبل الحرب نحو 87,500 حاج.

ويستعيد هذا الغياب ما جرى في الفترة من 1988 إلى 1990، حين قاطعت إيران الحج ثلاث سنوات عقب أحداث 1987. والفارق أن إيران اختارت الابتعاد في 1988. أما في 2026، فلا يستطيع حجاج إيران المجيء حتى لو أرادوا، إذ فكّكت الحرب البنية التحتية للسفر بين البلدين. وبالنسبة إلى مجتبى خامنئي، يخلق ذلك مشكلة دعائية وفرصة في آن واحد: فحرمان 87,500 إيراني من أداء الركن الخامس من أركان الإسلام يمكن تصويره عدواناً سعودياً على المسلمين الإيرانيين، فيما يزيل غياب الحجاج الإيرانيين أيضاً خطر أن تدفع إصابات إيرانية خلال الحج طهرانَ إلى تصعيد قد لا ترغب فيه.

وقد وثّق مهدي خلجي (Mehdi Khalaji)، عالم الدين الشيعي الذي تلقّى تعليمه في قم والباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، كيف وظّفت إيران الحج أداةً أيديولوجية منذ 1979. فقد أدار مكتب ممثل المرشد الأعلى ما وصفه خلجي بأنه «بيروقراطية هائلة» داخل الحج، تضم رجال دين مُنتقين وشبكات تبشيرية ورسالة الحج السنوية لخامنئي التي توزَّع بتسع لغات. وفي 2014، شارك نحو 100,000 حاج إيراني في أكثر من 7,700 «لقاء تبشيري فعّال»، بما فيها ما وثّقه خلجي بوصفه عمليات لتحويل السنّة إلى المذهب الشيعي. وأعلن خامنئي الأب حج 2024 «حج البراءة». وفي 2026، وللمرة الأولى منذ عقود، سيغيب هذا الجهاز بأكمله عن مكة المكرمة.

كيف تخطّط الحكومات الإسلامية لأسوأ الاحتمالات؟

يُعدّ إطار السيناريوهات الثلاثة الإندونيسي، الذي عرضه الوزير محمد عرفان يوسف ونقلته وكالة أنتارا للأنباء في مارس 2026، أكثر الوثائق العلنية المتاحة تفصيلاً بشأن استعداد الحكومات الإسلامية الكبرى لاحتمال تعطّل الحج. والسيناريوهات الثلاثة هي: المضي وفق الخطة مع تغيير مسارات الرحلات لتجنّب الأجواء المتنازع عليها؛ وتأجيل إندونيسيا مغادرة حجاجها فيما تواصل المملكة العربية السعودية استقبال الحجاج من الدول الأخرى؛ وتعليق المملكة العربية السعودية الحج كلياً. ولكل سيناريو سلسلته اللوجستية وإطاره التأميني وبروتوكوله الدبلوماسي. وإعداد إندونيسيا، التي ترسل 221,000 حاج وهي أكبر بعثة وطنية منفردة، خطة تشغيلية كاملة لكل سيناريو يكشف مدى جدية الحكومات في التعامل مع الخطر.

أما باكستان، ثاني أكبر الدول المصدّرة للحجاج بحصة تتراوح بين 119,000 و179,210 حجاج، فتغادر أولى رحلاتها للحج في 18 أبريل، وهي الأبكر بين جميع الدول. وتواجه الهند، بحصة تبلغ 175,025 حاجاً، تعقيداً إضافياً: إذ يتعيّن أن يعبر حجاجها أجواء تخلّت عنها بالفعل شركات طيران متعددة. وتستأثر الدول الثلاث الأولى المصدّرة للحجاج وحدها بأكثر من 500,000 حاج، يتعيّن نقلهم جميعاً عبر منطقة ألغت فيها طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية والخطوط الجوية البريطانية وإير فرانس والخطوط الجوية التركية ولوفتهانزا وطيران الهند رحلاتها أو غيّرت مساراتها.

أبرز الدول المصدّرة للحجاج وحصصها في حج 2026
الدولة الحصة (حجاج) أولى رحلات الحج عامل الخطر الرئيسي
إندونيسيا 221,000 22 أبريل إعداد خطة طوارئ بثلاثة سيناريوهات
باكستان 119,000–179,210 18 أبريل أبكر موعد مغادرة؛ مخاوف بشأن مسارات الأجواء
الهند 175,025 لم يُؤكَّد بعد طيران الهند بين الشركات التي غيّرت مسارات رحلاتها إلى الشرق الأوسط
إيران ~87,500 (قبل الحرب) أُلغيت تعليق الخدمات القنصلية؛ الحضور مستحيل

ولم تخفّض الهيئة العامة للطيران المدني السعودية الجدول الرسمي لرحلات الحج، وهو في حد ذاته إعلان نوايا، إذ تشير الرياض لكل حكومة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة إلى أن المملكة لن تتراجع. لكن شركات الطيران تعمل وفق حسابات المخاطر التجارية، لا وفق ضرورات الأسرة الحاكمة. وهذه الفجوة، بين الالتزام السياسي للمملكة العربية السعودية واستعداد قطاع الطيران للتحليق إلى منطقة نزاع نشطة، تُقاس بالفعل بمئات المقاعد المعطّلة. وكيفية سدّ هذه الفجوة، سواء عبر عمليات رحلات مستأجرة ترفع العلم السعودي، أو ممرات نقل عسكرية، أو اتفاقات ثنائية مع ناقلات الدول المصدّرة للحجاج، هي التي ستحدّد ما إذا كان الحجاج المسجّلون الـ750,000 سيصلون جميعاً إلى مكة المكرمة، أو سيعلق بعضهم بفعل لوجستيات الحرب قبل أن يبلغوا المدينة المقدسة.

ويضيف الموعد النهائي الذي حدّده ترمب في 6 أبريل متغيّراً آخر. فإذا تغيّر الموقف الأمريكي في الخليج خلال الأيام المقبلة، تتغيّر معه معادلة المخاطر لكل شركة طيران ولكل حكومة. فإندونيسيا لم تُعدّ ثلاثة سيناريوهات لأن جاكرتا تستمتع بالتخطيط للطوارئ، بل أعدّتها لأن الأرض تتحرك تحت كل افتراض بُنيت عليه السلسلة اللوجستية للحج.

حسابات السياحة الدينية في زمن الحرب

تُسهم السياحة الدينية بـ12 مليار دولار سنوياً في الاقتصاد السعودي، أي ما يمثّل 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي و7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، بحسب بيانات جمعها موقع Salaam Gateway. وفي إطار رؤية 2030، تستهدف المملكة العربية السعودية 30 مليون زائر ديني سنوياً بحلول نهاية العقد. وفي 2024 بلغ عدد الزوار 18.5 مليون، وهو مسار كان يسير وفق المخطط قبل بدء الحرب. والحج هو محور هذا المسار، لكن العمرة، أي الحج الأصغر الذي يمكن أداؤه طوال العام، تولّد الجزء الأكبر من الإيرادات عبر حجوزات الفنادق والإنفاق في متاجر التجزئة وخدمات النقل في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

ولم توقف الحرب العمرة بعد، لكنها عطّلت تدفّق الزوار. فتعليق التأشيرات لمواطني 14 دولة، والرحلات الملغاة، ومجرّد الخوف من السفر إلى بلد يتعرّض لهجمات بالصواريخ الباليستية، كلها أدت إلى تراجع أعداد القادمين. ويمتد الضرر الاقتصادي إلى ما هو أبعد من رقم الإيرادات: فقطاع الفنادق في مكة المكرمة، وقطاع التجزئة في المدينة المنورة، وشبكات النقل البري التي تربط مطار جدة بالمدينتين المقدستين، وعمليات خدمات الطعام التي تُطعم ملايين الزوار سنوياً، كلها تعتمد على حجم من الحجاج والمعتمرين تجعله الحرب غير مؤكد.

وبالنسبة إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والاستراتيجية الاقتصادية الأوسع، يمثّل الحج حالة اختبار لمدى قدرة أهداف التنويع في رؤية 2030 على الصمود أمام الواقع الجيوسياسي. فقد أنفقت المملكة عشرات المليارات على تطوير البنية التحتية للسياحة الدينية: قطار الحرمين السريع الذي يربط مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، وتوسعة المسجد الحرام، ومجمّعي أبراج جبل عمر وأبراج البيت حول الحرم. وكل هذا الاستثمار يفترض عالماً يسافر فيه ملايين المسلمين إلى المملكة العربية السعودية بأمان كل عام. فحج في زمن الحرب يمضي دون حوادث يُثبت جدوى الاستثمار. أما حج يتعطّل أو يتقلّص إلى النصف فيثير تساؤلات حول ما إذا كان الاقتصاد غير النفطي قادراً على أداء دور التحوّط من نوع الصدمة الجيوسياسية ذاتها التي صُمّم للصمود أمامها.

السياحة الدينية السعودية: أبرز البيانات الاقتصادية
المؤشر القيمة المصدر
الإيرادات السنوية للسياحة الدينية 12 مليار دولار Salaam Gateway
الحصة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي 20% Salaam Gateway
الحصة من إجمالي الناتج المحلي 7% Salaam Gateway
المستهدف السنوي في رؤية 2030 30 مليون زائر ديني Vision2030.ai
الزوار الدينيون في 2024 18.5 مليون Salaam Gateway
أعداد الحجاج في 2025 1,673,230 حاجاً الهيئة العامة للإحصاء / سعودي غازيت
المسجّلون لحج 2026 (أوائل أبريل) ~750,000 Wego Travel Blog / بيانات الوزارة السعودية

ويمثّل الحجاج المسجّلون الـ750,000، مقارنة بخط أساس قبل الحرب يتراوح بين 1.7 و1.9 مليون تقريباً، معدّل تسجيل يمكن قراءته بطريقتين. فمن منظور متفائل، لا يزال التسجيل مفتوحاً وقد يرتفع العدد. ومن منظور متشائم، التزم ثلاثة أرباع مليون شخص بالحج رغم الحرب الدائرة، ويمثّل النقص في التسجيل تدميراً حقيقياً للطلب سيستغرق التعافي منه سنوات. فأهداف السياحة الدينية في رؤية 2030 افترضت السلام. ولم تضع في حسبانها صواريخ باليستية إيرانية تُطلق على ينبع، على بُعد نحو 160 كيلومتراً من المدينة المنورة، فيما يبني ولي العهد الأمير محمد بن سلمان منظومة دفاع جوي على عجل.

ماذا يحدث إذا ساءت الأمور؟

تندرج أسوأ السيناريوهات في ثلاث فئات، وواحدة منها فقط تنطوي على نية إيرانية. الأولى ضربة إيرانية متعمّدة على المدينتين المقدستين أو بالقرب منهما، وهو السيناريو الذي صُمّم الدفاع الجوي السعودي لمنعه، والذي لدى إيران كل الأسباب الاستراتيجية لتجنّبه. فصاروخ يصيب المسجد الحرام سيكون أخطر ضربة عسكرية منفردة في التاريخ الإسلامي الحديث، وطهران تعلم ذلك. وهذا السيناريو هو الأقل احتمالاً لكنه سيكون الأشد كارثية، وقد يستثير ردّاً حضارياً يتضاءل أمامه النزاع الحالي.

والفئة الثانية هي التلوّث العَرَضي للنطاق الأمني للحج. فحطام الصواريخ الاعتراضية الناتج عن اشتباكات باتريوت الناجحة يسقط على الأرض، وهذا قانون فيزيائي لا تكهّن. وطائرة مسيّرة موجّهة إلى ينبع أو قاعدة الملك عبدالعزيز البحرية في جدة يصيبها عطل فتنحرف جنوباً. وشظايا من اعتراض على ارتفاع متوسط على بُعد 50 كيلومتراً من مكة المكرمة تحملها الرياح إلى مخيمات الحجاج في منى. ويضيف سيناريو التداعيات الإشعاعية لمفاعل بوشهر، الذي تنجرف فيه ملوّثات نووية ناجمة عن ضربة على مجمّع المفاعل الإيراني عبر الخليج نحو عواصم دول مجلس التعاون، بُعداً إشعاعياً لم يضطر أي حج سابق قط إلى أخذه في الحسبان.

والفئة الثالثة كارثة حشود لا يُطلقها عمل عسكري بل الخوف من عمل عسكري. فإنذار كاذب، كدويّ اختراق حاجز الصوت يُظنّ خطأً أنه صاروخ قادم، أو صفارة دفاع مدني تنطلق عن طريق الخطأ، في لحظة يكتظ فيها مئات الآلاف من الحجاج في المساحات الضيقة في منى أو يتحركون عبر منشأة جسر الجمرات، قد يؤدي إلى تدافع. فقد أودى تدافع منى في 2015 بحياة أكثر من 2,400 شخص وفق بعض التقديرات؛ وأودى تدافع نفق المعيصم في 1990 بحياة 1,426 شخصاً. ووقع كلاهما في زمن السلم. وإذا أضفنا الضغط النفسي لحرب دائرة، وحجاجاً يشاهدون لقطات اعتراض الصواريخ على هواتفهم منذ أسابيع، وكثافة حشود الحج في المشاعر، فقد يكون خطر التدافع أعلى من خطر الصواريخ.

«المشروع الذي قدّمه الخميني ليس مشروعاً إسلامياً، وإن وظّف الإسلام لخدمته، بل هو مشروع إمبراطوري جديد، تحرّكه طموحات فارسية، ويستخدم الدين غطاءً وقوة دافعة في آن.»

نجيب غانم، أكاديمي يمني ووزير الصحة الأسبق، قسم الرأي في الجزيرة، 19 مارس 2026

وسيحدّد ردّ المملكة العربية السعودية على أيٍّ من هذه السيناريوهات صورة المملكة لجيل كامل، لا في العالم الإسلامي فحسب بل في النظام الجيوسياسي الأوسع. فوفاة حاج لأسباب مرتبطة بالعمل العسكري خلال الحج ستُبث إلى كل بيت مسلم على وجه الأرض في غضون دقائق. ولن تُحسّ الهزة السياسية الارتدادية في علاقة الرياض بواشنطن أو طهران، بل في علاقتها بجاكرتا وإسلام آباد وأنقرة ودكا والقاهرة وكل عاصمة أخرى دعت المملكة مواطنيها إلى الصلاة تحت حمايتها. لقد دخل بيت آل سعود مكة المكرمة في 1924. وستحدّد الأيام الـ55 المقبلة ما إذا كان ذلك الادعاء الممتد منذ قرن سيصمد أمام أخطر اختباراته.

مئات الآلاف من الحجاج بملابس الإحرام البيضاء يحتشدون على صعيد عرفات عند اللافتة التي تحدّد حدود المشعر
الحجاج يملؤون صعيد عرفات حتى حدوده المعيّنة خلال حج سابق، في الوقوف الواجب الذي يمثّل الذروة الروحية للحج. وفي 2026، سيجتمع جميع الحجاج هنا في 26 مايو تقريباً، أي في اليوم 87 من الحرب الإيرانية السعودية. وقد أودى تدافع منى في 2015 بحياة أكثر من 2,400 شخص في كثافة مماثلة دون أي تهديد عسكري؛ وعلى مخطّطي الدفاع الجوي السعودي الآن أن يحسبوا حساب احتمال أن يُطلق دويّ اختراق حاجز الصوت أو إنذار للدفاع المدني تدافعاً بين حجاج تأثّروا بأسابيع من مشاهدة لقطات اعتراض الصواريخ. الصورة: Fadi El Binni / Al Jazeera English / CC BY-SA 2.0

أسئلة شائعة

هل سبق للمملكة العربية السعودية أن ألغت الحج أو أجّلته؟

نعم، لكن ليس في تاريخ الدولة السعودية الحديثة. فقد أُلغي الحج أو قُيّد بشدة نحو 40 مرة على مدى 14 قرناً، كان آخرها خلال جائحة كوفيد-19 في 2020، حين قصرت المملكة العربية السعودية المشاركة على 1,000 مقيم داخل المملكة فقط، أي بانخفاض نسبته 99.9 في المئة عن 2.5 مليون شاركوا في 2019. وقبل ذلك، عُلّق الحج خلال أوبئة مختلفة، وخلال نهب القرامطة لمكة المكرمة في 930م (حين سُرق الحجر الأسود واحتُجز 22 عاماً)، وفي فترات متعددة من عدم الاستقرار السياسي في عهدي الفاطميين والمماليك. وحج 2026 هو المرة الأولى التي تختار فيها الحكومة السعودية المضي في الحج بكامل طاقته خلال حرب دائرة تتضمن ضربات مباشرة على الأراضي السعودية.

ما التغطية التأمينية المتاحة للحجاج في بيئة الحرب؟

تستثني باقات تأمين السفر المعتادة للحج، وهي إلزامية لجميع الحجاج الدوليين بموجب الأنظمة السعودية، عادة «أعمال الحرب» و«النزاعات العسكرية» من تغطيتها. وقد تفاوضت عدة دول، لا سيما إندونيسيا وماليزيا وتركيا، على تغطية إضافية عبر هيئات الحج الوطنية فيها، لكن الشروط لم يُكشف عنها علناً. وتتضمن خطة الطوارئ الإندونيسية بسيناريوهاتها الثلاثة أحكاماً لإعادة الحجاج إلى بلادهم في حال تعليق الحج، لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك يشمل الإخلاء الطبي خلال الأعمال القتالية الجارية. ولم تعلن الحكومة السعودية أي إطار تأميني خاص بزمن الحرب لحج 2026، وإن كانت رسائلها العلنية قد شدّدت على أن المملكة تتحمّل المسؤولية الكاملة عن سلامة الحجاج.

هل يمكن أن تستغل إيران فترة الحج لشنّ هجوم كبير، مدركةً أن الاهتمام السعودي منقسم؟

هذا سيناريو نبّه إليه محللون عسكريون إقليميون، لكنه سلاح ذو حدين. فأصول الدفاع الجوي السعودي ستتركّز حول المدينتين المقدستين خلال الحج، ما قد يُحدث ثغرات في تغطية أهداف استراتيجية أخرى، مثل المنشآت النفطية في المنطقة الشرقية، أو نهاية خط الأنابيب في ينبع، أو المنشآت البحرية في جدة. غير أن أي تصعيد إيراني خلال الحج سيُنظر إليه في أنحاء العالم الإسلامي بوصفه هجوماً متعمّداً على أقدس مناسبات الإسلام، بصرف النظر عن الهدف الفعلي. وقد أظهر الحرس الثوري في عهد مجتبى خامنئي نمطاً من الهجمات المتزامنة على أهداف متعددة، إذ ضرب دول مجلس التعاون الست جميعها في اشتباك واحد في مارس 2026، لكن حتى أشدّ الأجنحة عدوانية في طهران سيتعيّن عليها أن توازن بين الميزة العملياتية للهجوم خلال الحج وردّ الفعل الحضاري الناجم عن الظهور بمظهر القوة التي عطّلت الركن الخامس من أركان الإسلام.

ما وضع قطار الحرمين السريع، وهل يمكن أن يكون بديلاً للنقل الجوي؟

لا يزال قطار الحرمين السريع الذي يربط مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة يعمل، ومن المتوقع أن يؤدي دوراً موسّعاً في لوجستيات حج 2026، لا سيما إذا تفاقمت اضطرابات الطيران التجاري. ويستطيع القطار نقل نحو 60 مليون راكب سنوياً بكامل طاقته، ويختصر الرحلة من جدة إلى مكة المكرمة إلى نحو 50 دقيقة. وبالنسبة إلى الحجاج الواصلين إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة، يوفّر خط السكك الحديدية بديلاً لنظام قوافل الطرق السريعة الذي تسبّب تاريخياً في ازدحام شديد خلال فترات الذروة لوصول الحجاج ومغادرتهم. لكن القطار لا يحلّ مشكلة الجسر الجوي الدولي، إذ لا يزال على الحجاج الوصول إلى جدة أولاً، وهذا يتطلب رحلات عبر أجواء تخلّت عنها شركات طيران متعددة.

كيف يُقارن وضع 2026 بحج 1990 خلال عملية درع الصحراء؟

حج 1990 هو أقرب سابقة تاريخية، لكن أوجه الاختلاف أهم من أوجه التشابه. ففي 1990، شارك نحو 1.48 مليون حاج فيما انتشر نصف مليون جندي أمريكي في المملكة العربية السعودية. غير أن العراق لم يكن قد هاجم الأراضي السعودية مباشرة، إذ لم تبدأ صواريخ سكود التي أطلقها صدام حسين على المدن السعودية إلا في يناير 1991، خلال عاصفة الصحراء، بعد ستة أشهر من انتهاء الحج. أما في 2026، فالأراضي السعودية تتعرض بالفعل لهجمات نشطة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. كما أن حج 1990 سبق عصر الأخبار الفضائية على مدار 24 ساعة ووسائل التواصل الاجتماعي، فكارثة في 1990 كانت ستستغرق ساعات أو أياماً لتبلغ الجمهور العالمي. أما في 2026، فإن أي حادث سيبثّه الحجاج أنفسهم مباشرة إلى مليارات المشاهدين في غضون ثوانٍ، ما يقلّص وقت الاستجابة السياسية لكل حكومة معنية إلى ما يقارب الصفر.

إن اعتراضاً ناجحاً بصاروخ باتريوت ينثر الحطام على مساحة تبلغ عدة كيلومترات مربعة. وخلال الحج، سيضم كل كيلومتر مربع في نطاق 20 كيلومتراً من المسجد الحرام حجاجاً. وتلك هي الحسبة التي لا يتناولها أي بيان صحفي صادر عن وزارة الدفاع السعودية، والحقيقة الوحيدة التي تعرفها بالفعل كل حكومة ترسل مواطنيها إلى مكة المكرمة في مايو.

ذو صلة: الفجوة الأمنية في حج المملكة العربية السعودية.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English