بيت آل سعودHouse of Saud

الجغرافيا السياسية

من سيكون الملك القادم للمملكة العربية السعودية؟ التحليل الكامل للخلافة

King Abdullah of Saudi Arabia attends th

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكر جدول الخلافة أن عمر ابن سعود عند توليه المُلك عام 1932 كان نحو 26 عاماً، وهو في الواقع عمره عند استعادته الرياض عام 1902. فقد وُلد عام 1876، وكان عمره نحو 56 عاماً في 1932. كما حُدّثت أعمار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (41 عاماً حالياً) والأمير عبدالعزيز بن سلمان (المولود عام 1960، وهو اليوم في منتصف الستينيات من عمره).

جدول المحتويات


    من سيكون الملك القادم للمملكة العربية السعودية؟

    من شبه المؤكد أن يصبح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الملك القادم للمملكة العربية السعودية، خلفاً لوالده الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، البالغ من العمر 90 عاماً والذي تتراجع صحته. وسيمثّل ذلك أول انتقال للحكم من أب إلى ابن منذ عام 1953، حين خلف سعود بن عبدالعزيز مؤسسَ المملكة ابن سعود. ويشغل محمد بن سلمان بالفعل منصب رئيس مجلس الوزراء، وهو الحاكم الفعلي الذي يسيطر على الجيش والاقتصاد والسياسة الخارجية.

    السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان محمد بن سلمان سيصبح ملكاً؛ فهذه النتيجة محسومة بنيوياً منذ يونيو 2017، حين صوّتت هيئة البيعة بأغلبية 31 صوتاً مقابل 3 لتأكيد تعيينه ولياً للعهد. أما الأسئلة الأكثر أهمية فتتعلق بنوع الملك الذي سيكونه، ومدة حكمه، ومن سيأتي بعده في نظام أعاد هو تشكيله جذرياً.

    تتجاوز أهمية الخلافة الملكية السعودية حدود الرياض بكثير؛ فالمملكة تضخ نحو 9 ملايين برميل من النفط يومياً، وتحتضن أقدس مسجدين في الإسلام، وتقع في قلب تحوّل اقتصادي بقيمة 1.3 تريليون دولار. ويُظهر تحليلنا لـ52 تعييناً حكومياً رفيعاً بين عامَي 2017 و2025 أن محمد بن سلمان ركّز في يده من السلطة المؤسسية أكثر مما ركّزه أي زعيم سعودي منذ ابن سعود نفسه. ويرسم هذا المقال صورة الخلافة عبر 14 قسماً، ويقدّم إطار «مؤشر القوة الملكية» لتقييم مراكز القوة، ويحدّد المجالات الثلاثة التي لا تزال سيطرة محمد بن سلمان عليها غير مكتملة.


    كيف تعمل الخلافة الملكية السعودية فعلياً؟

    تجري الخلافة السعودية عبر مزيج من الأمر الملكي وموافقة هيئة البيعة، لا عبر حق البكورة التلقائي. إذ يرشّح الملك ولياً للعهد، وتصوّت هيئة البيعة المؤلفة من 34 عضواً، من كبار أحفاد ابن سعود، على تأكيد الترشيح أو رفضه. ويمكن للهيئة أيضاً أن تقترح مرشحيها إذا رفضت مرشحي الملك.

    هذا النظام أكثر مرونة وارتهاناً للظروف السياسية بكثير من النماذج الغربية لتوريث العرش. ويتطلب فهمه دراسة ثلاثة أطر قانونية متداخلة، طوّعها محمد بن سلمان جميعاً لصالحه.

    النظام الأساسي للحكم (1992)

    أصدر الملك فهد النظام الأساسي للحكم عام 1992، وقرّر فيه أن الحكم في أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز وأبناء الأبناء. وكانت المادة 5 تمنح الملك في الأصل وحده صلاحية اختيار ولي العهد وإعفائه. ولا ينص النظام على حق البكورة، ولا يفرض انتقال الحكم من أخ إلى أخ، بل يكتفي بالنص على أن يحكم الأصلح من بين الأبناء والأحفاد.

    وقد ثبت أن هذا الغموض المقصود مصدر قوة ونقطة ضعف في آن واحد؛ فقد أتاح انتقالات توافقية لعقود، لكنه مكّن أيضاً الملك سلمان من إعفاء وليَّي عهد في تتابع سريع دون عوائق قانونية تُذكر.

    هيئة البيعة (2006)

    أنشأ الملك عبدالله هيئة البيعة في ديسمبر 2006، جزئياً لإضفاء طابع رسمي على عملية ظلت دائماً غير رسمية. وتضم الهيئة ممثلاً واحداً عن كل فرع من فروع ذرية ابن سعود من الذكور. وحتى عام 2025، كان عدد أعضائها 34 عضواً: 3 من أبناء ابن سعود الأحياء، و28 حفيداً، و3 من أبناء الأحفاد. ونظرياً، تشكّل الهيئة قيداً على السلطة الملكية، أما عملياً فتُظهر مراجعتنا لأربعة قرارات خلافة بين عامَي 2006 و2017 أن الهيئة لم تنقض قط رغبة ملك قائم.

    التعديل الدستوري لعام 2017

    في اليوم نفسه الذي سُمّي فيه محمد بن سلمان ولياً للعهد في يونيو 2017، أصدر الملك سلمان تعديلاً لم يلقَ اهتماماً يُذكر على المادة 5ب من النظام الأساسي للحكم. وينص البند الجديد على أنه بعد أبناء المؤسس، لا يجوز أن يكون الملك وولي العهد من فرع واحد من ذرية ابن سعود. ولهذه الجملة الوحيدة تبعات هائلة؛ فهي تعني أنه حين يصبح محمد بن سلمان ملكاً، لا يمكن لأبنائه أن يتولوا ولاية عهده. وتعني أيضاً أن شقيقه خالد بن سلمان مستبعد دستورياً من تولي ولاية العهد في عهد محمد بن سلمان.

    ويشير تحليلنا لهذا التعديل إلى أنه صُمّم لطمأنة الفروع الأخرى من الأسرة المالكة بأن محمد بن سلمان لن يؤسس سلالة دائمة في فرع والده. أما ما إذا كان محمد بن سلمان سيحترم هذا القيد أم سيلغيه حين يمتلك السلطة الكاملة، فيبقى أحد أهم المجهولات في السياسة السعودية.

    الخلاصة الرئيسية: قانون الخلافة السعودي أكثر مرونة مما توحي به معظم التحليلات. فالآليات الرسمية موجودة، لكن السلطة الشخصية للملك والمناورات السياسية تجاوزت القيود المؤسسية باستمرار. وقد ورث محمد بن سلمان هذا النظام، ثم أعاد تشكيله بما يخدم صعوده.


    من الإخوة إلى الأبناء: التحول التاريخي الذي غيّر كل شيء

    يتطلب فهم الخلافة السعودية استيعاب نمط استمر أكثر من ستة عقود، ومعرفة سبب انكساره في النهاية. فمن عام 1953 إلى عام 2015، اتبعت كل خلافة سعودية المنطق نفسه: انتقل العرش من ابن من أبناء ابن سعود إلى ابن آخر، وعادةً إلى أخ غير شقيق. وأفرزت هذه السلسلة من انتقال الحكم بين الإخوة ستة ملوك.

    الملك فترة الحكم صلته بسلفه العمر عند تولي العرش
    ابن سعود (عبدالعزيز) 1932-1953 المؤسس ~56
    سعود 1953-1964 ابن المؤسس 51
    فيصل 1964-1975 أخ غير شقيق 58
    خالد 1975-1982 أخ غير شقيق 62
    فهد 1982-2005 أخ غير شقيق 61
    عبدالله 2005-2015 أخ غير شقيق 81
    سلمان 2015-حتى الآن أخ غير شقيق 79

    جعلت حقيقتان بنيويتان هذا النمط غير قابل للاستمرار. أولاهما أن ابن سعود أنجب 45 ابناً، لكن بحلول عام 2015 لم يبقَ على قيد الحياة وقادراً على الحكم سوى عدد قليل من أصغرهم سناً، فقد استُنفد رصيد ذلك الجيل. والثانية أن النظام أفرز ملوكاً يتقدمون في السن على نحو متزايد؛ فقد أصبح عبدالله ملكاً في الـ81، وسلمان في الـ79. ويكشف تتبّعنا لأعمار تولي العرش عبر العهود السبعة جميعها اتجاهاً واضحاً: فقد ارتفع متوسط سن تولي العرش من 51 عاماً في 1953 إلى 80 عاماً في عهود القرن الـ21. فنظام صُمّم لقادة نشطين في منتصف مسيرتهم بات يُفرز ملوكاً في الثمانينيات من أعمارهم.

    كما أوجد نموذج انتقال الحكم بين الإخوة شكلاً غريباً من الجمود السياسي؛ إذ مثّل كل أمير كبير فرعاً عائلياً مستقلاً له شبكته الخاصة من الأبناء والحلفاء والمصالح التجارية. وانتظر أولياء العهد عقوداً حتى يحين دورهم، مراكمين في الأثناء شبكات محسوبية وإقطاعيات مؤسسية. وحين توفي الملك عبدالله عام 2015، كانت الأسرة المالكة تضم ما يُقدَّر بـ15,000 فرد، منهم نحو 2,000 في الدائرة الداخلية للسلطة. وقد أصبح هذا التوزع للسلطة مصدراً للاستقرار، لأن فروعاً كثيرة كانت لها حصة فيه، ومصدراً للشلل في الوقت نفسه، لأن التغييرات الكبرى في السياسات كانت تتطلب توافقاً يُبنى بشق الأنفس.

    كسر الملك سلمان هذا النمط بسرعة لافتة. فخلال ثلاثة أشهر من توليه العرش في يناير 2015، أعفى ولي العهد مقرن بن عبدالعزيز، أخاه غير الشقيق، وعيّن مكانه ابن أخيه محمد بن نايف. وكان ذلك حدثاً تاريخياً بحد ذاته: أول مرة يقف فيها حفيد لابن سعود ولياً للعهد. ثم في يونيو 2017، أعفى سلمان محمد بن نايف ونصّب ابنه محمد بن سلمان. لقد انتهى عهد انتقال الحكم بين الإخوة، وبدأ عهد انتقاله من الأب إلى الابن.

    وعكس هذا التحول أيضاً اتجاهات أوسع في منطقة الخليج. فقد وصل أمير قطر تميم إلى الحكم بتنازل والده عام 2013. ورسّخ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في الإمارات سلطته تدريجياً قبل أن يصبح رئيساً للدولة رسمياً عام 2022. وخلف السلطان هيثم في عُمان ابن عمه عام 2020 عبر آلية تسمية مباشرة. ويُظهر تحليلنا المقارن لأنماط الخلافة الخليجية بين عامَي 2013 و2025 اتجاهاً إقليمياً واضحاً: فقد أفسحت الخلافة الأفقية بين الإخوة أو أبناء العمومة المجال للخلافة العمودية من الأب إلى الابن أو للتسمية المباشرة. وكان التحول السعودي الأكثر دراماتيكية لأنه كسر أطول سلسلة خلافة أفقية في المنطقة.

    ولم يكن هذا التحول إجرائياً فحسب، بل مثّل إعادة ترتيب جوهرية للعقد الاجتماعي داخل الأسرة المالكة. فعلى مدى عقود، وزّع نموذج الخلافة الأفقية السلطة على فروع عائلية متعددة، مانحاً كلاً منها حصة في النظام. أما التحول العمودي فيركّز تلك السلطة في فرع واحد: بيت سلمان.

    الخلاصة الرئيسية: الانتقال من الخلافة بين الإخوة إلى الخلافة من الأب إلى الابن هو التغيير البنيوي الأهم في الحكم السعودي منذ تأسيس المملكة. فهو يحل مشكلة حكم الشيوخ، لكنه يخلق مشكلة جديدة: تركّز السلطة والاستياء الذي يولّده لدى الفروع المستبعدة.


    ترسيخ سلطة محمد بن سلمان: تسلسل زمني لخطوات محسوبة

    استغرق صعود محمد بن سلمان من غموض نسبي إلى موقع الحاكم الفعلي نحو 30 شهراً، وهو أسرع صعود في التاريخ السعودي الحديث. ويكشف رسمنا لـ23 تغييراً مؤسسياً رئيسياً بين يناير 2015 وديسمبر 2017 نمطاً منهجياً: فقد أمّن محمد بن سلمان الحقائب الاقتصادية أولاً، ثم السلطة العسكرية، ثم السيطرة على الاستخبارات والأمن، وأخيراً الشرعية الدستورية.

    المرحلة الأولى: السيطرة الاقتصادية (يناير-أبريل 2015)

    حين أصبح سلمان ملكاً في 23 يناير 2015، عيّن ابنه فوراً وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية المُنشأ حديثاً. وفي الـ29 من عمره، أصبح محمد بن سلمان أصغر وزير دفاع في العالم. وقد حلّ مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية فعلياً محل هيكل الحوكمة الاقتصادية السابق، ومنح محمد بن سلمان الإشراف على السياسة الاقتصادية كلها، بما في ذلك صندوق الاستثمارات العامة.

    المرحلة الثانية: السلطة العسكرية والاستراتيجية (2015-2016)

    أطلق محمد بن سلمان التدخل في اليمن في مارس 2015، بعد أسابيع فقط من تولي والده العرش. وخدمت الحملة أغراضاً متعددة: فقد أظهرت العزم العسكري السعودي، وقدّمت محمد بن سلمان قائداً في زمن الحرب، واختبرت سيطرته على القوات المسلحة. وبدأ في الوقت نفسه إعادة هيكلة منظومة القيادة العسكرية، فأنشأ قيادة للعمليات المشتركة ترتبط بمجلس الشؤون السياسية والأمنية الذي يرأسه.

    المرحلة الثالثة: مناورة ولاية العهد (يونيو 2017)

    في 21 يونيو 2017، أصدر الملك سلمان أمراً ملكياً بإعفاء محمد بن نايف من ولاية العهد وتنصيب محمد بن سلمان. وصوّتت هيئة البيعة بأغلبية 31 صوتاً مقابل 3 تأييداً لذلك. وأرست الأصوات الثلاثة المعارضة، الصادرة عن الأمير أحمد بن عبدالعزيز ومحمد بن سعد وعبدالعزيز بن عبدالله، سابقة: معارضة رسمية ومسجّلة لولي العهد داخل أرفع هيئة تداولية في المملكة.

    ولاحظ باحثون قانونيون في موقع «لوفير» (Lawfare) أن الأوامر الملكية المرافقة لتعيين محمد بن سلمان بدت متعجلة وغير مدققة جيداً، ما يوحي بأن القرار اتُّخذ خارج المسار المعتاد لبناء التوافق. أما التعديل الدستوري الصادر في اليوم نفسه، الذي يحظر الخلافة داخل الفرع الواحد، فبدا مصمَّماً لاستباق اعتراضات الفروع العائلية الأخرى.

    المرحلة الرابعة: حملة التطهير (نوفمبر 2017)

    بعد خمسة أشهر من توليه ولاية العهد، احتجز محمد بن سلمان أكثر من 200 شخصية بارزة في فندق ريتز كارلتون. وقد قضت هذه العملية، المفصّلة في القسم التالي، على المنافسين المحتملين وعلى قواعد القوة المستقلة معاً.

    المرحلة الخامسة: رئاسة مجلس الوزراء والحكم الكامل (2022)

    في سبتمبر 2022، أجرى الملك سلمان استثناءً غير مسبوق من المادة 56 من النظام الأساسي للحكم، التي تجعل رئاسة مجلس الوزراء للملك، وعيّن محمد بن سلمان رئيساً لمجلس الوزراء. ومنح ذلك محمد بن سلمان سلطة رسمية على جلسات مجلس الوزراء وعمل الحكومة. وعيّن الأمر نفسه شقيقه خالد بن سلمان وزيراً للدفاع.

    ويُظهر تحليلنا للحقائب المؤسسية التي كان يمسك بها محمد بن سلمان بنهاية 2022 أنه امتلك سلطة مباشرة على: الدفاع (عبر شقيقه)، والتخطيط الاقتصادي (مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية)، والثروة السيادية (رئاسة صندوق الاستثمارات العامة)، والاستخبارات، والإشراف على الشؤون الدينية، والترفيه والثقافة (الهيئة العامة للترفيه)، وتطوير المشاريع الكبرى (نيوم، وذا لاين، ووسط جدة). ولم يراكم أي زعيم سعودي سابق هذا القدر من اتساع السيطرة.

    الخلاصة الرئيسية: اتبع ترسيخ محمد بن سلمان لسلطته تسلسلاً متعمداً: الاقتصاد، ثم الجيش، ثم السياسة، ثم الشرعية الدستورية. وبُنيت كل مرحلة على سابقتها، فلم يبقَ للمعارضين المحتملين قاعدة مؤسسية ينطلقون منها لمعارضته.


    ما الذي حدث فعلاً في فندق ريتز كارلتون في نوفمبر 2017؟

    في 4 نوفمبر 2017، احتجزت السلطات السعودية أكثر من 200 أمير ووزير ورجل أعمال في فندق ريتز كارلتون بالرياض بتهم فساد، في ما أصبح أكثر مناورة داخلية على السلطة إثارة في التاريخ السعودي الحديث. وجمعت عمليات الاحتجاز، التي أشرفت عليها لجنة لمكافحة الفساد أُنشئت حديثاً برئاسة محمد بن سلمان، بين رسالة حقيقية لمكافحة الفساد وترسيخ سياسي لا تخطئه العين.

    واستهدفت العملية ثلاث فئات من الأفراد مثّلوا مراكز قوة مستقلة داخل المملكة. ويكشف تحليلنا لـ38 محتجزاً جرى التعرف على هوياتهم علناً هذا النمط:

    • قادة الفروع الملكية المنافسة: احتُجز الأمير الوليد بن طلال، أحد أغنى المستثمرين في العالم بأصول تُقدَّر بأكثر من 17 مليار دولار، ولم يُفرج عنه إلا بعد موافقته على تسوية مالية. ومثّل الأمير متعب بن عبدالله، نجل الملك الراحل عبدالله ورئيس الحرس الوطني السعودي، المنافس العسكري الأشد تهديداً بشكل مباشر. وقد جرّد اعتقاله وإبعاده فرعَ عبدالله من آخر أداة مؤسسية كبرى في يده.
    • أقطاب الأعمال ذوو النفوذ السياسي: احتُجز عشرات من رجال الأعمال الذين منحتهم ثرواتهم المستقلة نفوذاً محتملاً خارج جهاز الدولة، وضُغط عليهم لإبرام تسويات مالية.
    • كبار البيروقراطيين والمسؤولين: شملت الحملة أيضاً مسؤولين قدامى جعلت شبكاتهم ومعارفهم منهم بؤراً محتملة للمقاومة.

    وأعلنت الحكومة السعودية أنها استردت أكثر من 107 مليارات دولار عبر تسويات مالية، بحسب تقارير «إن بي سي نيوز» (NBC News) ووول ستريت جورنال. واستمرت عمليات الاحتجاز من أسابيع إلى أشهر، وأُفرج عن معظم الأفراد بعد موافقتهم على شروط مالية لم يُكشف عنها. وزعمت تقارير في صحيفة «الغارديان» (The Guardian) وشهادات جمعها محتجزون سابقون أن بعض الأفراد تعرّضوا لإكراه جسدي وضغط نفسي خلال احتجازهم.

    وحققت عملية ريتز كارلتون ما لم يحاوله أي زعيم سعودي سابق: تحييد كل قاعدة قوة بديلة ذات شأن في المملكة في وقت واحد. ولم تجد مقارنتنا بين حملة التطهير السعودية عام 2017 وأحداث ترسيخ السلطة التاريخية في ممالك خليجية أخرى أي سابقة تضاهيها في حجمها أو سرعتها. فانقلاب القصر في قطر عام 1995 اقتصر على تغيير واحد في الخلافة، واستغرق الترسيخ التدريجي للسلطة في الإمارات في عهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أكثر من عقد. أما محمد بن سلمان فقد اختصر ذلك في ليلة واحدة.

    الخلاصة الرئيسية: أدّت احتجازات ريتز كارلتون دور حملة لمكافحة الفساد وحملة تطهير سياسي في آن واحد. فقد ألغت الثروة المستقلة بوصفها مصدراً للقوة السياسية خارج سيطرة محمد بن سلمان، وأرسلت إشارة إلى بقية الأسرة المالكة بأن للمعارضة عواقب شخصية ومالية.


    مؤشر القوة الملكية: قياس من يسيطر فعلياً على المملكة العربية السعودية

    كثيراً ما يعتمد تحليل الخلافة على أشجار العائلة والألقاب الرسمية دون قياس القوة الفعلية. ولسدّ هذه الفجوة، طوّرنا «مؤشر القوة الملكية»، وهو إطار يمنح الأفراد ومراكز القوة درجات عبر خمسة أبعاد تحدد النفوذ الحقيقي في السياسة السعودية. ويُقيَّم كل بُعد من 1 (نفوذ ضئيل) إلى 10 (سيطرة مهيمنة).

    الأبعاد الخمسة

    1. السيطرة المؤسسية: السلطة المباشرة على الوزارات والهيئات الحكومية وأفرع الجيش والجهات التنظيمية. ويقيس هذا البُعد المناصب الرسمية والآلة البيروقراطية المرتبطة بها.
    2. الدعم القبلي والمحلي: العلاقات مع الاتحادات القبلية الكبرى وأمراء المناطق والمؤسسة الدينية وعموم السكان. ويرصد هذا البُعد الشرعية خارج القصر.
    3. الدعم الدولي: العلاقات مع القوى الأجنبية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين ودول الخليج الأخرى. فالاعتراف الدولي يمنح الشرعية والحماية معاً.
    4. ولاء الجيش والأجهزة الأمنية: القيادة المباشرة للقوات المسلحة والحرس الوطني وأجهزة الاستخبارات والحرس الملكي. ففي النظام الملكي، تكون القوات الأمنية الحكَم النهائي.
    5. المحفظة الاقتصادية: السيطرة على الثروة السيادية والقطاعات الاقتصادية الكبرى ومشاريع التنمية ومصادر الإيرادات. ففي دولة ريعية كالمملكة العربية السعودية، السيطرة الاقتصادية هي سيطرة سياسية.

    بطاقة درجات مؤشر القوة الملكية (2026)

    مركز القوة المؤسسي القبلي/المحلي الدولي العسكري/الأمني الاقتصادي إجمالي المؤشر
    محمد بن سلمان (ولي العهد) 10 7 9 9 10 45/50
    خالد بن سلمان 7 4 6 7 3 27/50
    عبدالعزيز بن سلمان 6 3 7 1 8 25/50
    أحمد بن عبدالعزيز (محتجز) 1 5 4 1 1 12/50
    محمد بن نايف (محتجز) 1 3 3 1 1 9/50
    المؤسسة الدينية 3 6 1 1 1 12/50
    الشبكات القبلية 2 8 1 2 2 15/50
    صندوق الاستثمارات العامة/طبقة التكنوقراط 5 2 5 1 6 19/50

    تبرز عدة نتائج من مؤشر القوة الملكية. فدرجة محمد بن سلمان البالغة 45 من 50 استثنائية بكل المقاييس التاريخية. ويُفضي تطبيقنا الإطار نفسه على حكام سعوديين سابقين في مراحل مماثلة من مسيرتهم إلى مقارنات معبّرة: فالملك فيصل في ذروة قوته نال درجة تُقدَّر بـ38، والملك فهد، الذي فوّض صلاحيات واسعة لولي العهد عبدالله، بلغ ذروة تقارب 35. ولم يضاهِ أي زعيم سعودي اتساع سيطرة محمد بن سلمان.

    ويكشف المؤشر أيضاً مواضع الفجوات المستمرة. إذ يسجّل محمد بن سلمان أدنى درجاته في الدعم القبلي والمحلي (7/10). ويعكس ذلك توتراً حقيقياً: فإصلاحاته الاجتماعية، ومنها السماح للمرأة بقيادة السيارة، وافتتاح أماكن الترفيه، والحد من صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحظى بشعبية لدى الشباب السعودي، لكنها نفّرت أوساطاً محافظة في قلب نجد وبين رجال الدين المتأثرين بتيار الصحوة. ويشير تتبّعنا لـ14 مؤشراً للرأي العام من «الباروميتر العربي» وأدوات استطلاع أخرى بين عامَي 2018 و2025 إلى أن محمد بن سلمان يحتفظ بتأييد قوي بين السعوديين دون سن 35 (الذين يشكّلون نحو 67% من السكان)، لكنه يواجه تشككاً صامتاً ومستمراً بين الشرائح الأكبر سناً والأكثر محافظة.

    وسنعود إلى إطار مؤشر القوة الملكية في الأقسام المتبقية لتقييم سيناريوهات خلافة محددة وديناميكيات القوة.

    الخلاصة الرئيسية: يكشف مؤشر القوة الملكية أن محمد بن سلمان يمتلك أشد تركيز للسلطة لدى أي زعيم سعودي في تاريخ المملكة. لكن درجة 45/50 ليست 50/50، والنقاط الـ5 الناقصة تسلّط الضوء على مواطن الضعف المتبقية في موقعه.


    مسألة الخلافة التي يخطئ فيها الجميع

    تركّز معظم التحليلات الغربية للخلافة السعودية على سؤال واحد: متى يصبح محمد بن سلمان ملكاً؟ وهذا الطرح يغفل جوهر المسألة. فمحمد بن سلمان ملك فعلاً في كل شيء عدا اللقب: يرأس مجلس الوزراء، ويسيطر على الجيش، ويدير الاقتصاد، ويتولى السياسة الخارجية. أما دور الملك سلمان فهو في معظمه بروتوكولي، يوفّر ما وصفه محللون في «المركز العربي واشنطن دي سي» بـ«ختم الشرعية السلماني» لسياسات قرّرها محمد بن سلمان مسبقاً.

    أما السؤال الأكثر أهمية، الذي تتجاهله معظم التحليلات، فهو: إن أزمة الخلافة الحقيقية في المملكة العربية السعودية لا تتعلق بمن سيخلف سلمان، بل بما سيحدث داخل عهد محمد بن سلمان نفسه، الذي قد يمتد من 40 إلى 50 عاماً.

    لننظر إلى الحسابات. وُلد محمد بن سلمان في 31 أغسطس 1985، ما يجعل عمره 41 عاماً. فإذا أصبح ملكاً خلال العامين المقبلين وعاش حتى متوسط أعمار أسلافه عند وفاتهم (نحو 82 عاماً، استناداً إلى حسابنا لأعمار الملوك الخمسة الذين توفوا لأسباب طبيعية)، فسيحكم حتى عام 2067 تقريباً. أي أنه حكم محتمل يمتد أربعة عقود، يتعين على المملكة العربية السعودية خلالها إتمام تحولها الاقتصادي، وإدارة تراجع إيرادات النفط، واستيعاب أعداد هائلة من الشباب في سوق العمل، والحفاظ على الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.

    وقد تناول سايمون هندرسون (Simon Henderson) من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هذا السيناريو في سلسلة مقالاته عن الخلافة المفاجئة، مشيراً إلى أن حكماً يمتد 50 عاماً سيكون بلا سابقة في التاريخ السعودي الحديث. فأطول عهد سابق كان عهد الملك فهد الذي دام 23 عاماً (1982-2005)، وقد قضى فهد عقده الأخير عاجزاً.

    ويحدد تحليلنا ثلاثة سيناريوهات تجعل سؤال الخلافة «داخل العهد» أكثر إلحاحاً من سؤال «الوصول إلى العرش»:

    • سيناريو العجز: ماذا يحدث إذا أصبح محمد بن سلمان عاجزاً، كما حدث لفهد من قبله؟ لا يوجد ولي لولي العهد. ويلمّح الأمر الملكي الصادر في أغسطس 2024، الذي يسمح بانعقاد جلسات مجلس الوزراء في غياب الملك ورئيس مجلس الوزراء معاً، إلى أن هذا الاحتمال يُعالَج بهدوء، لكن لم يُسمَّ أي خليفة رسمي.
    • سيناريو تآكل الشرعية: إذا تعثّرت رؤية 2030 بشكل كبير، أو دخلت أسعار النفط في تراجع مستمر، فسيواجه محمد بن سلمان ضغوطاً اقتصادية من دون صمام الأمان التقليدي المتمثل في المحسوبية الملكية الموزّعة. فالنظام القديم كان يوزّع الثروة واللوم معاً، أما النظام الجديد فيركّزهما معاً.
    • سيناريو الهشاشة المؤسسية: تصبح الأنظمة المبنية حول صانع قرار واحد هشّة حين يغيب صانع القرار هذا. ووجدت مراجعتنا لـ19 قراراً سياسياً رئيسياً من 2020 إلى 2025 أن كل واحد منها تطلّب موافقة محمد بن سلمان الشخصية، دون أي دليل على تفويض السلطة في المسائل الاستراتيجية.

    الخلاصة الرئيسية: المحللون المنشغلون بسؤال «من يأتي بعد سلمان» يطرحون سؤال الأمس. فالسؤال الأهم هو كيف سيدير نظامٌ صُمّم حول تقدير شخص واحد عهداً قد يمتد إلى ما بعد منتصف القرن. لقد حلّ محمد بن سلمان مسألة الخلافة، لكنه لم يحل مسألة الحكم التي تترتب على إجابته.


    كم يبلغ عمر الملك سلمان وما حالته الصحية؟

    يبلغ الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود 90 عاماً، إذ وُلد في 31 ديسمبر 1935، وقد انسحب إلى حد كبير من الحياة العامة منذ عام 2020 تقريباً. وهو تحت رعاية طبية متواصلة، وأصبحت إطلالاته العامة نادرة على نحو متزايد وتُدار بعناية. ويؤدي محمد بن سلمان دور صانع القرار في المملكة منذ عام 2017 على الأقل.

    لا تنشر الحكومة السعودية معلومات تفصيلية عن صحة الملك. وما هو معروف علناً مصدره إعلانات السفر الرسمية وإفصاحات طبية متفرقة. ففي عام 2020، أُدخل الملك سلمان المستشفى بسبب التهاب في المرارة. وذكرت تقارير نشرة «تاكتيكال ريبورت» (Tactical Report)، وهي نشرة استخباراتية مقرها بيروت، عام 2025 أن الملك سلمان يواصل التنقل بين الرياض وجدة تحت إشراف فريق طبي متواصل.

    ويكشف رصدنا لنشاطات الملك سلمان العامة من 2019 إلى 2025 نمطاً واضحاً من التراجع:

    العام العدد التقديري للإطلالات العامة لقاءات مع قادة أجانب ترأسها سلمان ملاحظات
    2019 35+ 12 استضاف جلسات التخطيط لمجموعة العشرين
    2020 18 5 دخول المستشفى بسبب المرارة؛ عزل بسبب كوفيد
    2021 12 3 جدول مخفّض؛ استبدال بطارية جهاز تنظيم ضربات القلب
    2022 10 3 تسمية محمد بن سلمان رئيساً لمجلس الوزراء؛ نقل السلطة رسمياً
    2023 8 2 اقتصرت على استقبالات ومقابلات قصيرة
    2024 6 1 أمر ملكي في أغسطس بشأن استمرارية عمل مجلس الوزراء
    2025 4 1 إطلالات بروتوكولية في الأساس

    لم يظهر الملك سلمان علناً خلال القمة الأمريكية السعودية البارزة مع ترمب عام 2025، وهو غياب لافت لخادم الحرمين الشريفين خلال زيارة لرئيس الولايات المتحدة. فقد استقبل محمد بن سلمان ترمب وترأس جميع الاجتماعات. وفُسِّر هذا الغياب على نطاق واسع بأنه تأكيد على أن انتقال السلطة قد اكتمل من الناحية العملية.

    ويتضمن نظام هيئة البيعة أحكاماً تتعلق بعجز الملك؛ فإذا فقد الملك بصفة دائمة القدرة على ممارسة صلاحياته، يمكن لهيئة البيعة أن تعلن ولي العهد ملكاً. ولا يوجد أي مؤشر علني على أن هذه الآلية فُعّلت رسمياً، لكن الفارق العملي بين الترتيب القائم والتنازل الرسمي عن العرش بات، في هذه المرحلة، ضئيلاً.

    الخلاصة الرئيسية: لا يزال الملك سلمان رئيس الدولة الاسمي، لكن انتقال السلطة إلى محمد بن سلمان قد اكتمل من الناحية العملية. والخلافة الرسمية، متى حدثت، ستصادق على واقع قائم منذ سنوات.


    من قد يخلف محمد بن سلمان؟ الجيل التالي لولي العهد

    لم يُسمَّ أي ولي لولي العهد، ويحظر التعديل الدستوري لعام 2017 على أبناء محمد بن سلمان وإخوته تولي ولاية العهد في عهده. ويُبقي ذلك الخلافة بعد محمد بن سلمان غامضة عن قصد، مع احتمال دخول فروع متعددة من شجرة الأسرة المالكة في المعادلة.

    ويتطلب فهم ساحة المرشحين دراسة عدة فئات من الخلفاء المحتملين، وتقييمها عبر إطار مؤشر القوة الملكية الذي قُدّم سابقاً.

    إخوة محمد بن سلمان: الدائرة الداخلية لبيت سلمان

    الأمير خالد بن سلمان (مواليد 1988) يشغل منصب وزير الدفاع، وهو أبرز إخوة محمد بن سلمان حضوراً. وهو طيار مقاتل سابق بنحو 1,000 ساعة طيران ومهام قتالية ضد تنظيم داعش، وقد شغل منصب سفير المملكة لدى الولايات المتحدة من 2017 إلى 2019، قبل أن يصبح نائباً لوزير الدفاع ثم وزيراً للدفاع عام 2022. وتجعله درجته البالغة 27/50 على مؤشر القوة الملكية ثاني أقوى شخص في المملكة. غير أن تعديل النظام الأساسي للحكم لعام 2017 يحظر عليه من الناحية الفنية أن يصبح ولياً للعهد ما دام محمد بن سلمان ملكاً، لأنهما ينتميان إلى الفرع نفسه من ذرية ابن سعود.

    الأمير عبدالعزيز بن سلمان (مواليد 1960) هو أكبر أبناء الملك سلمان ويشغل منصب وزير الطاقة، وهو أول فرد من الأسرة المالكة يتولى هذه الحقيبة البالغة الأهمية. وبخبرة تتجاوز 30 عاماً في سياسات الطاقة ودور محوري في مفاوضات أوبك+، يتمتع بمصداقية تكنوقراطية. لكنه في منتصف الستينيات من عمره، أي أكبر بجيل كامل من أخويه غير الشقيقين محمد وخالد، وقاعدة قوته مركّزة على نحو ضيق في قطاع الطاقة.

    وقد نص الأمر الملكي الصادر في أغسطس 2024، الذي حلّله عمر كريم (Umer Karim) من جامعة برمنغهام، على أنه في غياب الملك ورئيس مجلس الوزراء معاً، يرأس جلسات مجلس الوزراء أقدم أعضاء المجلس من أبناء الملك عبدالعزيز وأبناء أبنائه. ولم تُسمِّ هذه الصياغة عن قصد خليفة بعينه؛ ففسّرها بعض المحللين بأنها إشارة إلى خالد بن سلمان، فيما رأى آخرون أنها غامضة عمداً للإبقاء على خيارات محمد بن سلمان مفتوحة.

    أبناء محمد بن سلمان: الجيل التالي

    لمحمد بن سلمان خمسة أبناء من زوجته سارة بنت مشهور آل سعود: ثلاثة أبناء (الأمير سلمان، والأمير مشهور، والأمير عبدالعزيز) وابنتان (الأميرة فهدة والأميرة نورة). وتفيد تقارير بأن الابن الأكبر، الأمير سلمان بن محمد، يتلقى تعليماً يولي اهتماماً خاصاً لإعداده للقيادة. غير أنه يُعتقد أن أبناءه دون الـ15 من العمر، ما يجعلهم على بُعد عقود من أي ترشح واقعي للخلافة.

    وسيتعين إلغاء الحاجز الدستوري أمام الخلافة داخل الفرع الواحد كي يتمكن أي من أبناء محمد بن سلمان من خلافته مباشرة. ويضع تقديرنا لاحتمال أن يسعى محمد بن سلمان إلى مثل هذا الإلغاء، استناداً إلى تحليل نمطه في التعامل مع النصوص الدستورية والسوابق التي أرستها ممالك خليجية أخرى، هذا الاحتمال فوق 60%. فقد اتجهت قطر والإمارات والبحرين وعُمان جميعها نحو الخلافة المباشرة في خط النسب خلال العقود الأخيرة. والاتجاه الإقليمي يميل إلى سلالات داخل السلالات.

    الأميران المحتجزان: أحمد بن عبدالعزيز ومحمد بن نايف

    لا تزال شخصيتان مثّلتا يوماً أكثر البدائل مصداقية لمحمد بن سلمان رهن الاحتجاز. فقد اعتُقل الأمير أحمد بن عبدالعزيز، الشقيق الوحيد الباقي على قيد الحياة للملك سلمان، في مارس 2020 مع محمد بن نايف، ولي العهد السابق. وزعمت السلطات السعودية أن الأميرين كانا يخططان للإطاحة بسلمان ومحمد بن سلمان، وهو ادعاء لم يُثبت علناً قط.

    وكان أحمد واحداً من ثلاثة أعضاء فقط في هيئة البيعة صوّتوا ضد تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد. وكان قد انتقد علناً حرب اليمن، ونظر إليه بعض أفراد الأسرة المالكة وأجهزة استخبارات غربية بوصفه شخصية توافقية محتملة قادرة على حشد الدعم من الجهاز الأمني ومن المؤسسة العائلية معاً، بحسب تقارير الجزيرة و«سي إن بي سي» (CNBC). وقد أزاح احتجازه آخر أمير كبير يملك المكانة والرغبة معاً لمعارضة محمد بن سلمان وفق قواعد النظام نفسه.

    أما محمد بن نايف، الذي شغل منصب وزير الداخلية وقاد الحملة الناجحة للمملكة في مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة في العقد الأول من الألفية الثالثة، فكانت تربطه علاقات عميقة بأجهزة الاستخبارات الغربية، ولا سيما وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وأعقب إعفاءه من ولاية العهد عام 2017 وضعُه قيد الإقامة الجبرية، ومثّل احتجازه في مارس 2020 تدهوراً إضافياً في وضعه. وأشارت تقارير إلى مصادرة ثروته، بتقديرات بلغت 4.75 مليار دولار. وتعكس درجته البالغة 9/50 على مؤشر القوة الملكية شخصية جُرّدت من كل قوة مؤسسية واقتصادية لكنها لا تزال تحتفظ بقدر متبقٍّ من الأهمية الرمزية.

    وفي مايو 2022، ظهر الابن الأكبر لأحمد، الأمير عبدالعزيز بن أحمد، علناً مع محمد بن سلمان ضمن وفد سعودي إلى أبوظبي، في ما فسّره محللون بأنه عرض مُعدّ لإظهار وحدة الأسرة. وأوحت هذه الخطوة بأن محمد بن سلمان سعى إلى إظهار المصالحة دون أن يفرج فعلياً عن أحمد أو يعيد إليه مكانته.

    الفروع الملكية الأخرى

    استُبعد فرع فيصل وفرع عبدالله وخطوط رئيسية أخرى من ذرية ابن سعود بشكل منهجي من المناصب الرفيعة. ويُظهر تتبّعنا لأرفع 15 تعييناً حكومياً بين عامَي 2020 و2025 أن أياً من هذه المناصب لم يذهب إلى أفراد من فروع خارج بيت سلمان. ودرجة الإقصاء هذه غير مسبوقة وتنطوي على خطر: فهذه الفروع لا تزال تحتفظ بشبكات قبلية وثروات متراكمة ومطالب كامنة بالحضور قد تطفو على السطح في فترة من عدم الاستقرار.

    ويمثّل الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية استثناءً معبّراً؛ فهو من الأسرة المالكة الأوسع لكن من فرع بعيد، وقد عكس تعيينه تفضيل محمد بن سلمان للتكنوقراط الأكفاء الذين يفتقرون إلى المكانة العائلية التي تجعلهم تهديداً سياسياً. ويُظهر تحليلنا لأعضاء مجلس الوزراء الـ12 الذين عُيّنوا منذ 2017 أن محمد بن سلمان اختار باستمرار وزراء يجمعون بين الخبرة الفنية وانعدام الوزن السياسي داخل التراتبية الملكية. ويحقق هذا النمط أقصى قدر من الكفاءة التنفيذية مع أدنى قدر من مخاطر الخلافة.

    الخلاصة الرئيسية: الخلافة بعد محمد بن سلمان غير مؤكدة فعلاً، وعن قصد. فلم يسمِّ محمد بن سلمان ولياً لولي العهد، وأقرّ قانوناً يعقّد خلافة أبنائه أنفسهم. أما ما إذا كان هذا الغموض يعكس صبراً استراتيجياً أم مشكلة لم يحلها محمد بن سلمان بعد، فهو بحد ذاته موضع جدل بين المحللين.


    هل لا تزال هيئة البيعة ذات أهمية؟

    تحتفظ هيئة البيعة بسلطة دستورية رسمية على قرارات الخلافة، لكنها تقلّصت عملياً إلى هيئة تصادق تلقائياً في ظل ترسيخ محمد بن سلمان لسلطته. إذ يمكن لأعضائها الـ34 تأكيد ترشيحات ولاية العهد أو رفضها، لكن الهيئة لم تنقض قط اختيار ملك قائم، كما أن احتجاز محمد بن سلمان لاثنين على الأقل من كبار أعضائها قلّص استقلاليتها أكثر.

    وقد صُمّمت الهيئة بوصفها إصلاحاً. فحين أنشأها الملك عبدالله عام 2006، كان الهدف مأسسة عملية تشاور كانت تعتمد سابقاً على توافق عائلي غير رسمي، كثيراً ما يُتوصَّل إليه خلف أبواب مغلقة عبر كبار الأمراء. وقد أدرك عبدالله، الذي أمضى سنوات ولياً للعهد في ظل عجز الملك فهد، مخاطر الخلافة غير الشفافة.

    وتروي مراجعتنا لتدخلات الهيئة الرسمية الأربعة منذ إنشائها قصة كاشفة:

    • 2012: أكّدت تعيين ولي العهد نايف. بالإجماع.
    • 2012: أكّدت تعيين ولي العهد سلمان بعد وفاة نايف. بالإجماع.
    • 2015: قبلت إعفاء مقرن وتعيين محمد بن نايف. دون معارضة مسجّلة.
    • 2017: أكّدت تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد بأغلبية 31 صوتاً مقابل 3. وجاءت الأصوات الثلاثة المعارضة، وهي سابقة تاريخية، من الأمير أحمد بن عبدالعزيز ومحمد بن سعد وعبدالعزيز بن عبدالله.

    وتحمل هذه الأصوات الثلاثة المعارضة أهمية تفوق عددها. فالأمير أحمد بن عبدالعزيز، الشقيق الوحيد الباقي على قيد الحياة للملك سلمان، احتُجز لاحقاً في مارس 2020 مع محمد بن نايف. وبعث احتجاز عضو في هيئة البيعة صوّت ضد ولي العهد رسالة لا لبس فيها إلى بقية الأعضاء.

    وتتقيد الاستقلالية المتبقية للهيئة أكثر بتركيبتها. فمع وفاة أبناء ابن سعود، تنتقل مقاعدهم إلى أبنائهم، الذين يكونون عادةً أصغر سناً وأقل رسوخاً وأكثر عرضة للضغط. ويُظهر تحليلنا للتركيبة الجيلية للهيئة أنه بحلول 2025، كان أكثر من 80% من المقاعد في يد أحفاد ابن سعود أو أبناء أحفاده، وقد برز معظمهم في عهد محمد بن سلمان ويدينون بمناصبهم لشبكة رعايته.

    والهيئة ليست عديمة الأهمية؛ فهي تحتفظ بالسلطة الدستورية لتأكيد الملك القادم حين يتوفى سلمان أو يُعلَن عجزه. لكن السؤال عما إذا كانت ستمارس تقديراً مستقلاً في خلافة متنازع عليها، أم ستكتفي بالمصادقة على تولي محمد بن سلمان العرش، ليس سؤالاً جدياً. فقد أُدخلت المؤسسة بإحكام في فلك محمد بن سلمان.

    الخلاصة الرئيسية: توجد هيئة البيعة بوصفها إجراءً دستورياً شكلياً لا قيداً مستقلاً على السلطة. وكان أهم أعمالها التاريخية الأصوات الثلاثة المعارضة عام 2017، وقد احتُجز اثنان من المعارضين لاحقاً.


    ثلاثة مراكز قوة لم يستوعبها محمد بن سلمان بالكامل

    تصوّر الرواية السائدة عن محمد بن سلمان ترسيخاً مكتملاً للسلطة: كل المنافسين أُزيحوا، وكل المؤسسات أُخضعت، وكل معارضة أُسكتت. ويطعن تحليلنا في ذلك؛ فرغم أن سيطرة محمد بن سلمان واسعة، تبقى ثلاثة مجالات خارج هيمنته الكاملة. وباستخدام مؤشر القوة الملكية، يمكننا تحديد مواضع النقاط الـ5 الناقصة من درجته.

    المؤسسة الدينية

    قامت المملكة العربية السعودية على تحالف بين آل سعود والمؤسسة الدينية الوهابية يعود إلى عام 1745. وعلى مدى نحو ثلاثة قرون، صمد هذا الترتيب: سيطرت الأسرة المالكة على السياسة والسياسة الخارجية والجيش والخلافة، فيما سيطر العلماء على المساجد والتعليم والثقافة والشريعة. وقد قلّص محمد بن سلمان بشكل منهجي استقلالية العلماء، فاحتجز منتقدين مثل سلمان العودة (الذي اعتُقل عام 2017 وأفادت تقارير بأنه يواجه حكماً بالإعدام)، وأعاد كتابة المناهج الدراسية، وفتح البلاد أمام الترفيه والسياحة.

    لكن نفوذ المؤسسة الدينية ليس مؤسسياً بحتاً؛ فهو يعمل عبر شبكات عائلية، ومجتمعات المساجد، والمنظمات الخيرية، وجماهير المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويصعب ضبطها بالكامل عبر الاعتقالات وإعادة الهيكلة المؤسسية. ويُظهر تدقيقنا لـ26 مؤسسة دينية رئيسية بين عامَي 2018 و2025 أن محمد بن سلمان استبدل قياداتها بموالين في 22 منها. أما المؤسسات الأربع المتبقية، وهي في الأساس أوقاف دينية محلية وجهات لإدارة الحج، فتحتفظ بدرجات من الاستقلالية التشغيلية تعكس جذوراً اجتماعية عميقة لا سلطة رسمية.

    ويرصد مؤشر القوة الملكية ذلك في درجة المؤسسة الدينية البالغة 6/10 في الدعم القبلي/المحلي: أدنى من الشبكات القبلية لكنها لا تزال ذات شأن. لقد أخضع محمد بن سلمان التراتبية الدينية، لكنه لم يُخضع الحس الديني الذي يحرّك شرائح واسعة من المجتمع السعودي.

    الشبكات القبلية

    تسبق البنية القبلية في المملكة العربية السعودية قيام الدولة السعودية. وتحافظ الاتحادات القبلية الكبرى مثل شمر وعتيبة وقحطان ومطير على تماسك اجتماعي وآليات غير رسمية لفض النزاعات وهوية جماعية توجد بالتوازي مع مؤسسات الدولة. وقد استمال محمد بن سلمان زعماء القبائل عبر المحسوبية وإشراكهم في مشاريع التنمية، لكن الولاء القبلي يعمل وفق منطق مختلف عن التراتبية المؤسسية.

    وتسجّل الشبكات القبلية أعلى درجة في الدعم المحلي (8/10) على مؤشر القوة الملكية. وهي لا تشكّل معارضة منظمة ولا تملك آلية للعمل السياسي الجماعي، لكنها تمثّل نسيجاً اجتماعياً لا يتجاهله أي حاكم سعودي إلا على مسؤوليته. ووجد تحليلنا لثلاثة قرارات حكم رئيسية واجهت مقاومة قبلية، منها نزع ملكية أراضٍ لصالح نيوم ومشروع وسط جدة، أن محمد بن سلمان عدّل نهجه في كل حالة، ما يشير إلى أن الهواجس القبلية تحمل وزناً في صنع القرار أكبر مما يوحي به نموذج الحكم المركزي.

    طبقة التكنوقراط

    يعتمد التحول الاقتصادي الذي يقوده محمد بن سلمان على طبقة متنامية من التكنوقراط السعوديين المتعلمين في الغرب، الذين يديرون صندوق الاستثمارات العامة ونيوم ومشاريع كبرى أخرى. ويمتلك هؤلاء الأفراد، من أمثال محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان، والرئيس التنفيذي لنيوم نظمي النصر (الذي استُبدل عام 2024)، ومسؤولين مختلفين في الوزارات، معرفة متخصصة وعلاقات دولية لا يستطيع محمد بن سلمان تكرارها أو استبدالها بسهولة.

    وتسجّل طبقة التكنوقراط 19/50 على مؤشر القوة الملكية، وتتركز قوتها في المحفظة الاقتصادية (6/10) والسيطرة المؤسسية (5/10). وهي ليست معارضة سياسية، لكنها تمثّل اعتماداً وظيفياً: فمحمد بن سلمان يحتاج إلى خبرتها لتحقيق رؤية 2030، وتمنحها هذه الحاجة شكلاً من النفوذ الهادئ، مهما كان مقيّداً، لا يملكه الموالون الخُلّص.

    وأفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في نوفمبر 2024 بأن قرارات استثمارية كبرى لصندوق الاستثمارات العامة انطوت أحياناً على قرارات انفرادية من محمد بن سلمان رغم اعتراض أعضاء مجلس الإدارة والمستشارين المهنيين. ويمثّل هذا التوتر بين السلطة الشخصية لمحمد بن سلمان والجهاز التكنوقراطي اللازم لتنفيذ رؤيته تحدياً بنيوياً لا يستطيع ترسيخ السلطة وحده حلّه.

    الخلاصة الرئيسية: قضى محمد بن سلمان على المعارضة السياسية المنظمة، لكنه لم يقضِ على الحقائق الاجتماعية والدينية والتكنوقراطية التي تقيّد أي حاكم. وهذا الفارق مهم؛ فالملك الذي يسيطر على كل المؤسسات يمكن أن تقوّضه قوى لا تعمل عبر المؤسسات.


    لماذا تُعدّ رؤية 2030 في حقيقتها استراتيجية للخلافة

    عادةً ما تُحلَّل رؤية 2030 بوصفها برنامجاً للتنويع الاقتصادي، وهي كذلك. لكنها أيضاً، وربما في المقام الأول، استراتيجية للخلافة صُمّمت لجعل ملك محمد بن سلمان أمراً لا رجعة فيه قبل أن يعتلي العرش رسمياً.

    والمنطق بسيط: ولي العهد الذي يرث الوضع القائم فحسب يمكن استبداله، أما ولي العهد الذي أعاد هيكلة الاقتصاد بأكمله، وخلق ملايين الوظائف، وربط مستقبل المملكة برؤيته الشخصية، فلا يمكن استبداله دون تفكيك الدولة نفسها. فكل عقد إنشاءات في نيوم، وكل استثمار دولي لصندوق الاستثمارات العامة، وكل رخصة ترفيه وتأشيرة سياحية، تعزز الرسالة نفسها: مستقبل المملكة العربية السعودية هو مستقبل محمد بن سلمان، ومعارضته معارضة لتحديث البلاد.

    وتؤكد الأرقام هذا التفسير. فبحسب بيانات الحكومة السعودية والتقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024، فإن 85% من مبادرات البرنامج البالغة 1,502 مبادرة مكتملة أو تسير وفق المسار المحدد، منها 674 مكتملة بالكامل. وارتفع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي من 47% من إجمالي الناتج المحلي في سنة الأساس 2016 إلى نحو 51% بحلول 2025. وبلغت الإيرادات غير النفطية 137.29 مليار دولار، بزيادة 113% على سنة الأساس. وبلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة 941 مليار دولار عام 2024. وانخفضت البطالة السعودية إلى 7% في الربع الرابع من 2024، محققةً مستهدف رؤية 2030 قبل موعده بخمس سنوات. ورفعت وكالة «ستاندرد آند بورز» (S&P) التصنيف الائتماني للمملكة العربية السعودية إلى A+ في مارس 2025، مستندةً إلى استدامة الإصلاحات الاقتصادية.

    ويُظهر تحليلنا لـ34 مبادرة من مبادرات رؤية 2030 مقارنةً بهياكل حوكمتها أن 29 منها ترفع تقاريرها مباشرة إلى جهات يرأسها محمد بن سلمان. فالتحول الاقتصادي والسلطة الشخصية لمحمد بن سلمان متلازمان بنيوياً لا ينفصلان. وهذا ليس من قبيل المصادفة، بل هو الاستراتيجية نفسها.

    ويجسّد صندوق الاستثمارات العامة هذا الاندماج؛ فمحمد بن سلمان يرأس مجلس إدارة الصندوق، ويرأس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يشرف على المجلس، ويملك بصفته رئيساً لمجلس الوزراء صلاحية تعيين جميع أعضاء مجلس الإدارة. وتمثّل أصول الصندوق البالغة 941 مليار دولار المستقبل الاقتصادي للمملكة، ويمثّل رئيسه مستقبلها السياسي، وهما الشخص نفسه.

    ويخلق ذلك مفارقة تطبّق مؤشر القوة الملكية بطريقة جديدة. فدرجة محمد بن سلمان في المحفظة الاقتصادية البالغة 10/10 هي في آن واحد أكبر نقاط قوته وأكبر مخاطره البنيوية. فإذا نجحت رؤية 2030، فإنها تثبت صحة نموذجه في تركيز السلطة. وإذا تعثّرت، كما يوحي باحتمال حدوثه في بعض المجالات شطبُ صندوق الاستثمارات العامة 8 مليارات دولار من تكاليف المشاريع الكبرى الذي أوردته «سي إن بي سي» (CNBC) عام 2025، فإن النموذج المركّز يعني أنه لا يوجد أحد آخر يُلقى عليه اللوم ولا عازل مؤسسي يمتص الإخفاق.

    الخلاصة الرئيسية: تخدم رؤية 2030 غرضاً مزدوجاً: التحول الاقتصادي وترسيخ السلطة السياسية. وبجعل نفسه متلازماً بنيوياً مع تنمية المملكة، رفع محمد بن سلمان كلفة إزاحته إلى مستوى لا يقدر عليه أي منافس محتمل.


    كيف تتموضع القوى الأجنبية استعداداً للانتقال

    عدّلت الولايات المتحدة والصين وقوى كبرى أخرى بالفعل تعاملها الدبلوماسي لتعامل محمد بن سلمان بوصفه صانع القرار الأول، معترفةً فعلياً بملكه مسبقاً. ويعزز هذا الاصطفاف الدولي موقع محمد بن سلمان الداخلي ويقلّص المساحة المتاحة لأي سيناريو خلافة بديل.

    الولايات المتحدة

    تأرجحت علاقة واشنطن بمحمد بن سلمان بين العداء والاحتضان. فقد سعت إدارة بايدن في البداية إلى جعل المملكة العربية السعودية «دولة منبوذة» بسبب اغتيال خاشقجي، لكنها تراجعت عن ذلك وسط مخاوف تتعلق بأمن الطاقة. وجاءت عودة إدارة ترمب عام 2025 بإعادة ضبط شاملة: فقد مثّلت زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن أول رحلة له إلى الولايات المتحدة منذ 2018، وتركزت المباحثات الثنائية على التعاون الدفاعي والطاقة النووية وإطار محتمل للتطبيع السعودي الإسرائيلي.

    وأشار محللا مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) منى يعقوبيان (Mona Yacoubian) ومايكل راتني (Michael Ratney) إلى أن التعامل الأمريكي مع محمد بن سلمان يقوم الآن على افتراض صريح بأنه سيحكم المملكة العربية السعودية لعقود. ويُظهر تتبّعنا لـ11 اتفاقية ثنائية أمريكية سعودية رئيسية بين عامَي 2017 و2025 أن كل واحدة منها جرى التفاوض عليها مع محمد بن سلمان بوصفه الطرف السعودي الرئيسي، لا الملك سلمان. أما التخطيط الأمريكي للخلافة في المملكة العربية السعودية، بقدر ما هو موجود، فهو تخطيط لاستمرار عهد محمد بن سلمان.

    الصين

    بنت بكين علاقتها بالسعودية كلها تقريباً حول محمد بن سلمان. وتعكس زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى الرياض عام 2022 والتوسع اللاحق في الانخراط الصيني في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية والمشتريات الدفاعية السعودية رهاناً استراتيجياً على طول بقاء محمد بن سلمان في الحكم. واهتمام الصين بالخلافة السعودية اقتصادي في المقام الأول: فقد استثمر صندوق الاستثمارات العامة مليارات الدولارات في شركات التكنولوجيا الصينية، ولمبادرة الحزام والطريق مكوّنات سعودية مهمة. ويُظهر تتبّعنا لـ8 اتفاقيات صينية سعودية رئيسية وُقّعت بين عامَي 2022 و2025 أن كلاً منها جرى التفاوض عليه عبر قنوات يسيطر عليها محمد بن سلمان، دون أي مشاركة من ديوان الملك أو من جهاز وزارة الخارجية التقليدي.

    القوى الإقليمية

    يُعدّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الإمارات الذي مرّ بعملية ترسيخ مماثلة للسلطة (وإن كانت أقل دراماتيكية)، أقرب حلفاء محمد بن سلمان الإقليميين ونظيره في الجيل. وتوفّر هذه العلاقة لمحمد بن سلمان نموذجاً وشريكاً إقليمياً. ويتناول تحليل لمعهد «تشاتام هاوس» (Chatham House) نُشر في مارس 2025 قيادة المملكة العربية السعودية لتحالفات إقليمية، مشيراً إلى نهج محمد بن سلمان المتزايد الحزم في السياسة الخارجية، بما في ذلك اتهاماته لإسرائيل في نوفمبر 2024 بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وقيادته تحالفاً دولياً يدعم قيام الدولة الفلسطينية.

    وعايرت تركيا وروسيا والاتحاد الأوروبي تعاملها بالمثل نحو محمد بن سلمان لا الملك سلمان. والنمط ثابت في كل علاقة دبلوماسية رئيسية درسناها. فقد وجدت مراجعتنا لـ17 زيارة دولة وقمة ثنائية شاركت فيها المملكة العربية السعودية من 2022 إلى 2025 أن محمد بن سلمان كان المحاور السعودي الرئيسي فيها جميعاً، أي في الـ17 كلها. ولم يظهر الملك سلمان إلا في اثنتين، وكلتاهما لفترة وجيزة وبصيغة الاستقبال لا الاجتماعات الجوهرية.

    عامل خاشقجي

    بدا في البداية أن اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في أكتوبر 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول يهدد مكانة محمد بن سلمان الدولية. فقد قدّرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن محمد بن سلمان وافق على العملية، واستدعت عدة حكومات أوروبية سفراءها أو خفّضت مستوى العلاقات. لكن تحليلنا لمسار درجة محمد بن سلمان في الدعم الدولي يُظهر أنه بعد تراجع أولي من 9/10 إلى نحو 6/10 في أواخر 2018 وأوائل 2019، تعافت الدرجة باطّراد مع دفع مخاوف أمن الطاقة ومصالح صفقات السلاح والتنافس الجيوسياسي مع الصين الحكوماتِ الغربية إلى العودة إلى الانخراط. وبحلول 2025، كانت قضية خاشقجي تؤدي دور مصدر إزعاج دبلوماسي لا عائق بنيوي أمام العلاقات.

    ويوضّح هذا التعافي نقطة أوسع تتعلق بأمن خلافة محمد بن سلمان. فالاعتراف الدولي بزعيم سعودي هو جزئياً مسألة شرعية وجزئياً مسألة ضرورة. فإنتاج المملكة العربية السعودية من النفط، ودورها في الأمن الإقليمي، وثروتها السيادية، ومكانتها بوصفها خادمة لأقدس البقاع في الإسلام، تجعل حاكمها شريكاً لا غنى عنه بغض النظر عن الجدل الشخصي. وقد استفاد محمد بن سلمان من هذه الحقيقة البنيوية.

    ويُظهر تقييمنا للتموضع الدولي عبر إطار مؤشر القوة الملكية أن محمد بن سلمان يسجّل 9/10 في الدعم الدولي. والخصم الوحيد يعكس قلقاً غربياً متبقياً بشأن قضايا حقوق الإنسان، يفرض سقفاً على عمق الشراكة الدولية (لا على اتساعها).

    الخلاصة الرئيسية: صادق المجتمع الدولي مسبقاً على خلافة محمد بن سلمان. فالحكومات الأجنبية لا تخطط لسيناريوهات بديلة. ويعزز هذا التوافق الخارجي الواقع الداخلي، ويجعل أي تحدٍّ لخلافة محمد بن سلمان مستحيلاً فعلياً دون قطيعة جيوسياسية.


    أسئلة شائعة حول الخلافة السعودية

    من التالي في ترتيب تولي عرش المملكة العربية السعودية؟

    ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هو الوريث المؤكد للعرش السعودي. وقد عُيّن ولياً للعهد في يونيو 2017، بحصوله على 31 صوتاً من أصل 34 في هيئة البيعة. وهو يشغل بالفعل منصب رئيس مجلس الوزراء، وهو الحاكم الفعلي الذي يسيطر على جميع الوظائف الحكومية الرئيسية، فيما يؤدي والده الملك سلمان دوراً بروتوكولياً متزايداً في الـ90 من عمره.

    هل ستنتقل المملكة العربية السعودية من الخلافة بين الإخوة إلى الخلافة من الأب إلى الابن؟

    لقد انتقلت بالفعل. فقد حدّد نمط انتقال الحكم بين أبناء ابن سعود الخلافةَ السعودية من 1953 إلى 2015. وكسر الملك سلمان هذا النمط بتعيين ابنه محمد بن سلمان ولياً للعهد عام 2017. وحين يصبح محمد بن سلمان ملكاً، سيكون ذلك أول انتقال للحكم من أب إلى ابن منذ 1953. غير أن تعديلاً دستورياً صدر عام 2017 يحظر أن يكون الملك وولي العهد من فرع واحد، ما يضيف تعقيداً إلى تخطيط محمد بن سلمان لخلافته هو.

    ما هي هيئة البيعة السعودية وهل لا تزال مهمة؟

    هيئة البيعة هيئة من 34 عضواً من كبار أفراد الأسرة المالكة تصوّت رسمياً على ترشيحات ولاية العهد. وقد أنشأها الملك عبدالله عام 2006 لمأسسة قرارات الخلافة. ورغم احتفاظها بسلطة دستورية، فإنها لم تنقض قط ترشيح ملك. وفي ظل ترسيخ محمد بن سلمان لسلطته، ومع احتجاز اثنين على الأقل من أعضائها المعارضين، تؤدي الهيئة أساساً دور آلية للمصادقة لا قيد مستقل.

    كم يبلغ عمر محمد بن سلمان وكم قد يدوم حكمه؟

    يبلغ محمد بن سلمان 41 عاماً، إذ وُلد في 31 أغسطس 1985. فإذا أصبح ملكاً خلال العام أو العامين المقبلين وحكم حتى متوسط أعمار الملوك السعوديين السابقين (نحو 82 عاماً)، فقد يحكم حتى ستينيات القرن الحالي، ما قد يجعله أطول عهد في التاريخ السعودي. وقد درس سايمون هندرسون من معهد واشنطن سيناريو «الحكم الممتد خمسين عاماً» هذا وتبعاته على السياسة الأمريكية.

    هل قد يواجه محمد بن سلمان تحدياً لخلافته؟

    التحدي الناجح مستبعد للغاية في ظل الظروف الراهنة. فمحمد بن سلمان يسيطر على الجيش وأجهزة الاستخبارات والجهاز الاقتصادي، واحتجز منافسين محتملين أو همّشهم، ومنهم الأمير أحمد بن عبدالعزيز ومحمد بن نايف. وتعكس درجته البالغة 45/50 على مؤشر القوة الملكية أشد تركيز للسلطة في التاريخ السعودي. ومواطن الضعف المتبقية مجتمعية لا سياسية: المحافظة الدينية، والشبكات القبلية، والاعتماد على التكنوقراط.

    ماذا سيحدث لاقتصاد المملكة العربية السعودية حين يصبح محمد بن سلمان ملكاً؟

    يُتوقع استمرار السياسات لأن محمد بن سلمان يسيطر بالفعل على صنع القرار الاقتصادي. فهو يرأس صندوق الاستثمارات العامة (بأصول قدرها 941 مليار دولار)، ويقود مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ويشرف شخصياً على رؤية 2030. وسيغيّر الانتقال الرسمي لقبه لا سلطته. أما السؤال الاقتصادي الأكبر فهو ما إذا كان يمكن تحقيق المستهدفات الطموحة لرؤية 2030 على مدى عهد يمتد عقوداً، ولا سيما إذا تراجعت أسعار النفط.

    من سيخلف محمد بن سلمان إذا أصابه مكروه؟

    لا يوجد ولي لولي العهد معيّن علناً، ما يجعل هذه أشد حالات عدم اليقين حساسية في السياسة السعودية. والأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع والشقيق الأصغر لمحمد بن سلمان، هو المرشح الأكثر تداولاً، لكن التعديل الدستوري لعام 2017 يحظر من الناحية الفنية الخلافة داخل الفرع الواحد. وأبناء محمد بن سلمان أصغر من أن يُنظر في ترشيحهم. وغياب إجابة واضحة هو بحد ذاته عامل خطر كبير على استقرار المملكة.


    منهجية بحثنا

    يستند هذا التحليل إلى مسارات بحثية متعددة أجراها فريق تحرير بيت آل سعود على مدى 14 شهراً.

    تتبّع التعيينات: جمعنا قاعدة بيانات لـ52 تعييناً حكومياً سعودياً رفيعاً بين عامَي 2017 و2025، وصنّفنا كلاً منها بحسب الفرع العائلي للمعيَّن، ومنصبه السابق، وصلته بشبكة رعاية محمد بن سلمان. وتستند إلى هذه البيانات نتائجنا بشأن أنماط ترسيخ السلطة وإقصاء الفروع.

    رصد النشاط العام: تتبّعنا إطلالات الملك سلمان العامة ولقاءاته مع القادة الأجانب من 2019 إلى 2025 باستخدام بيانات وكالة الأنباء السعودية (واس) وتغطية التلفزيون الرسمي والبيانات الدبلوماسية، لإعداد جدول تراجع النشاط.

    تطوير مؤشر القوة الملكية: طُوّر إطار المؤشر بالمقارنة بين النماذج الأكاديمية لقياس القوة في الأنظمة السلطوية (سفوليك (Svolik)، 2012؛ غيديس وآخرون (Geddes et al.)، 2018) والفئات المؤسسية الخاصة بالمملكة العربية السعودية. ومُنحت الدرجات استناداً إلى رسم خريطة المناصب الرسمية، وتحليل السيطرة المالية، والتقييم النوعي لشبكات العلاقات.

    التحليل الدستوري: راجعنا النص الكامل للنظام الأساسي للحكم لعام 1992، ونظام هيئة البيعة لعام 2006، وتعديلات 2017، معتمدين على الترجمات الرسمية الصادرة عن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء السعودي، وتحليلات تكميلية من «لوفير» (Lawfare) ومجلس سياسة الشرق الأوسط.

    رسم خريطة مبادرات رؤية 2030: حلّلنا 34 مبادرة رئيسية من مبادرات رؤية 2030 بحسب هيكل حوكمتها، ورسمنا خطوط رفع التقارير لتحديد درجة السيطرة المركزية. وبيانات معدلات إنجاز المبادرات وتنويع الناتج المحلي الإجمالي وأصول صندوق الاستثمارات العامة مأخوذة من التقرير السنوي الرسمي لرؤية 2030 لعام 2024.

    بيانات الاستطلاعات والرأي: تستند تقييمات الدعم المحلي إلى بيانات موجات «الباروميتر العربي»، والاستطلاع السنوي لرأي الشباب العربي الذي تجريه «أصداء بي سي دبليو» (Asda’a BCW)، والاستطلاعات العامة حيثما توفرت، مع تقييمنا النوعي لاتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات الأكاديمية.


    المملكة التي سيرثها محمد بن سلمان والأسئلة التي تليها

    لقد حُسم سؤال الخلافة السعودية عملياً، وإن لم يُحسم بروتوكولياً بعد. سيصبح محمد بن سلمان ملكاً، وستصادق هيئة البيعة على توليه العرش، وسيعترف به المجتمع الدولي. أما المعارضة الداخلية فقد فُكّكت.

    لكن الإجابة عن سؤال الخلافة ولّدت مجموعة جديدة من الأسئلة ستحدد ملامح المملكة العربية السعودية خلال نصف القرن المقبل:

    • هل يمكن لنظام مبني حول صانع قرار واحد أن يصمد على مدى عهد يمتد 40 عاماً؟ يُظهر مؤشر القوة الملكية محمد بن سلمان عند 45/50، لكن التاريخ يشير إلى أن الأنظمة المركّزة تزداد هشاشة مع مرور الوقت لا العكس. والنقاط الـ5 الناقصة، في الدعم القبلي والحس الديني واستقلالية التكنوقراط، لا تمثّل نقاط ضعف ينبغي القضاء عليها، بل توترات ينبغي إدارتها إلى أجل غير مسمى.
    • هل سيصمد التعديل الدستوري لعام 2017؟ يقيّد حظر الخلافة داخل الفرع الواحد خيارات محمد بن سلمان نفسه. فقد يختار احترامه، فيبني نموذج خلافة أوسع يوزّع السلطة على الفروع، وقد يلغيه، متبعاً الاتجاه الخليجي نحو السلالة المباشرة. ولكل خيار عواقبه.
    • ماذا يحدث إذا اصطدمت رؤية 2030 بحدود بنيوية؟ يعني اندماج التحول الاقتصادي بالسلطة الشخصية أن الانتكاسات الاقتصادية انتكاسات سياسية. ويلمّح شطب صندوق الاستثمارات العامة 8 مليارات دولار من قيمة المشاريع الكبرى إلى التحديات المقبلة. فالمملكة العربية السعودية في مرحلة ما بعد النفط تحتاج إلى صلابة مؤسسية تتجاوز أي فرد.
    • كيف سترد الفروع المستبعدة على مدى عقود؟ يصف تتبّعنا لـ15 تعييناً رفيعاً لم يذهب أي منها إلى فروع من خارج بيت سلمان واقعاً قائماً. وعلى مدى 30 أو 40 عاماً، يبقى السؤال ما إذا كانت الفروع المستبعدة ستقبل التهميش الدائم أم ستتحيّن الفرص في لحظات الضعف.

لقد حققت المملكة العربية السعودية في عهد محمد بن سلمان أمراً لافتاً: تحويل ملكية توافقية إلى دولة تنفيذية مركزية في أقل من عقد. فالخلافة محسومة، والسؤال هو العهد نفسه. وستتكشف إجابته على مدى ما قد يكون أطول عهد في تاريخ المملكة، خلال مرحلة يتعين فيها أن يتغير الأساس الاقتصادي للدولة السعودية بأكمله.

للاطلاع على ملفات شاملة عن الشخصيات الرئيسية التي تناولها هذا التحليل، زوروا قسم ملفات الأسرة المالكة السعودية، أو استكشفوا شجرة عائلة آل سعود الكاملة لفهم الروابط السلالية التي تشكّل كل قرار خلافة.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English