الجغرافيا السياسية
السعودية قد تخسر من السلام أكثر مما تخسر من الحرب

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: بدأ التدخل السعودي في اليمن في مارس 2015، أي قبل الاتفاق النووي في يوليو 2015، وجاءت مقاطعة قطر في يونيو 2017، لا في غضون 18 شهراً من الاتفاق. وأُعلن تعهد استثمار تريليون دولار في واشنطن في نوفمبر 2025 لا في مطلع 2025، ومفاعل الأبحاث السعودي تبنيه شركة إنفاب الأرجنتينية لا الصين. كما حُذفت أرقام غير موثقة (47 طائرة مسيّرة، ومئات عمليات الاعتراض، وتراجع الحركة البحرية بنسبة 70 في المئة، وزيادة شحنات الأسلحة إلى الحوثيين بنسبة 300 في المئة، وأعداد صواريخ حزب الله) واقتباسان لم نتمكن من التحقق منهما، أحدهما منسوب إلى عادل الجبير.
الرياض — اللحظة الأخطر على السعودية في الحرب مع إيران، التي دخلت يومها الـ24، ليست وابلاً آخر من الصواريخ الباليستية فوق الرياض، بل مكالمة هاتفية بين واشنطن وطهران تنتهي باتفاق لم توافق عليه الرياض قط. فقد أثار إعلان الرئيس ترمب في 23 مارس عن «محادثات جيدة جداً ومثمرة» مع إيران — وهي محادثات سارعت طهران إلى نفي وجودها — قلقاً داخل الديوان الملكي يفوق ما أثارته أي من الطائرات المسيّرة التي اعترضتها الدفاعات الجوية السعودية منذ 28 فبراير. والسبب بنيوي لا عاطفي. فسلام سابق لأوانه يُبقي شبكة وكلاء إيران سليمة، أو يعجز عن ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، أو يُخرج القوات الأمريكية من قاعدة الأمير سلطان الجوية قبل قيام بنية أمنية دائمة، سيترك المملكة أكثر انكشافاً من الحرب نفسها. فـولي العهد الأمير محمد بن سلمان لم يتعهد باستثمار تريليون دولار في أمريكا، ولم يطرد الملحق العسكري الإيراني، ولم يفتح الأجواء السعودية أمام العمليات القتالية الأمريكية، ليشاهد جاريد كوشنر يمدّ طوق نجاة إلى طهران.
جدول المحتويات
- لماذا يُعدّ سلام ترمب أخطر من صواريخ إيران؟
- عامل كوشنر — ماذا يريد مهندس اتفاقيات أبراهام من إيران؟
- ما هي الخطوط الحمراء السعودية غير القابلة للتفاوض؟
- مصفوفة مقبولية الاتفاق
- كيف همّش الاتفاق النووي السعودية — وهل يمكن أن يتكرر ذلك؟
- ورقة هرمز — لماذا يُعدّ الحصار الإيراني ورقة المساومة الوحيدة لطهران
- ما الضمانات الأمنية التي تحتاجها السعودية فعلاً؟
- ورقة التريليون دولار — كيف اشترى الأمير محمد بن سلمان مقعداً على الطاولة
- لماذا تقصف إسرائيل طهران بينما يتحدث ترمب عن السلام؟
- مشكلة الوكلاء — لا اتفاق ينجح من دون تفكيك الشبكة الإقليمية لإيران
- ماذا يحدث إذا استُبعدت السعودية من غرفة المفاوضات؟
- الأسئلة الشائعة
لماذا يُعدّ سلام ترمب أخطر من صواريخ إيران؟
بعد أربعة وعشرين يوماً من الحرب، باتت الوضعية العسكرية للسعودية أقوى من أي وقت مضى منذ تأسيس المملكة. فقد اعترضت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي كل صاروخ باليستي وصاروخ كروز أُطلق باتجاهها. وأوقفت بطاريات باتريوت باك-3 ومنظومات ثاد، التي تُشغَّل بالاشتراك مع أطقم أمريكية في قاعدة الأمير سلطان الجوية، 38 طائرة مسيّرة خلال ثلاث ساعات في ليلة واحدة من شهر مارس. كما أحبطت شبكة الدفاع الجوي المتكاملة في البحرين، المرتبطة بمنظومات القيادة والسيطرة السعودية، 143 صاروخاً و242 طائرة مسيّرة منذ 28 فبراير. فالحساب العسكري ناجح.
أما الحساب الدبلوماسي فليس كذلك. فتأجيل ترمب ضرب البنية التحتية للطاقة خمسة أيام — الذي أُعلن في الصباح نفسه الذي شنّت فيه إسرائيل ضربات على طهران وصفها مسؤولون في تل أبيب بأنها «غير مسبوقة» — يشير إلى أن واشنطن تستكشف مخرجاً. وكانت عبارة الرئيس لا لبس فيها: «محادثات جيدة جداً ومثمرة». وردّ وزارة الخارجية الإيرانية الفوري بأنه «لا توجد مفاوضات ولا توجد مفاوضات» لا يطمئن الرياض. فقد نفت طهران وجود اتصالات خلفية مع الولايات المتحدة في 2012 و2013 و2014، وكانت كلها حقيقية، وأفضت كلها إلى خطة العمل الشاملة المشتركة التي تعدّها القيادة العليا في المملكة خيانة استراتيجية.
والخطر ليس في السلام بحد ذاته. فالسعودية سترحّب بانتهاء صراع رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل منذ 8 مارس، وعطّل الملاحة في البحر الأحمر، وفرض إجلاء 12,000 عامل أجنبي من المنطقة الشرقية. الخطر يكمن في نوع محدد من السلام: سلام يُتفاوض عليه ثنائياً بين واشنطن وطهران، من دون مشاركة سعودية، ويقايض سحب الأصول العسكرية الأمريكية من الخليج بتنازلات نووية إيرانية تنقضي بعد عقد.
وهذا ليس افتراضاً، بل وصف للاتفاق النووي.
وحسابات التهديد كاشفة. فقد بدأت إيران حربها وفي ترسانتها ما يُقدّر بـ3,000 صاروخ باليستي، وفقاً لتقييم المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية قبل الحرب. وقد استنفدت جزءاً كبيراً من هذا المخزون في 24 يوماً. واستهدفت الضربات الأمريكية بنيتها التحتية لإنتاج الصواريخ الباليستية. وسلاحها الجوي متوقف عن الطيران، وبحريتها فقدت عدة سفن. فإيران اليوم أضعف مما ستكون عليه بعد خمس سنوات إذا سمح لها اتفاق سابق لأوانه بإعادة البناء. وفي كل يوم تستمر فيه الحرب في ظل الظروف الحالية، يميل الميزان العسكري أكثر ضد طهران ولصالح دول الخليج. ولهذا فإن سلاماً سيئاً — يُوقَّع الآن بينما إيران في حالة يأس — أخطر من الحرب التي تُضعف باطّراد قدرة إيران على تهديد جيرانها.
عامل كوشنر — ماذا يريد مهندس اتفاقيات أبراهام من إيران؟
يُعدّ وجود جاريد كوشنر في المحادثات مع إيران أخطر قرار يتعلق بالأشخاص في هذه الأزمة. فكوشنر ليس مسؤولاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ولا تقيّده الذاكرة المؤسسية لـ«فوغي بوتوم» أو الخبرة الإقليمية للدبلوماسيين المحترفين الذين أمضوا عقوداً في إدارة ملف الأمن الخليجي. إنه صانع صفقات قام إنجازه السابق في الشرق الأوسط — اتفاقيات أبراهام — على نظرية محددة: أن التطبيع العربي الإسرائيلي يمكن تحقيقه بالالتفاف على القضية الفلسطينية لا بالمرور عبرها.
والسؤال الذي يطرحه المسؤولون السعوديون في مجالسهم الخاصة هو ما إذا كان كوشنر ينوي تطبيق المنطق ذاته على إيران: الالتفاف على المخاوف الأمنية السعودية بدلاً من المرور عبرها.
وروابط كوشنر المالية بالمملكة ليست تفصيلاً هامشياً. فقد تلقّت شركته، أفينيتي بارتنرز، 2 مليار دولار من صندوق الاستثمارات العامة في 2021، وهو التزام صمد أمام تدقيق مكثف من لجنة استشارية تابعة للصندوق نفسه أبدت مخاوف بشأن سجل الشركة وإدارتها. ويمنح هذا الاستثمار كوشنر علاقة مالية شخصية مع جهاز الثروة السيادية السعودي لم يمتلكها أي مفاوض أمريكي قبله. أما ما إذا كان ذلك يجعله أكثر تفهّماً للمخاوف السعودية أم أكثر تضارباً في المصالح عند معالجتها، فيتوقف كلياً على الجانب الذي تجلس فيه من الطاولة.
وأصبحت مشاركة كوشنر في المحادثات علنية في 23 مارس، حين كشف ترمب أن كوشنر والمبعوث ستيف ويتكوف تحدثا مع مسؤول إيراني رفيع. وكانت حسابات مجهولة في أسواق التنبؤ قد وضعت رهانات بقيمة 160,000 دولار على وقف إطلاق النار قبل الإعلان، ما أثار تساؤلات حول من كان على علم مسبق بالقناة الدبلوماسية.
أما ستيف ويتكوف، المطوّر العقاري النيويوركي الذي انضم إلى المحادثات إلى جانب كوشنر، فلا يملك أي خبرة في الشرق الأوسط. ويوحي وجوده بأن إدارة ترمب تنظر إلى التفاوض مع إيران من منظور عقد الصفقات، وهو إطار يناسب صفقات تبادل السجناء الثنائية وحزم تخفيف العقوبات، لكنه ينهار حين يُطبَّق على بنى أمنية إقليمية متعددة الأطراف تشمل ست دول خليجية وإسرائيل والعراق وبقايا شبكة وكلاء إيران في أربع دول.
وقد نجحت اتفاقيات أبراهام جزئياً لأنها طلبت من الموقّعين عليها القليل نسبياً. فقد طبّعت البحرين والإمارات علاقاتهما مع إسرائيل مقابل حزم أسلحة أمريكية وضمانات أمنية ضمنية، ولم تنتقل أي أراضٍ من يد إلى أخرى، ولم تُسرَّح أي جيوش. أما اتفاق مع إيران يعالج المتطلبات الأمنية الفعلية للسعودية فسيتطلب أضعافاً مضاعفة: التفكيك الذي يمكن التحقق منه لبرنامج الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، وانسحاب مستشاري الحرس الثوري الإيراني من العراق وسوريا، وإعادة فتح مضيق هرمز تحت مرافقة بحرية دولية، ونظام تفتيش نووي من دون بنود انقضاء. ولم يسبق لكوشنر أن تفاوض على أي شيء بهذا القدر من التعقيد.

ما هي الخطوط الحمراء السعودية غير القابلة للتفاوض؟
لم تُعلن السعودية قائمة مطالب لأي اتفاق سلام مع إيران. وهذا الصمت متعمّد. فنشر الخطوط الحمراء قبل بدء المفاوضات تنازل في حد ذاته، إذ يُعلم الطرف الآخر بدقة أين ستقدّم التنازلات. لكن يمكن استنتاج متطلبات المملكة من أفعالها وإنفاقها الدفاعي واتصالاتها الدبلوماسية والمنطق الاستراتيجي لموقعها.
الخط الأحمر الأول هو الحضور. يجب أن تكون السعودية في الغرفة: لا أن تُطلَع بعد وقوع الأمر، ولا أن تُستشار هاتفياً، بل أن تكون حاضرة وتملك حق النقض على أي بند يمسّ أمن الخليج. فقد تفاوضت على الاتفاق النووي مجموعة 5+1، أي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا. أما السعودية، التي تتشارك حدوداً بحرية مع إيران، وتستضيف القوات العسكرية الأمريكية التي ستتولى إنفاذ أي اتفاق، وتملك 17 في المئة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، فقد استُبعدت كلياً. ولا يمكن أن يتكرر ذلك.
الخط الأحمر الثاني هو هرمز. يجب إعادة فتح مضيق هرمز بشروط تمنع إيران من إغلاقه مجدداً. فأربعون ألف بحّار عالقون حتى 23 مارس، والملاحة عبر المضيق شبه متوقفة. وتمثّل الألغام البحرية الإيرانية والزوارق الهجومية السريعة والصواريخ المضادة للسفن — التي نجا كثير منها من الأسابيع الأولى للحرب — تهديداً قائماً لـ20 في المئة من عبور النفط العالمي. وأي اتفاق لا يتضمن وجوداً بحرياً دولياً دائماً في المضيق، بقواعد اشتباك تسمح بالتحرك الاستباقي ضد زرع الألغام الإيرانية، هو اتفاق يسلّم طهران سلاحاً قابلاً لإعادة التعبئة.
الخط الأحمر الثالث هو الوكلاء. فـشبكة وكلاء إيران الإقليمية — حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق في العراق، وتشكيلات ميليشياوية متعددة في سوريا — تمثّل التهديد الرئيسي للسكان المدنيين في السعودية ولبنيتها التحتية الاقتصادية. فقد شنّ الحوثيون وحدهم أكثر من 400 هجوم على الأراضي السعودية بين 2015 و2022. وأي اتفاق سلام يجمّد شبكة الوكلاء على حالها، بدلاً من اشتراط تفكيكها على نحو يمكن التحقق منه، أسوأ من عدم وجود اتفاق على الإطلاق.
الخط الأحمر الرابع هو ديمومة القيود النووية. يجب ألا يتضمن أي قيد نووي بند انقضاء. فقد صُممت أحكام الاتفاق النووي لتنقضي بعد 10 و15 عاماً، وهو جدول زمني وصفه مسؤولون سعوديون علناً بأنه «ساعة عدّ تنازلي نحو قنبلة إيرانية». وقد حذّر الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات، عام 2015 من أنه إذا احتفظت إيران بحق تخصيب اليورانيوم، فإن السعودية ستسعى إلى امتلاك القدرة ذاتها. ولا يزال هذا التحذير قائماً.
مصفوفة مقبولية الاتفاق
يمكن تقييم أي اتفاق محتمل مع إيران في ضوء ست فئات من المتطلبات الاستراتيجية السعودية. ولكل فئة حدّ أدنى لا يكون أي اتفاق دونه مقبولاً، مهما كانت الشروط الأخرى مواتية. ويوفّر هذا الإطار — مصفوفة مقبولية الاتفاق — منهجاً منظماً لتقييم ما إذا كانت مجموعة معينة من الشروط تلبي الحد الأدنى من متطلبات السعودية للمصادقة عليها.
| الفئة | الحد الأدنى من الشروط المقبولة | الشروط غير المقبولة (مُفسِدات الاتفاق) | سابقة الاتفاق النووي (2015) |
|---|---|---|---|
| البنية الأمنية | وجود دائم للقوات الأمريكية في قاعدة الأمير سلطان الجوية؛ قيادة خليجية متكاملة للدفاع الجوي؛ معاهدة دفاعية ثنائية ببند يعادل المادة 5 | انسحاب القوات الأمريكية شرطاً مسبقاً؛ تقليص نشر منظومات ثاد/باتريوت؛ ضمانات أمنية محدودة المدة | لا أحكام أمنية لدول الخليج؛ وضع القوات الأمريكية لم يُعالَج |
| حرية الملاحة البحرية | قوة مهام بحرية دولية في مضيق هرمز بصلاحيات استباقية؛ إزالة الألغام الإيرانية بتحقق من طرف ثالث؛ مراقبة بحرية دائمة | الاعتراف بمطالبة إيران بالسيادة على المضيق؛ قوة مهام بحرية بحق نقض إيراني؛ دوريات محدودة المدة | الأمن البحري لم يُعالَج |
| تفكيك الوكلاء | انسحاب يمكن التحقق منه لمستشاري الحرس الثوري الإيراني من العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ نزع سلاح الميليشيات تحت إشراف الأمم المتحدة؛ إبقاء العقوبات على الشبكات المالية حتى التحقق | تجميد شبكة الوكلاء على حالها؛ «تعهد بعدم التدخل» من دون تحقق؛ تفكيك مرحلي مرتبط بتخفيف العقوبات | الوكلاء مستبعدون من المفاوضات كلياً |
| الضمانات النووية | لا بنود انقضاء على قيود التخصيب؛ المصادقة الدائمة على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ فتح جميع المواقع غير المعلنة؛ الإفصاح الكامل عن أبحاث التسلّح | بنود انقضاء على أي حكم؛ السماح بالتخصيب فوق 3.67 في المئة؛ قصر وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المواقع المعلنة | بنود انقضاء عند 10 و15 عاماً؛ السماح بالتخصيب؛ المواقع غير المعلنة لم تُعالَج حتى 2023 |
| التعويض الاقتصادي | صندوق لإعادة إعمار دول الخليج عن أضرار الحرب؛ تحميل إيران المسؤولية عن الخسائر الاقتصادية لإغلاق هرمز؛ ضمانات لحماية البنية التحتية للطاقة السعودية | تخفيف فوري للعقوبات من دون تعويض؛ الإفراج عن الأصول الإيرانية قبل التحقق من تفكيك الوكلاء؛ غياب آلية لتعويضات الحرب | الإفراج عن 150 مليار دولار من الأصول الإيرانية؛ لا تعويض للخليج |
| الاعتراف الإقليمي | السعودية ودول الخليج أطراف موقّعة؛ حق نقض لمجلس التعاون الخليجي على الأحكام التي تمسّ أمن الخليج؛ اعتراف إيراني رسمي بسيادة البحرين | اتفاق ثنائي أمريكي إيراني؛ دول الخليج تُطلَع لكنها ليست أطرافاً موقّعة؛ غياب إطار رسمي للاعتراف | دول الخليج مستبعدة؛ أُطلعت بعد إقرار الشروط |
وتكشف المصفوفة مشكلة بنيوية. فلم تُعالَج أي فئة من الفئات الست في الاتفاق النووي. فاتفاق 2015 كان اتفاقاً نووياً فقط، استبعد عمداً الأمن الإقليمي وشبكات الوكلاء وحرية الملاحة البحرية ومشاركة دول الخليج. وإذا كانت إدارة ترمب تتخذ الاتفاق النووي نموذجاً، أو حتى نقطة انطلاق، فإن كل فئة من فئات المصفوفة تبدأ من الصفر.
كما تكشف المصفوفة حجم ما تطلبه السعودية. فتلبية الحد الأدنى من الشروط المقبولة في الفئات الست جميعها ستتطلب أكثر اتفاقيات الحد من التسلح والأمن الإقليمي طموحاً منذ اتفاقيات هلسنكي. وستقتضي أن تقبل إيران قيوداً على وضعها العسكري التقليدي وعملياتها الاستخباراتية وانتشارها البحري وعلاقاتها مع الجهات الفاعلة من غير الدول، إضافة إلى القيود النووية. ولم تقبل أي دولة هذا المستوى من التدخل في سياستها الأمنية السيادية من دون أن تتكبّد أولاً هزيمة عسكرية كاملة.
وهنا يكمن التوتر الجوهري. فالحد الأدنى من متطلبات السعودية لاتفاق سلام يتعارض بنيوياً مع أي اتفاق قد تقبله إيران طوعاً. وهذا يعني أنه إما أن تستمر الحرب حتى يتدهور موقف إيران بما يكفي لانتزاع هذه التنازلات، وإما أن يقصر الاتفاق عن تلبية المتطلبات السعودية، فتجد المملكة نفسها في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل إطلاق الصاروخ الأول.
ويتضاعف الخطر باستبعاد المملكة من المحادثات. فمع تركيز اتفاق ترمب ذي النقاط الـ15 على المخاوف النووية والأمنية الإسرائيلية بدلاً من حماية دول الخليج، تواجه السعودية احتمال تسوية سلمية تعالج أولويات الجميع ما عدا أولوياتها.
كيف همّش الاتفاق النووي السعودية — وهل يمكن أن يتكرر ذلك؟
لا تزال خطة العمل الشاملة المشتركة، الموقّعة في فيينا في 14 يوليو 2015، الصدمة المحدِّدة للسياسة الخارجية السعودية في القرن الحادي والعشرين. لا بسبب ما تضمّنته — وإن كانت الرياض قد اعترضت على كل أحكامها تقريباً — بل بسبب ما مثّلته: استعداد الولايات المتحدة للتفاوض على البنية الأمنية للخليج من دون التشاور مع الدول التي تعيش فيه.
وكان منطق إدارة أوباما متماسكاً داخلياً. فالاتفاق النووي اتفاق لمنع الانتشار النووي، يقتصر نطاقه على البرنامج النووي الإيراني. وكان إدراج أمن الخليج وشبكات الوكلاء وديناميات القوة الإقليمية سيجعل المفاوضات معقدة إلى حد الاستحالة، ويمنح إيران أسباباً للانسحاب. ومن خلال تضييق النطاق، توصلت مجموعة 5+1 إلى اتفاق أخضع البرنامج النووي الإيراني لأشد نظام تفتيش تدخلاً في تاريخ الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومن منظور الرياض، كان ذلك المنطق خيانة في ثوب دبلوماسي. فالبرنامج النووي لم يكن قط الشاغل الأول للمملكة. إذ كانت الترسانة الإيرانية من الصواريخ الباليستية — التي قدّرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بنحو 3,000 صاروخ قبل الحرب الحالية — تهديداً أكبر من أجهزة الطرد المركزي. وكانت العمليات الاستكشافية للحرس الثوري في العراق وسوريا ولبنان واليمن تحدياً وجودياً للنفوذ الإقليمي السعودي. ولم يعالج الاتفاق النووي أياً منهما. والأسوأ أنه أفرج عن نحو 150 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة، وهي أموال رأت الرياض أنها تدفقت مباشرة إلى ميزانية فيلق القدس التابع للحرس الثوري، ومنها إلى حزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية.
واعتذر الملك سلمان عن حضور قمة كامب ديفيد التي دعا إليها أوباما في مايو 2015، وأوفد بدلاً منه ولي العهد آنذاك الأمير محمد بن نايف، في خفض لمستوى التمثيل الدبلوماسي فهمته واشنطن توبيخاً متعمداً. وكانت الرسالة واضحة: لن تضفي السعودية الشرعية على عملية استُبعدت منها.
وأوجه الشبه مع مارس 2026 دقيقة إلى حد يبعث على عدم الارتياح. فمرة أخرى، تتحدث واشنطن مع طهران. ومرة أخرى، تبدو المحادثات ثنائية. ومرة أخرى، تعلم دول الخليج بالمفاوضات من المؤتمرات الصحفية لا من مقاعدها على الطاولة. والفرق أن السعودية لم تكن في 2015 في اشتباك عسكري فعلي مع إيران، أما اليوم فالدفاعات الجوية السعودية تُسقط طائرات مسيّرة إيرانية فوق المدن السعودية. ورهانات الاستبعاد ليست حرجاً دبلوماسياً، بل بقاء وطني.
ورقة هرمز — لماذا يُعدّ الحصار الإيراني ورقة المساومة الوحيدة لطهران
يُعدّ إغلاق إيران مضيق هرمز أخطر عمل من أعمال الحرب الاقتصادية منذ الحظر النفطي العربي عام 1973. فنحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية تعبر المضيق في الظروف العادية. ومنذ أن نشرت إيران الألغام البحرية والزوارق الهجومية السريعة والصواريخ الساحلية المضادة للسفن لإغلاق الممر المائي في أوائل مارس، لم تكتفِ أسواق النفط العالمية بالتفاعل، بل أعادت هيكلة نفسها.
وبات من المقرر أن تصطدم إعادة الهيكلة هذه بـإعادة فتح السوق المالية السعودية (تداول) بعد إغلاقها ثمانية أيام لعطلة العيد، ما يجبر أسواق الأسهم السعودية على تسعير أسبوع من التصعيد وقع بينما كانت البورصة مغلقة.
وتجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل في 8 مارس، بحسب التقييم الطارئ للوكالة الدولية للطاقة، وبقيت عند هذا المستوى. ويعلق أكثر من 40,000 بحّار تجاري على سفن عاجزة عن العبور. وارتفعت أقساط التأمين على الناقلات المتجهة إلى الخليج بنسبة 400 في المئة. وعلّقت ثلاث من كبرى شركات الشحن — ميرسك وإم إس سي وسي إم إيه سي جي إم — جميع رحلاتها إلى موانئ الخليج إلى أجل غير مسمى.
وبالنسبة إلى إيران، فإن إغلاق هرمز ليس استراتيجية عسكرية، بل استراتيجية تفاوضية. فقد تراجعت القوات العسكرية التقليدية لطهران بشكل كبير بفعل 24 يوماً من الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وأصيبت ثمانون ألف وحدة سكنية مدنية، وفقاً لأرقام وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية التي قد تقلل من حجم الأضرار الفعلية. ودُمّر سلاح الجو الإيراني من الناحية الوظيفية. وتكبّدت القوات البرية للحرس الثوري خسائر كبيرة، وإن ظلت الأرقام الدقيقة غير متاحة.
أما ما تحتفظ به إيران فهو القدرة على إبقاء المضيق مغلقاً. فإزالة الألغام في المياه المتنازع عليها من أكثر العمليات البحرية استهلاكاً للوقت وخطورة. وتستطيع قوة الإجراءات المضادة للألغام في البحرية الأمريكية — أربع سفن من فئة أفنجر ومجموعة من مروحيات MH-53E — فتح ممر ملاحي، لكن ليس ما دامت البطاريات الساحلية الإيرانية عاملة. وتستطيع إيران إعادة زرع الألغام أسرع مما يستطيع التحالف إزالتها، ما يخلق حلقة لا تنتهي إلا بتدمير شبكة الدفاع الساحلي الإيرانية بأكملها أو بإعادة فتح متفاوض عليها.
ولهذا تقع مسألة هرمز في صميم أي اتفاق سلام. فإيران ستعرض إعادة فتح المضيق مقابل وقف إطلاق النار وتخفيف العقوبات. والإغراء أمام واشنطن لقبول هذه المقايضة هائل، إذ يكلّف كل يوم يظل فيه المضيق مغلقاً الاقتصاد العالمي ما يُقدّر بـ3.5 مليار دولار من التجارة المعطّلة، وفقاً لتقديرات لويدز أوف لندن. وبالنسبة إلى إدارة ترمب، ستكون إعادة فتح هرمز إنجازاً ملموساً ومرئياً يخفض أسعار الوقود قبل أن تنطلق دورة انتخابات التجديد النصفي بجدية.
أما بالنسبة إلى السعودية، فإن قبول هذه المقايضة من دون ضمانات دائمة للأمن البحري سيكون كارثياً. إذ سيرسّخ مبدأ أن إيران تستطيع إغلاق المضيق وانتزاع التنازلات ثم إعادة إغلاقه كلما حلّت الأزمة التالية. وسيتحول المضيق إلى كشك لتحصيل الرسوم لا ممراً مائياً.

ما الضمانات الأمنية التي تحتاجها السعودية فعلاً؟
أنفقت السعودية 67.6 مليار دولار على الدفاع في 2025، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهي خامس أكبر ميزانية دفاعية في العالم، متجاوزةً ميزانيات اليابان أو ألمانيا أو فرنسا. ويشتري هذا الرقم، الذي يمثّل نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ترسانة مثيرة للإعجاب: مقاتلات الضربات F-15SA، ومقاتلات يوروفايتر تايفون، ومنظومات الدفاع الجوي باتريوت باك-3 وثاد، وبحرية مبنية حول فرقاطات فرنسية التصميم وسفن قتال ساحلية أمريكية.
لكن ذلك ليس كافياً. فقد أثبتت الحرب الحالية أن المؤسسة الدفاعية السعودية، رغم كل عتادها، تعتمد على الأفراد الأمريكيين والاستخبارات الأمريكية والتكامل الأمريكي في القيادة والسيطرة لكي تعمل بالمستوى المطلوب لهزيمة حملة إيرانية متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. فالطائرات المسيّرة الـ38 التي اعتُرضت خلال ثلاث ساعات في ليلة واحدة لم يوقفها المشغّلون السعوديون وحدهم، بل أوقفتها شبكة استشعار مدمجة تربط منشآت الرادار السعودية وطائرات الإنذار المبكر والتحكم الأمريكية (أواكس) ومنظومات الأقمار الاصطناعية العاملة بالأشعة تحت الحمراء في صورة استهداف واحدة.
وهذا الاعتماد هو جوهر المعضلة الأمنية السعودية. فالمملكة تحتاج إلى بقاء القوات الأمريكية في الخليج لا بوصفه بادرة دبلوماسية بل متطلباً عسكرياً وظيفياً. فإذا أُزيل الأفراد الأمريكيون الذين يصونون بطاريات ثاد، ومحللو الاستخبارات الذين يعالجون صور الأقمار الاصطناعية في مركز العمليات الجوية المشتركة، وطائرات التزود بالوقود التي تُبقي المقاتلات السعودية في الجو خلال دوريات القتال الجوي الممتدة، فإن قدرة السعودية على الدفاع عن نفسها في مواجهة الوابل الصاروخي الإيراني التالي ستتراجع بشدة.
ولذلك فإن الضمانات الأمنية التي تحتاجها السعودية تتجاوز بكثير فقرة في معاهدة. إنها تتطلب وجوداً عسكرياً أمريكياً دائماً في المملكة قائماً على معاهدة، أقرب إلى التحالف الأمني الأمريكي الياباني أو الأمريكي الكوري الجنوبي منه إلى الترتيبات غير الرسمية القابلة للنشر التي ميّزت العلاقة العسكرية الأمريكية السعودية منذ التسعينيات. وكانت موافقة وزير الخارجية ماركو روبيو على حزمة أسلحة طارئة بقيمة 16 مليار دولار لدول الخليج في مارس خطوة في هذا الاتجاه، لكن صفقات الأسلحة ليست تحالفات. فالسعودية تحتاج إلى التزام ملزم بأن أي هجوم على المملكة سيُعامَل بوصفه هجوماً على الولايات المتحدة.
ولم تُبدِ أي إدارة أمريكية استعداداً لتقديم هذا الالتزام. وقد تكون إدارة ترمب، التي تنظر إلى أمن الخليج من منظور الصفقات — الحماية العسكرية مقابل الاستثمار ومشتريات الأسلحة — أكثر تقبّلاً من سابقاتها، لكن فقط إذا كان الثمن مناسباً. وهذا ما يقود التحليل إلى سؤال التريليون دولار.
ورقة التريليون دولار — كيف اشترى الأمير محمد بن سلمان مقعداً على الطاولة
لم يكن تعهد الأمير محمد بن سلمان باستثمار 1 تريليون دولار سعودي في الولايات المتحدة — الذي أُعلن خلال زيارته إلى واشنطن في نوفمبر 2025 — عملاً من أعمال الكرم، بل كان دفعة أولى لضمان الحضور والأهمية. فقد أدرك ولي العهد، من تجربة الاتفاق النووي، أن المخاوف الأمنية السعودية لا يكون لها وزن في واشنطن إلا حين تقترن بحوافز اقتصادية كبيرة بما يكفي لإعادة تشكيل الحسابات السياسية الداخلية.
فتريليون دولار، موزعة على قطاعات التصنيع والتكنولوجيا والدفاع والطاقة الأمريكية، يخلق في كل دائرة انتخابية للكونغرس فئات مستفيدة من الاستثمار السعودي. ويجعل العلاقة الأمريكية السعودية قضية اقتصادية داخلية لا مجرد قضية سياسة خارجية. فالسيناتور عن ولاية ميشيغان التي تلقت استثماراً سعودياً في قطاع السيارات بقيمة 20 مليار دولار سيفكّر مرتين قبل التصويت على سحب القوات الأمريكية من الخليج. هذا هو المنطق الاستراتيجي.
ويضخّم بُعد كوشنر هذه الحسابات. فاستثمار صندوق الاستثمارات العامة البالغ 2 مليار دولار في أفينيتي بارتنرز يعني أن الرجل الذي يجلس قبالة المفاوضين الإيرانيين تربطه علاقة مالية مباشرة بالدولة السعودية. ويصف المنتقدون ذلك بأنه تضارب في المصالح، فيما تصفه الرياض بأنه توافق في الحوافز. لكن هذا التمييز أقل أهمية من الأثر العملي: فكوشنر يدرك، على المستويين الشخصي والمالي، أن مصالح السعودية لا يمكن تجاهلها في أي اتفاق يتمخض عن المحادثات.
غير أن المال أصل تتناقص قيمته في المفاوضات الدبلوماسية. فتعهد التريليون دولار يشتري الاهتمام لا النتائج. وإذا خلصت إدارة ترمب إلى أن اتفاقاً سريعاً مع إيران — يعيد فتح هرمز ويخفض أسعار النفط ويتيح للرئيس إعلان النصر — أثمن سياسياً من تدفقات استثمارية سعودية سيستغرق تحققها عقداً، فإن التعهد يفقد أهميته. فالقوة المالية السعودية هائلة، لكنها تعمل وفق جدول زمني يُقاس بالسنوات، بينما تعمل الأزمات الدبلوماسية وفق جدول زمني يُقاس بالساعات.
وكان طرد الملحق العسكري الإيراني في 21 مارس إشارة إلى هذا المنطق تحديداً. فمن خلال تصعيد موقفها الدبلوماسي ضد طهران، رفعت الرياض كلفة أي اتفاق يستبعد المخاوف السعودية. إذ لا يمكنك التفاوض على سلام بين طرفين بينما يطرد أحدهما دبلوماسيي الآخر، ما لم تعالج أسباب الطرد.
وثمة مشكلة بنيوية أعمق في استراتيجية التريليون دولار. فتعهد الاستثمار السعودي مشروط بنتائج السياسة الأمريكية. فإذا قدّمت إدارة ترمب بنية أمنية تحمي المملكة، تتدفق التريليون دولار. وإن لم تفعل، تبقى الأموال في الداخل، أو تتجه إلى الصين، التي أثبتت عبر اتفاق بكين عام 2023 أنها قادرة على رعاية الدبلوماسية الخليجية من دون مشاركة أمريكية. وتمنح أصول صندوق الاستثمارات العامة المُدارة البالغة 925 مليار دولار ولي العهد القدرة على إعادة توجيه تدفقات رأس المال بطرق من شأنها إعادة تشكيل الأسواق المالية العالمية. وهذا ليس تهديداً، بل حقيقة يدركها كل مستشار اقتصادي في البيت الأبيض.
لماذا تقصف إسرائيل طهران بينما يتحدث ترمب عن السلام؟
تبدو الضربات الإسرائيلية على البنية التحتية في طهران في 23 مارس — التي وصفها مسؤولون إسرائيليون بأنها «غير مسبوقة» في نطاقها — متناقضة مع المساعي الدبلوماسية الأمريكية المتزامنة. لكنها ليست كذلك. فإسرائيل والولايات المتحدة تنفذان استراتيجية منسّقة يسميها محللون دبلوماسيون «التصعيد من أجل التفاوض»: زيادة الضغط العسكري إلى الحد الذي تتجاوز فيه كلفة استمرار إيران في الحرب كلفة قبولها شروط سلام غير مواتية.
وتحاكي هذه المقاربة ما وصفه محللون بأنه عقيدة إيران نفسها القائمة على القتال أثناء التفاوض — إذ أطلقت طهران صواريخ باليستية على الرياض في اليوم ذاته الذي كانت تسعى فيه عبر قنوات السلام، ما يوحي بأن طرفي هذا الصراع ينظران إلى التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي لا بوصفهما متناقضين، بل أداتين متكاملتين للإكراه.
ولم يكن تأجيل ترمب ضربات الطاقة خمسة أيام وقفاً لإطلاق النار، بل توقفاً انتقائياً عن الاستهداف الأمريكي للبنية التحتية النفطية الإيرانية، وهي الفئة الوحيدة من الأهداف التي من شأنها أن تقلّص بشكل دائم قدرة إيران على التعافي الاقتصادي بعد الحرب. فمن خلال الإبقاء على أهداف الطاقة احتياطاً بينما كانت إسرائيل تدمّر البنية التحتية العسكرية في طهران، أوجدت الإدارة حملة ضغط ذات مسارين: ألم فوري من الضربات الإسرائيلية، وتهديد بضرر اقتصادي دائم من ضربات أمريكية لا تزال مطروحة.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن هذه المقاربة المزدوجة مطمئنة ومقلقة في آن. مطمئنة لأنها تُضعف القدرة العسكرية الإيرانية في الوقت الفعلي، فكل عقدة قيادة للحرس الثوري تُدمَّر في طهران تعني عقدة أقل توجّه عمليات الوكلاء ضد دول الخليج. ومقلقة لأنها تمنح إيران سبباً للتفاوض بسرعة قبل استئناف الضربات الأمريكية، ما يزيد احتمال إبرام اتفاق على عجل لا عن تروٍّ.
وتتقاطع أهداف إسرائيل في أي اتفاق سلام مع أهداف السعودية في بعض المجالات وتتباعد عنها بشدة في مجالات أخرى. فكلتاهما تريد تقييد البرنامج النووي الإيراني بشكل دائم، وكلتاهما تريد تدمير قدرة حزب الله على الصواريخ الدقيقة. لكن إسرائيل لا مصلحة استراتيجية لها في مضيق هرمز، إذ لا تمر وارداتها النفطية عبر المضيق. ولا مصلحة لإسرائيل في تركيبة الميليشيات العراقية أو مستقبل الجماعات المدعومة من إيران في سوريا، ما دامت لا تهدد مرتفعات الجولان. ولإسرائيل مصلحة فعلية في منع السعودية من امتلاك القدرة النووية التي قالت الرياض مراراً إنها ستسعى إليها إذا احتفظت إيران بحقوق التخصيب.
ويكمن الخطر على السعودية في أن يُفصَّل اتفاق ترعاه أمريكا على مقاس الأولويات الإسرائيلية والأمريكية — القيود النووية والإفراج عن الرهائن — مع التعامل مع المخاوف الأمنية الخليجية بوصفها أحكاماً ثانوية يمكن معالجتها في مفاوضات لاحقة لا تحدث أبداً. وهذا ليس قلقاً نظرياً. فقد تضمنت اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 أحكاماً للحكم الذاتي الفلسطيني لم تُنفَّذ قط. وتضمن اتفاق دايتون عام 1995 إطاراً للحكم متعدد الأعراق في البوسنة لا يزال معطّلاً بعد ثلاثة عقود. وكثيراً ما ترحّل الاتفاقيات الدولية أصعب أحكامها إلى عمليات لاحقة تموت بفعل الإهمال البيروقراطي.
ولا تستطيع السعودية تحمّل هذه النتيجة. فقد وضعت المملكة قاعدة الأمير سلطان الجوية في تصرف القوات الأمريكية، وفتحت أجواءها أمام الطلعات القتالية الأمريكية، وتحمّلت هجمات إيرانية مباشرة على أراضيها. فهي، من الناحية العملياتية، في وضع الطرف المشارك في القتال. واتفاق يعامل الرياض كمتفرج بينما يكافئ طهران على تنازلات قدّمتها تحت الضغط العسكري الإسرائيلي والأمريكي سيبعث برسالة مفادها أن الاصطفاف مع الولايات المتحدة في زمن الحرب لا يجلب أي مكسب دبلوماسي، وهي رسالة سيتردد صداها من تايبيه إلى وارسو.

مشكلة الوكلاء — لا اتفاق ينجح من دون تفكيك الشبكة الإقليمية لإيران
ليست شبكة وكلاء إيران ملحقاً بسياستها الخارجية، بل هي السياسة الخارجية ذاتها. فقد بنى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي يدير العمليات الخارجية منذ الثمانينيات، شبكة من الجهات المسلحة من غير الدول تمنح طهران عمقاً استراتيجياً في أربع دول من دون كلفة نشر قوات إيرانية تقليدية أو انكشافها. وقبل الحرب الحالية، ضمّت الشبكة ما يُقدّر بـ200,000 مقاتل يخضعون لدرجات متفاوتة من القيادة الإيرانية، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أي أكثر من عدد أفراد الجيش العامل في معظم الدول الأعضاء في الناتو. ويبقى ما إذا كان مجتبى خامنئي قادراً على الحفاظ على قيادة متماسكة لهذه الشبكة من مكانه غير المعلن المجهولَ الحاسم.
وقد أضعفت الحرب هذه الشبكة لكنها لم تدمّرها. فقد تكبّد هيكل قيادة حزب الله في لبنان خسائر كبيرة جراء الاستهداف الإسرائيلي. وتلقّى الحوثيون في اليمن أضراراً جسيمة من الضربات الأمريكية والسعودية. وتقيّدت الميليشيات العراقية بفعل التعاون المتردد من الحكومة العراقية مع العمليات الأمريكية. لكن البنية التحتية الأساسية للشبكة — معسكرات التدريب والقنوات المالية وسلاسل إمداد الأسلحة وآليات التجنيد العقائدي — لا تزال سليمة.
وأي اتفاق سلام لا يعالج مسألة الوكلاء ليس اتفاق سلام، بل استراحة. وقد أثبتت تجربة السعودية مع الاتفاق النووي ذلك بشكل قاطع. فبينما كان الاتفاق النووي سارياً، وسّع الحرس الثوري وجوده في سوريا من أدوار استشارية إلى عمليات قتالية مباشرة شارك فيها الآلاف من أفراده.
ولم يكتفِ الاتفاق النووي بالإخفاق في تقييد الوكلاء، بل موّل توسعهم. كما أوجد درعاً دبلوماسياً: فكل محاولة أمريكية للضغط على إيران بسبب أنشطة وكلائها قوبلت باعتراضات أوروبية على أن مثل هذا الضغط قد يُسقط الاتفاق النووي. فأصبح الاتفاق النووي، عملياً، بند حصانة لأكثر سلوكيات إيران زعزعة للاستقرار.
وموقف السعودية هو أن تفكيك شبكة الوكلاء يجب أن يكون شرطاً مسبقاً لأي اتفاق، لا بنداً لاحقاً. فالترسانة الحوثية التي استهدفت المدن السعودية، وشبكات الميليشيات العراقية التي تهدد الملاحة الخليجية في شمال الخليج العربي، والبنية الصاروخية لحزب الله التي تعرّض إسرائيل، ومن ثمّ شرق البحر المتوسط، للخطر، يجب أن تُعالج بوصفها شروطاً أساسية لا ملاحق طموحة. وإذا تعاملت إدارة ترمب مع الوكلاء كما تعاملت معهم إدارة أوباما — بوصفهم مشكلة منفصلة تُعالَج عبر قنوات دبلوماسية منفصلة — فسيفشل الاتفاق للأسباب نفسها التي فشل بسببها الاتفاق النووي، وستكون الحرب المقبلة أسوأ من هذه الحرب.
ماذا يحدث إذا استُبعدت السعودية من غرفة المفاوضات؟
يسود في العواصم الغربية اعتقاد بأن السعودية ستقبل أي اتفاق تتفاوض عليه الولايات المتحدة، لأن المملكة تعتمد على الحماية العسكرية الأمريكية ولا تملك راعياً أمنياً بديلاً. وهذا خطأ من كل الوجوه.
فلم يكن رد السعودية على استبعادها من الاتفاق النووي الإذعان، بل إعادة توجيه شاملة للاستراتيجية الإقليمية. ففي السنوات المحيطة بتوقيع الاتفاق النووي، تدخلت الرياض عسكرياً في اليمن (في مارس 2015، قبل الاتفاق بأربعة أشهر)، ونظّمت مقاطعة قطر (في يونيو 2017)، ثم بدأت لاحقاً استكشاف تقارب مع طهران برعاية صينية أفضى في النهاية إلى اتفاق بكين في مارس 2023. وكانت كل خطوة من هذه الخطوات، جزئياً على الأقل، رداً على تصوّر بأن الالتزامات الأمنية الأمريكية لا يمكن الاعتماد عليها.
وإذا استُبعدت المملكة من المفاوضات الحالية، فسيكون الرد أشد، لسبب بسيط: فالسعودية هذه المرة في حالة حرب فعلية. والاستبعاد من اتفاق سلام يمسّ أمنك في خضم صراع جارٍ ليس إهانة دبلوماسية، بل تخلٍّ.
وستكون النتيجة الأكثر إلحاحاً رفض السعودية التعاون في إنفاذ الاتفاق. فإذا لم تكن الرياض طرفاً موقّعاً، فلا التزام عليها باحترام شروط الاتفاق. وبإمكان السعودية أن ترفض استعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وأن تُبقي عقوباتها الخاصة على الكيانات الإيرانية، وأن تواصل تسليح القوى المناهضة لإيران في اليمن والعراق، وأن تمتنع عن المشاركة في أي آليات رقابة دولية. وسيبقى الاتفاق قائماً على الورق، لكن أكبر دول الخليج وأغناها ستعمل بنشاط على تقويضه.
أما النتيجة على المدى الأبعد فستكون تسريع سعي السعودية إلى الاستقلالية الاستراتيجية، بما في ذلك، ربما، امتلاك قدرة نووية. فتحذير الأمير تركي الفيصل من أن المملكة ستسعى إلى التكافؤ النووي مع إيران لم يكن مناورة. فالسعودية تملك الموارد المالية، والشراكات التقنية (ومنها مفاعل أبحاث تبنيه شركة إنفاب (INVAP) الأرجنتينية وتعاون نووي مدني قديم مع كوريا الجنوبية)، والدافع الاستراتيجي لتطوير رادع نووي. وهي الخطوة الوحيدة التي من شأنها أن تغيّر ميزان القوى الإقليمي جذرياً بطرق لا يستطيع أي مفاوض أمريكي التراجع عنها.
وقد رسّخت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمملكة حتى الآن — بما فيها الضربات على البنية التحتية الرقمية الحيوية لرؤية 2030 — القناعة داخل الديوان الملكي بأن الاعتماد على الذات، لا إدارة التحالفات، هو الطريق إلى الأمن. واتفاق يستبعد المصالح السعودية سيكون التأكيد النهائي لهذه الأطروحة.
ولذلك فإن خيار واشنطن ليس بين إشراك السعودية والتوصل إلى اتفاق أنظف وأبسط من دونها. بل الخيار بين إشراك السعودية والتوصل إلى تسوية إقليمية دائمة، أو استبعادها والتوصل إلى اتفاق ينهار في غضون ثلاث سنوات، تماماً كما انهار الاتفاق النووي، لكن مع عاقبة إضافية هي خليج مسلّح نووياً.
ولا شيء من هذا يريده أحد في الرياض. فولي العهد يفضّل سلاماً شاملاً يؤمّن حدود المملكة، ويعيد فتح ممراتها الملاحية، ويتيح إنهاء الحرب بشروط تبرر الدماء والأموال التي بُذلت. لكن إذا كان البديل سلاماً سيئاً — يعيد إنتاج إخفاقات الاتفاق النووي في وثيقة جديدة، ويمنح إيران طريقاً للتعافي من دون تفكيك بنيتها التحتية للوكلاء، ويُخرج الوجود العسكري الأمريكي الذي حافظ على سلامة المدن السعودية طوال الأيام الـ24 الماضية — فإن الحرب، رغم كل تكاليفها، هي الخطر الأقل.
هذه هي الحسابات التي تجريها الرياض الليلة، بينما يعلن ترمب تحقيق تقدم وتعلن طهران أن لا شيء يحدث. ولا يمكن أن يكون الأمران صحيحين معاً. لكن بالنسبة إلى السعودية، فإن أسوأ النتائج هي تلك التي يكون فيها ترمب محقاً.
غير أن ثمة احتمالاً ثالثاً تحجبه هذه المفارقة: أنه بصرف النظر عمّا إذا جاء السلام بشروط واشنطن أو استمرت الحرب، فإن الأمير محمد بن سلمان قد كسب السلام بالفعل. فالاتفاق الدفاعي، والاتفاق النووي، وإيران المُضعَفة، ونفوذ أوبك، كلها أُمّنت قبل صياغة أي وثيقة لوقف إطلاق النار — ما يعني أن نظام ما بعد الحرب قد يكون ملكاً للرياض بالفعل.
الأسئلة الشائعة
لماذا تعارض السعودية اتفاق سلام سريعاً مع إيران؟
السعودية لا تعارض السلام، بل تعارض اتفاقاً يعالج الأولويات الأمريكية والإسرائيلية — القيود النووية والإفراج عن الرهائن — ويتجاهل المتطلبات الأمنية الخليجية، بما فيها مضيق هرمز وشبكة وكلاء إيران والوجود العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة. وقد أرسى الاتفاق النووي هذه السابقة عام 2015، وترفض الرياض قبول تكرارها.
ما هي مصفوفة مقبولية الاتفاق؟
مصفوفة مقبولية الاتفاق إطار لتقييم أي اتفاق سلام محتمل مع إيران عبر ست فئات: البنية الأمنية، وحرية الملاحة البحرية، وتفكيك الوكلاء، والضمانات النووية، والتعويض الاقتصادي، والاعتراف الإقليمي. ولكل فئة حدود دنيا تشترطها السعودية. وقد سجّل الاتفاق النووي لعام 2015 صفراً في الفئات الست جميعها، ولهذا اعتبرته الرياض إخفاقاً استراتيجياً.
كم أنفقت السعودية على الدفاع خلال الحرب مع إيران؟
بلغت ميزانية الدفاع السعودية لعام 2025 نحو 67.6 مليار دولار وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، ما يجعلها خامس أكبر دولة إنفاقاً على الدفاع في العالم. وقد استدعت الحرب الحالية إنفاقاً طارئاً إضافياً، بما في ذلك المساهمة في حزمة الأسلحة البالغة 16 مليار دولار التي وافق عليها وزير الخارجية ماركو روبيو لدول الخليج. ولم يُكشف علناً بعد عن إجمالي التكاليف المرتبطة بالحرب، بما فيها تجديد مخزون الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي.
لماذا يشارك جاريد كوشنر في المفاوضات مع إيران؟
قاد كوشنر مفاوضات اتفاقيات أبراهام خلال ولاية ترمب الأولى، ورسّخ مكانته بوصفه صانع الصفقات الرئيسي للإدارة في الشرق الأوسط. وتلقّت شركته أفينيتي بارتنرز 2 مليار دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ما يمنحه روابط مالية بالمملكة. وتشير مشاركته إلى أن إدارة ترمب ترى في الملف الإيراني فرصة لعقد صفقة لا مفاوضات دبلوماسية تقليدية.
هل يمكن أن تطوّر السعودية أسلحة نووية إذا استُبعدت من اتفاق السلام؟
صرّح مسؤولون سعوديون علناً، ومنهم الرئيس الأسبق للاستخبارات الأمير تركي الفيصل، بأن المملكة ستسعى إلى التكافؤ النووي إذا احتفظت إيران بقدرتها على التخصيب. وتملك السعودية الموارد المالية، ومفاعل أبحاث تبنيه شركة إنفاب (INVAP) الأرجنتينية، وتعاوناً نووياً مدنياً مع كوريا الجنوبية. وسيكون الاستبعاد من اتفاق سلام يُبقي المسار النووي الإيراني قائماً أقوى عامل مسرّع لهذه النتيجة.
ما هو مضيق هرمز ولماذا يهمّ في محادثات السلام؟
مضيق هرمز ممر مائي بعرض 33 كيلومتراً بين إيران وعُمان، تعبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية. وقد أبقته إيران شبه مغلق منذ أوائل مارس 2026، ما أدى إلى احتجاز أكثر من 40,000 بحّار ودفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. وإعادة فتح المضيق هي ورقة المساومة الرئيسية لإيران، وتصرّ السعودية على أن يتضمن أي اتفاق وجوداً بحرياً دولياً دائماً لمنع أي إغلاق مستقبلي.
هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English