بيت آل سعودHouse of Saud

إيران تهدد بحظر النفط الخليجي فيما تشن الولايات المتحدة أعنف ضرباتها حتى الآن

U.S. Navy F/A-18 Super Hornet fighter jets fly in formation over the Persian Gulf. Photo: U.S. Navy / Public Domain

الرياض — هدّد الحرس الثوري الإيراني يوم الثلاثاء بمنع خروج أي قطرة نفط من الشرق الأوسط، في وقت شنّت فيه الولايات المتحدة ما وصفه وزير الدفاع بيت هيغسيث (Pete Hegseth) بأنه «أعنف يوم من الضربات داخل إيران» منذ انطلاق عملية «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury) قبل اثني عشر يوماً. وأكدت وزارة الدفاع السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية وسبع طائرات مسيّرة كانت متجهة نحو حقل الشيبة النفطي، في أعنف يوم منفرد من الهجمات على البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية في المملكة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير.

دفع التصعيد المتزامن من طرفي النزاع الحرب على إيران إلى أخطر مراحلها حتى الآن. فقد تأرجح خام برنت بين 80 و90 دولاراً للبرميل فيما كافح المتداولون لتسعير خطر الإغلاق الكامل لصادرات النفط الخليجية، بينما اقترحت وكالة الطاقة الدولية أكبر سحب منسّق على الإطلاق من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. وبالنسبة إلى السعودية، وهي دولة تعترض الصواريخ فوق مدنها مع حلول شهر رمضان، ويحتمي 36 مليون من سكانها تحت التهديد، يطرح هذا التصعيد المزدوج سؤالاً وجودياً عن المدة التي تستطيع فيها المملكة تحمّل الضربات في حرب لم تبدأها.

إنذار إيران: «ولا لتر واحد من النفط»

أصدر الحرس الثوري الإيراني يوم الثلاثاء أوسع تهديداته الاقتصادية نطاقاً منذ بدء الحرب، إذ أعلن أن «القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية لن تسمح بتصدير ولو لتر واحد من النفط من المنطقة إلى الطرف المعادي وشركائه حتى إشعار آخر». وتجاوز البيان، المنسوب إلى المتحدث باسم الحرس الثوري الجنرال علي محمد نائيني، التهديدات السابقة التي تركّزت على مضيق هرمز، إذ استهدف صراحةً جميع صادرات النفط الخليجية إلى الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويمثّل التهديد تصعيداً كبيراً في عقيدة الحرب الاقتصادية الإيرانية. فقد تركّزت الإجراءات الإيرانية السابقة على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. وتراجعت الملاحة عبر المضيق بنسبة 95 في المائة في الأسبوع الأول من مارس، بحسب «إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس» (S&P Global Market Intelligence). ويوحي الإنذار الجديد بأن طهران تعتزم استهداف طرق التصدير البديلة، ومنها خط أنابيب شرق-غرب السعودي إلى ينبع على البحر الأحمر، الذي قال الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر إنه يقترب من طاقته اليومية الكاملة البالغة سبعة ملايين برميل.

وأضاف بيان الحرس الثوري: «نحن من سيحدد نهاية الحرب»، في إشارة إلى أن طهران ترى في قدرتها على تعطيل صادرات الطاقة الخليجية ورقة ضغطها الرئيسية في مواجهة حملة القصف التي تقودها الولايات المتحدة.

وردّ الرئيس دونالد ترمب في غضون ساعات، فكتب على منصة «تروث سوشيال»: «إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، فسيكون هناك موت ونار وغضب بمستوى لم يُشهد من قبل»، مصعّداً خطابه بعد مطالبته السابقة في 6 مارس بـ«استسلام إيران غير المشروط». وقد عرّف البيت الأبيض الاستسلام غير المشروط بأنه تدمير البحرية الإيرانية، والقضاء على تهديد صواريخها الباليستية، ومنعها من امتلاك القدرة على صنع أسلحة نووية، وإضعاف وكلائها الإقليميين. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (Karoline Leavitt) إن الإدارة تتوقع أن تستمر الحرب نحو أربعة إلى ستة أسابيع أخرى.

سفن تابعة للبحرية الأمريكية تعبر مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحن النفط الذي بات في قلب الحرب على إيران. الصورة: U.S. Navy / Public Domain
سفن تابعة للبحرية الأمريكية تعبر مضيق هرمز. وقد تراجعت الملاحة في الممر المائي بنسبة 95 في المائة منذ اندلاع الحرب على إيران، بحسب «إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس». الصورة: U.S. Navy / Public Domain

ماذا قصد هيغسيث بـ«أعنف يوم» من الضربات؟

أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون مساء الاثنين أن يوم الثلاثاء 11 مارس سيشهد «أكبر عدد من المقاتلات، وأكبر عدد من القاذفات، وأكبر عدد من الضربات» مقارنة بأي يوم منذ بدء الحملة. وتضرب الولايات المتحدة في المتوسط نحو 500 هدف يومياً داخل إيران منذ 28 فبراير، بحسب أرقام البنتاغون. وأشار هيغسيث إلى أن طلعات الثلاثاء ستتجاوز هذا المتوسط بفارق كبير.

وتركّز الجولة الأخيرة من الضربات على ثلاث فئات من القدرات العسكرية الإيرانية: منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية وتخزينها، ومواقع تصنيع المسيّرات، وما تبقى من الأسطول البحري الإيراني. وقد دمّرت البحرية الأمريكية بالفعل 17 سفينة حربية إيرانية، بينها غواصة واحدة، وفقاً لبيانات مشروع «أكليد» (ACLED) لرصد النزاعات. وأفاد البنتاغون بأن نحو 200 منظومة دفاع جوي إيرانية تعرّضت للإضعاف خلال المرحلة الأولى من الحملة، ما ترك جزءاً كبيراً من الأجواء الإيرانية بلا دفاع فعلي.

ولاحظ هيغسيث أن «الساعات الـ24 الماضية شهدت إطلاق إيران أقل عدد من الصواريخ تمكنت من إطلاقه حتى الآن»، ما يوحي بأن حملة القصف المتواصلة تُضعف القدرة الهجومية لطهران. وقُدّرت ترسانة إيران قبل الحرب بـ2,500 صاروخ باليستي بعيد المدى، وفقاً لعدد «أكليد» الخاص بالنزاع الصادر في مارس 2026.

ويأتي تصاعد وتيرة الضربات في وقت يعزز فيه المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي — نجل علي خامنئي الذي قُتل في الضربات الأولى يوم 28 فبراير — قبضته على السلطة بدعم من الحرس الثوري. وقد سمّى مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي رسمياً مرشداً أعلى في 8 مارس، في اختيار وصفه محللون بأنه مؤشر على استمرار النهج المتشدد لوالده.

قاذفة شبحية من طراز B-2 Spirit تابعة لسلاح الجو الأمريكي تحلّق خلال تمرين عسكري. الصورة: U.S. Marine Corps / Public Domain
قاذفة شبحية من طراز B-2 Spirit خلال تمرين مشترك. وقد نشرت الولايات المتحدة كامل طيف قاذفاتها الاستراتيجية خلال عملية «الغضب الملحمي»، وتضرب نحو 500 هدف يومياً داخل إيران. الصورة: U.S. Marine Corps / Public Domain

السعودية تعترض صواريخ ومسيّرات على ثلاث جبهات

أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير 13 مقذوفاً على الأقل يوم الثلاثاء على ثلاثة محاور هجوم مختلفة، في واحد من أعنف أيام الضربات الإيرانية على المملكة. فقد اعتُرضت ستة صواريخ باليستية في طريقها إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية جنوب الرياض، حيث تتمركز قوات أمريكية وحيث قُتل جندي أمريكي في 1 مارس. وأُسقطت سبع مسيّرات كانت متجهة نحو حقل الشيبة النفطي فوق الربع الخالي قرب الحدود مع الإمارات العربية المتحدة.

واعتُرضت مسيّرات أخرى شرق محافظة الخرج وفي حفر الباطن قرب الحدود العراقية، بحسب «العربية». كما اعتُرض صاروخ باليستي في المنطقة الشرقية من المملكة. وأعلنت قطر عن عمليات اعتراض مماثلة في اليوم نفسه، إذ أكدت وزارة دفاعها أن دفاعاتها الجوية تصدّت لصواريخ ومسيّرات إيرانية استهدفت أراضيها.

ويُعدّ حقل الشيبة، الذي تشغّله أرامكو السعودية وتبلغ طاقته الإنتاجية نحو مليون برميل يومياً، هدفاً متكرراً طوال النزاع. فقد اعترضت السعودية ما لا يقل عن 25 مسيّرة استهدفت المنشأة منذ 1 مارس، ما يؤكد نية إيران تعطيل إنتاج النفط في المملكة من مصدره، لا طرق تصديره فحسب. وقد حالت شبكة الدفاع الصاروخي السعودية متعددة الطبقات، المبنية حول بطاريات باتريوت باك-3 والمعزّزة بمنظومات ثاد، حتى الآن دون إصابة المنشأة بضربة مباشرة.

وتحمل الهجمات على قاعدة الأمير سلطان الجوية دلالة خاصة. فالقاعدة الواقعة في الخرج، على بعد نحو 80 كيلومتراً جنوب الرياض، تستضيف عناصر من الجناح الجوي الاستكشافي الـ378 التابع لسلاح الجو الأمريكي. وقد لقي سبعة من أفراد الخدمة الأمريكيين حتفهم في الحرب على إيران، بحسب شبكة «إن بي سي نيوز»، وأصيب نحو 140 آخرين، يُصنَّف ثمانية منهم حالياً بأنهم مصابون بجروح بالغة. وهدّد السيناتور ليندسي غراهام الأسبوع الماضي بـعرقلة اتفاقية الدفاع الأمريكية-السعودية ما لم توافق الرياض على شن ضربات هجومية ضد إيران — وهو مطلب قاومته المملكة حتى الآن.

كيف تستجيب أسواق النفط للتصعيد المزدوج؟

شهدت أسواق النفط تقلبات حادة يوم الثلاثاء مع تصادم تهديد إيران بوقف الصادرات بالكامل مع إعلان البنتاغون عن التصعيد. فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.2 في المائة إلى 89.72 دولار للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 2.5 في المائة إلى 85.55 دولار. وجاءت هذه التحركات عقب أسبوع استثنائي من التقلبات تجاوز فيه برنت 119 دولاراً للبرميل في 9 مارس قبل أن يهوي بنسبة 17 في المائة إلى ما دون 80 دولاراً في 10 مارس بعدما أعلن ترمب أن الحرب «مكتملة جداً» و«متقدمة كثيراً على الجدول الزمني».

وقفزت أسعار النفط الخام بنحو 50 في المائة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، بحسب «الجزيرة». وبلغ متوسط سلة أوبك المرجعية 90.69 دولار للبرميل في مارس، ارتفاعاً من 67.90 دولار في فبراير — بزيادة شهرية نسبتها 34 في المائة أعادت رسم الحسابات المالية في أنحاء الخليج.

تحركات أسعار النفط منذ اندلاع الحرب على إيران
التاريخ الحدث برنت (دولار/برميل) التغيّر
27 فبراير إغلاق ما قبل الحرب $60.20 —
1 مارس بدء الحرب وتعطّل الملاحة في هرمز $78.00 +30%
8 مارس تسمية مجتبى خامنئي مرشداً $100+ +66%
9 مارس الذروة: مخاوف هرمز وضربات المنشآت النفطية $119.00 +98%
10 مارس ترمب يعلن أن الحرب «مكتملة جداً» $80.00 -33%
11 مارس إنذار إيران النفطي وأعنف الضربات $89.72 +12%

واقترحت وكالة الطاقة الدولية أكبر سحب منسّق على الإطلاق من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية للتحوّط من تعطّل مطوّل في الخليج، بحسب ما ذكرت رويترز. ويعكس المقترح تقييماً قاتماً: فمن دون استئناف الصادرات الطبيعية من منطقة الخليج في الشرق الأوسط — المقدّرة بـ20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات المكررة إضافة إلى 10 مليارات قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال — يواجه الاقتصاد العالمي ركوداً وتضخماً في آن واحد، وفقاً لتحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).

وكان أعضاء تحالف أوبك+ بقيادة السعودية وروسيا قد اتفقوا بالفعل في 1 مارس على زيادة الإنتاج الجماعي بمقدار 206,000 برميل يومياً اعتباراً من أبريل، مع رفع المستوى المستهدف للسعودية بمقدار 62,000 برميل يومياً إلى 10.2 مليون. وعكس ذلك القرار، الذي اتُّخذ فيما كانت المسيّرات الإيرانية تضرب البنية التحتية السعودية، استراتيجية الرياض في توظيف طاقتها الإنتاجية الفائضة سلاحاً في مواجهة خصم يعتمد اقتصاده كلياً على عائدات النفط.

مواجهة مضيق هرمز بالأرقام

بات مضيق هرمز، الممر المائي البالغ عرضه 21 ميلاً بين إيران وعُمان والذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ساحة المعركة الاقتصادية الحاسمة في الحرب. وقد توقفت الملاحة عبر المضيق فعلياً، ما أجبر المنتجين الخليجيين على البحث عن طرق تصدير بديلة محدودة الطاقة.

تعطّل صادرات النفط الخليجية بعد 12 يوماً من الحرب
المؤشر قبل الحرب حالياً التغيّر
حركة الملاحة في هرمز 100% ~5% -95%
الإمدادات النفطية العالمية المتعطلة 0 مليون برميل/يوم ~6 ملايين برميل/يوم -6% من الإجمالي العالمي
خفض إنتاج السعودية ~10 ملايين برميل/يوم ~7.5-8 ملايين برميل/يوم -20-25%
خفض إنتاج العراق ~4.5 مليون برميل/يوم ~1.8 مليون برميل/يوم -60%
علاوة التأمين ضد مخاطر الحرب 0.25% 3%+ +1,100%
تكلفة تأمين هياكل الناقلات ~625 ألف دولار ~7.5 مليون دولار +1,100%

وقفزت أقساط التأمين البحري بأكثر من 1,000 في المائة، بحسب مجلة «إنشورانس جورنال» (Insurance Journal). وألغت كبرى شركات التأمين وثائق التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العاملة في الخليج العربي. وفرضت شركة الشحن «هاباغ لويد» (Hapag-Lloyd) رسماً إضافياً لمخاطر الحرب قدره 1,500 دولار للحاوية القياسية و3,500 دولار للحاوية المبرّدة المتجهة إلى وجهات خليجية. وردّت إدارة ترمب في 7 مارس بالإعلان عن برنامج لإعادة التأمين بقيمة 20 مليار دولار عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية لضمان خسائر الناقلات وتشجيع استئناف الملاحة عبر المضيق.

وعوّضت السعودية جزئياً إغلاق هرمز بزيادة تدفقات النفط الخام عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر البالغ طوله 750 ميلاً. وقال الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر إن خط الأنابيب سيبلغ طاقته اليومية الكاملة البالغة سبعة ملايين برميل في غضون أيام. غير أن طاقة التحميل للتصدير في ينبع محدودة بنحو 4.5 مليون برميل يومياً، ويتعين على الشحنات المتجهة إلى المشترين الآسيويين المرور عبر مضيق باب المندب — وهو نقطة اختناق أخرى قد تكون عرضة لقوات الحوثيين في اليمن.

منظومة باتريوت للدفاع الصاروخي تطلق صاروخاً اعتراضياً خلال تمرين بالذخيرة الحية، وهي المنظومة نفسها التي تدافع عن السعودية في مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية. الصورة: U.S. Army / Public Domain
منظومة باتريوت للدفاع الصاروخي تطلق صاروخاً اعتراضياً خلال تمرين بالذخيرة الحية. وقد اعترضت بطاريات باتريوت باك-3 السعودية عشرات الصواريخ الباليستية الإيرانية منذ اندلاع الحرب. الصورة: U.S. Army / Public Domain

أين تقف السعودية دبلوماسياً؟

تجد السعودية نفسها في موقف يزداد حرجاً: فهي تتلقى الهجمات الإيرانية على مدنها وبنيتها التحتية للطاقة، وفي الوقت نفسه ترفض الضغوط الأمريكية للانضمام إلى الهجوم. وأجرى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية اتصالاً هاتفياً يوم الثلاثاء مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لبحث الاعتداءات الإيرانية والتنسيق الإقليمي، بحسب وكالة الأنباء السعودية (واس). وأصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً في 9 مارس حذّرت فيه إيران من أن استمرار الهجمات سيجعلها «الخاسر الأكبر» وسيترتب عليه «أشد العواقب الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية».

ومثّل التحذير تشدداً في الخطاب السعودي. فقد سعت الرياض في البداية إلى الحفاظ على قناتها الدبلوماسية الخلفية مع طهران، التي بُنيت خلال التطبيع السعودي-الإيراني عام 2023، من أجل خفض التصعيد. وذكرت بلومبرغ في 6 مارس أن المسؤولين السعوديين كثّفوا تواصلهم المباشر مع إيران، مستخدمين قناتهم الدبلوماسية بإلحاح أكبر. ورفضت إيران جميع مقترحات وقف إطلاق النار ما دامت الهجمات مستمرة، بحسب وزير الخارجية عباس عراقجي.

ودخلت بكين بدورها الساحة الدبلوماسية، إذ أرسلت الصين مبعوثاً للسلام إلى الرياض خلال الأسبوع الثاني من النزاع، مستعيدة دورها وسيطاً في التطبيع السعودي-الإيراني عام 2023. كما تواصلت فرنسا وروسيا كل على حدة مع طهران بشأن وقف إطلاق النار، وإن من دون تقدم ملموس.

وأصدرت السفارة الأمريكية في الرياض في 11 مارس تنبيهها الأمني الرابع في أربعة أيام، محدّثة إرشادات الاحتماء في المكان للمواطنين الأمريكيين. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أمرت موظفي الحكومة غير المعنيين بحالات الطوارئ بمغادرة المملكة في 8 مارس بعدما ضربت مسيّرات مجمّع السفارة وأشعلت حريقاً صغيراً. وتعمل الرحلات التجارية من الرياض وجدة والدمام، وإن ظل المجال الجوي السعودي مقيّداً جزئياً فوق المناطق المحاذية للعراق والخليج العربي حتى 13 مارس على الأقل.

ما حجم الخسائر المدنية بعد اثني عشر يوماً من الحرب؟

تتواصل الكلفة البشرية للحرب في الارتفاع على جميع الأطراف. وتزعم إيران أن القوات الأمريكية والإسرائيلية ضربت ما يقرب من 10,000 موقع مدني وقتلت أكثر من 1,300 مدني منذ 28 فبراير، وإن لم يتسنّ التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل. وأكد الهلال الأحمر الإيراني سقوط 787 قتيلاً حتى 8 مارس. وقدّرت منظمات حقوقية إجمالي الضحايا الإيرانيين بأكثر من 2,400، بحسب «أكليد». وأفادت تقارير بأن ضربة على مدرسة ابتدائية في جنوب شرق إيران أودت بحياة نحو 170 طفلاً، وفقاً للبيانات نفسها.

وفي السعودية، قُتل مدنيان في الخرج يوم 8 مارس عندما أصاب مقذوف مبنى سكنياً — وهما أول حالتي وفاة مؤكدتين بين المدنيين السعوديين جراء النزاع. ولم تُصدر وزارة الدفاع السعودية أرقاماً شاملة عن الضحايا، وإن كانت منظومات الدفاع الجوي في المملكة قد اعترضت الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيّرات القادمة.

وفي لبنان، قتلت الضربات الإسرائيلية 570 شخصاً على الأقل منذ اتساع النزاع ليشمل حزب الله في 2 مارس، بحسب مسؤولين صحيين لبنانيين نقلت عنهم الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (NPR). وأعلنت إسرائيل عن مقتل 12 مدنياً على الأقل جراء هجمات إيران وحزب الله. وأصيب نحو 140 من أفراد الخدمة الأمريكيين، يصنّف البنتاغون ثمانية منهم بأنهم مصابون بجروح بالغة.

وتمتد الأزمة الإنسانية الأوسع إلى ما هو أبعد من الخسائر العسكرية المباشرة. إذ يواجه العمال الأجانب في السعودية، البالغ عددهم 13.4 مليون — أي نحو 44 في المائة من السكان — خيارات إجلاء محدودة للغاية. وأعلنت إندونيسيا أن 58,000 من مواطنيها عالقون، معظمهم من معتمري العمرة الذين حاصرهم اندلاع النزاع مع اقتراب شهر رمضان. وتعدّ الفلبين خططاً لإجلاء جماعي لـ813,000 عامل. وأُلغيت أكثر من 12,000 رحلة جوية من وجهات الشرق الأوسط وإليها في الأسبوع الأول من مارس وحده.

ماذا بعد

يضيّق التصعيد المزدوج في 11 مارس — حين التقى تهديد إيران بحظر نفطي شامل بأعنف حملة قصف أمريكية — مسار خفض التصعيد. وستحدد ثلاثة متغيرات ما إذا كان النزاع سيشتد أكثر أم سيبدأ في الاستقرار.

المتغير الأول هو ما تبقى من القدرة الهجومية لإيران. فملاحظة هيغسيث بأن إطلاق الصواريخ الإيرانية بلغ أدنى مستوياته توحي بأن القصف المتواصل يُضعف ترسانة طهران. وقد دخلت إيران الحرب بنحو 2,500 صاروخ باليستي بعيد المدى وفق التقديرات. وإذا كان الحرس الثوري قد استنفد أو خسر جزءاً كبيراً من هذا المخزون خلال اثني عشر يوماً من الهجمات على دول الخليج وإسرائيل، فقد يكون تهديد «ولا لتر واحد» مجرد تبجّح لا واقعاً عملياتياً.

المتغير الثاني هو فاعلية طرق التصدير البديلة للنفط السعودي. فإذا تمكنت أرامكو من الحفاظ على صادرات تتراوح بين 4-5 ملايين برميل يومياً عبر ينبع فيما يبقى مضيق هرمز مغلقاً، فإن الضغط الاقتصادي على الأسواق العالمية — ومن ثم على الحكومات الغربية لإنهاء النزاع — يتراجع. أما إذا بدأت قوات الحوثيين في اليمن باستهداف الملاحة في البحر الأحمر تضامناً مع إيران، فإن هذا البديل ينهار.

المتغير الثالث هو المسار الدبلوماسي. فقد انخرطت السعودية والصين وعُمان وفرنسا وروسيا جميعها في جهود الوساطة. ويتسق رفض إيران التفاوض تحت القصف مع الموقف المتشدد الذي تبنّاه مجتبى خامنئي منذ توليه منصب المرشد الأعلى. ولا يترك مطلب ترمب بـ«الاستسلام غير المشروط» بدوره مجالاً يُذكر للتسوية. ويواجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مهمة حماية سكان السعودية البالغ عددهم 36 مليوناً، والحفاظ على صادرات النفط، والمناورة بين حليف أمريكي بدأ الحرب وخصم إيراني يعاقب الخليج على استضافة القوات الأمريكية.

وقال البيت الأبيض إنه يتوقع أن تستمر الحرب أربعة إلى ستة أسابيع أخرى. وبالنسبة إلى السعودية، يحمل كل أسبوع إضافي مزيداً من الصواريخ فوق مدنها، ومزيداً من المسيّرات التي تستهدف حقولها النفطية، ومزيداً من الضغط على البنية الاقتصادية التي ترتكز عليها رؤية 2030.

الأسئلة الشائعة

ماذا تقصد إيران بمنع خروج «ولا لتر واحد من النفط» من الشرق الأوسط؟

هدّد الحرس الثوري الإيراني بمنع جميع صادرات النفط الخليجية إلى الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة وشركائها. ويتجاوز ذلك التعطيل القائم في مضيق هرمز، إذ قد يستهدف طرق التصدير البديلة، ومنها خط الأنابيب السعودي إلى ينبع على البحر الأحمر. ويُستخدم التهديد ورقة ضغط في مواجهة حملة القصف الأمريكية، وإن ظلت قدرة إيران على فرض حصار شامل غير مؤكدة في ظل تراجع قدراتها البحرية والصاروخية بعد اثني عشر يوماً من الضربات.

لماذا يوصف يوم 11 مارس بأنه «أعنف يوم» من الضربات على إيران؟

أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة ستنشر في 11 مارس مقاتلات وقاذفات أكثر، وستنفذ طلعات هجومية أكثر من أي يوم سابق في عملية «الغضب الملحمي». وتضرب الولايات المتحدة في المتوسط نحو 500 هدف يومياً. ويستهدف التصعيد ما تبقى من مواقع الصواريخ الباليستية الإيرانية ومصانع المسيّرات والأصول البحرية. ولاحظ هيغسيث أن إطلاق الصواريخ الإيرانية تراجع إلى أدنى مستوياته، ما يوحي بأن حملة القصف تُضعف القدرة الهجومية لطهران.

كم عدد الصواريخ والمسيّرات التي اعترضتها السعودية؟

في 11 مارس وحده، اعترضت السعودية ستة صواريخ باليستية استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية، وسبع مسيّرات كانت متجهة نحو حقل الشيبة النفطي، إضافة إلى مسيّرات أخرى فوق الخرج وحفر الباطن. ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، اعترضت قوات الدفاع السعودية عشرات الصواريخ الباليستية الإيرانية وأكثر من 50 مسيّرة. وقُتل مدنيان في الخرج يوم 8 مارس، وهما الحالتان الوحيدتان المؤكدتان لوفاة مدنيين سعوديين.

ما سعر النفط الحالي وكيف أثّرت فيه الحرب؟

جرى تداول خام برنت عند نحو 89.72 دولار للبرميل في 11 مارس، بارتفاع يقارب 50 في المائة عن مستويات ما قبل الحرب البالغة نحو 60 دولاراً. وبلغت الأسعار ذروتها فوق 119 دولاراً في 9 مارس قبل أن تنهار بنسبة 17 في المائة في 10 مارس بعدما أعلن الرئيس ترمب أن الحرب «مكتملة جداً». ويعكس التقلب الشديد حالة عدم اليقين بشأن استئناف الملاحة في هرمز والمدة التي سيستغرقها النزاع. وبلغ متوسط سلة أوبك 90.69 دولار في مارس مقارنة بـ67.90 دولار في فبراير.

هل تنضم السعودية إلى الحملة العسكرية ضد إيران؟

لم تشن السعودية ضربات هجومية ضد إيران. وقد اقتصر دور المملكة العسكري على الدفاع عن أراضيها باعتراض الصواريخ والمسيّرات القادمة. وضغط السيناتور ليندسي غراهام على الرياض للانضمام إلى الهجوم، ملوّحاً باتفاقية الدفاع الأمريكية-السعودية، غير أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حافظ على موقف دفاعي مع مواصلة القنوات الدبلوماسية مع طهران. وحذّرت السعودية إيران في 9 مارس من أن استمرار الهجمات سيجعل طهران «الخاسر الأكبر».

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English