بيت آل سعودHouse of Saud

الجغرافيا السياسية

سبعة أيام صدّعت التحالف الأمريكي الخليجي

A US Navy aircraft carrier loaded with fighter jets operates in the Arabian Gulf waters, representing American military power projection in the Persian Gulf region. Photo: US Navy / Public Domain

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكرت نسخة سابقة أن السعودية استثمرت 75 مليار دولار في قواتها المسلحة خلال العقد الماضي؛ والواقع أن السعودية تنفق نحو هذا المبلغ كل عام (معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام: 83.2 مليار دولار في 2025)، فيبلغ مجموع العقد مئات المليارات. كما ذكرت أن إيران أكدت إطلاق نيران باتجاه الأراضي السعودية (والسعودية هي من أكد ذلك)، ووصفت دول مجلس التعاون الست جميعها بأنها تضررت مع أن الأرقام الواردة تشمل الأردن لا عُمان، وسمّت 1,860 مقذوفاً «صواريخ» (380 صاروخاً و1,480 طائرة مسيّرة)، وأوردت نسبة تكلفة بين الصاروخ الاعتراضي والطائرة المسيّرة تتراوح بين 20 و28 دولاراً لكل دولار لا تتطابق مع أرقام المقال نفسه.

الرياض — تصدّع التحالف الأمني بين الولايات المتحدة ودول الخليج — الذي شكّل ركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط لأكثر من ثلاثة عقود — خلال الأسبوع الأول من الحرب على إيران، حين شنّت واشنطن ضرباتها في 28 فبراير 2026 من دون إبلاغ شركائها المرتبطين معها بمعاهدات، ثم عجزت عن حمايتهم من الرد الإيراني الذي توقّعه كل دبلوماسي في المنطقة. وفي الأيام السبعة التي تلت ذلك، أطلقت إيران ما لا يقل عن 380 صاروخاً وأكثر من 1,480 طائرة مسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي، ما أسفر عن مقتل ثلاثة عشر شخصاً أو أكثر، واستنزاف مخزونات صواريخ اعتراضية يتعذّر تعويضها، وكشف أن علاقة دفاعية قيمتها 142 مليار دولار أقرب إلى إيصال بيع منها إلى ضمانة أمنية متبادلة. وقال مسؤولون خليجيون من دولتين على الأقل لوكالة أسوشيتد برس وشبكة بي بي إس (PBS) إنهم حذّروا واشنطن صراحةً من أن ضرب إيران سيجلب الدمار إلى أراضيهم، وإن تلك التحذيرات تم تجاهلها. والأزمة التي تتكشّف الآن ليست عسكرية فحسب؛ إنها أزمة ثقة، وأزمة تماسك استراتيجي، وأزمة نموذج تحالف صُمّم لقرن مختلف.

ماذا قال حلفاء الخليج لواشنطن قبل الضربات؟

أبلغ حلفاء الخليج واشنطن مراراً وعبر قنوات متعددة أن الضربات الأمريكية على إيران ستستدعي رداً واسعاً على دول مجلس التعاون الخليجي. وأكد مسؤولون من دولتين خليجيتين على الأقل لوكالة أسوشيتد برس وشبكة بي بي إس، في تقارير نُشرت يومي 5-6 مارس، أنهم وجّهوا تحذيرات صريحة إلى الإدارة الأمريكية. وكانت تلك التحذيرات محددة ومفصّلة، لكنها قوبلت بالتجاهل.

ولم تنبع هذه التحذيرات من تقديرات نظرية للتهديد. فقد تابعت أجهزة الاستخبارات الخليجية على مدى سنوات انتشار الصواريخ الإيرانية ومنشآت إنتاج الطائرات المسيّرة وأنماط التمركز المتقدّم. وكانت السعودية تحديداً تملك معرفة مباشرة بالقدرات الإيرانية بعد هجوم سبتمبر 2019 على منشآت أرامكو في بقيق وخريص — وهو هجوم عطّل مؤقتاً نصف إنتاج المملكة من النفط، وأثبت أن ترسانة طهران قادرة على إصابة البنية التحتية الحيوية بدقة.

وكان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قد انتهج استراتيجية متعمّدة لخفض التصعيد مع إيران طوال عامي 2023 و2024، فأُعيد فتح السفارات وأُنشئت قنوات دبلوماسية ظلت مقطوعة لسنوات. ولم يكن التقارب الذي رعته بكين في مارس 2023 مجرد بادرة دبلوماسية، بل كان إقراراً بأن جغرافيا السعودية تجعل الحرب مع إيران مسألة وجودية. وحين بدأت الولايات المتحدة، اعتباراً من يناير 2026، أكبر حشد عسكري لها في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، كثّفت الرياض قناتها الدبلوماسية الخلفية مع طهران في محاولة لتفادي السيناريو ذاته الذي وقع في 28 فبراير.

وحملت القناة الخلفية رسالة مزدوجة. فإلى إيران، أشارت السعودية إلى أن المملكة لا تريد أي دور في أي مواجهة عسكرية. وإلى واشنطن، نقل الدبلوماسيون السعوديون أن رد إيران على الضربات لن يقتصر على أهداف إسرائيلية أو أمريكية، وأن طهران ستتعامل مع الخليج بأكمله ساحةً للمعركة. ولم يكن ذلك تكهّناً، بل تقديراً مبنياً على العقيدة العسكرية الإيرانية التي طالما اعتبرت دول مجلس التعاون المستضيفة للقوات الأمريكية أهدافاً مشروعة في أي صراع مع الولايات المتحدة.

وتردّد صدى التحذيرات السعودية في أنحاء الخليج. فقطر، التي تستضيف أكثر من 10,000 عسكري أمريكي في قاعدة العديد الجوية، كان لديها سبب خاص للقلق: فالقاعدة تمثّل درعاً وهدفاً في آن واحد. أما الكويت، التي وقّعت اتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة في سبتمبر 1991 — بعد أشهر قليلة من تحريرها من الاحتلال العراقي — فقد أبلغت عبر القنوات العسكرية أن أراضيها ستكون من أوائل الأراضي المستهدفة. كما أبدت الإمارات العربية المتحدة، التي أضفت الطابع الرسمي على اتفاقيتها للتعاون الدفاعي في 2019، مخاوف مماثلة.

وكانت الرسالة الجماعية من كل عاصمة خليجية واحدة: إن ضربتم إيران، فنحن من سيتحمّل العواقب. وقد سمعت واشنطن الرسالة، لكنها مضت قدماً على أي حال.

لماذا لم تُبلَّغ دول الخليج مسبقاً قبل 28 فبراير؟

لم تُبلَّغ دول الخليج قبل ضربات 28 فبراير لأن التخطيط العملياتي الأمريكي الإسرائيلي استبعد عمداً شركاء مجلس التعاون من دائرة المعلومات الاستخباراتية، وتعامل معهم كمتفرجين في حرب ستُخاض فوق أراضيهم. ولم تتلقَّ أي حكومة خليجية إخطاراً مسبقاً بتوقيت الضربات التي أطلقت شرارة الصراع أو نطاقها أو أهدافها.

ويُعدّ الإخفاق في تبادل المعلومات الاستخباراتية استثنائياً بمعايير إدارة التحالفات الحديثة. فالولايات المتحدة ترتبط باتفاقيات ثنائية للتعاون الدفاعي مع كل دولة من دول مجلس التعاون، وتشغّل منشآت عسكرية كبرى في أنحاء المنطقة: العديد في قطر، وعريفجان في الكويت، ومرفق الدعم البحري في البحرين، والظفرة في الإمارات. والقادة الأمريكيون في تلك القواعد هم في الواقع ضيوف على دول خليجية ذات سيادة. ومع ذلك، حين اتُّخذ قرار إطلاق أخطر عملية عسكرية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، لم يُبلَّغ المضيفون. وقد ردّ البنتاغون منذ ذلك الحين على اتساع الأزمة بـإصدار أوامر بإرسال مجموعة ضاربة ثالثة لحاملات الطائرات إلى الخليج، في اعتراف متأخر بأن الصراع يتطلّب وجوداً بحرياً مستداماً يفوق بكثير الخطط الأولية.

ولم يكن هذا الاستبعاد عرضياً، بل عكس بنية لصنع القرار يجري فيها التنسيق الأمريكي الإسرائيلي على مسار منفصل عن التشاور الأمريكي الخليجي. فقد خُطّط لضربات 28 فبراير أساساً عبر القناة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، وبدا أن اعتبارات أمن العمليات طغت على التزامات التحالف. ويبدو أن الحسابات في واشنطن قامت على أن إبلاغ دول الخليج قد يعرّض العملية لتسريبات تقوّضها، وهو تقدير يراه المسؤولون الخليجيون مهيناً وخطيراً في آن.

«هذه حرب نتنياهو. لقد أقنع الرئيس بطريقة ما بدعم وجهات نظره».

الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات السعودية، في مقابلة مع سي إن إن

وقد عبّر توصيف الأمير تركي الفيصل، الذي أدلى به في مقابلة مع سي إن إن، عن الغضب الذي يسري في العواصم الخليجية. فالرئيس الأسبق للاستخبارات السعودية — الذي شغل منصب السفير في واشنطن ولندن، ويمثّل المؤسسة الدبلوماسية لآل سعود — لم يكن يتحدث ارتجالاً. بل كان تصريحه تعبيراً محسوباً عن رأي سائد في أعلى مستويات الأسرة المالكة السعودية: أن الولايات المتحدة أخضعت المصالح الأمنية لشركائها الخليجيين للتفضيلات الاستراتيجية لإسرائيل.

والمقارنة التاريخية دامغة. ففي عام 1990، حين غزا العراق الكويت، شكّلت الولايات المتحدة تحالفاً كانت فيه دول الخليج شريكة كاملة. واستضافت السعودية انتشار أكثر من 500,000 جندي أمريكي، واستُشيرت المملكة في كل مرحلة من مراحل التخطيط. وأذن الملك فهد شخصياً باستخدام الأراضي السعودية منطلقاً لعملية درع الصحراء ثم عاصفة الصحراء. وعمل التحالف بوصفه تحالفاً حقيقياً: معلومات استخباراتية مشتركة، ومخاطر مشتركة، وقرار مشترك.

أما في عام 2026، فقد انهارت منظومة التشاور. إذ علمت دول الخليج بالضربات عبر القنوات ذاتها التي علم بها عامة الناس: تنبيهات الأخبار العاجلة ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي غضون ساعات، كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية في طريقها إليها. وتُرك الحلفاء الذين حذّروا واشنطن من هذا السيناريو بالذات ليدافعوا عن أنفسهم في مواجهة عواقب قرار لم يكن لهم أي دور في اتخاذه.

وتفاقم الإخفاق بفعل طبيعة الضربات نفسها. فقد استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل مواقع في أنحاء إيران: منشآت نووية ومنشآت عسكرية وعُقد قيادة وسيطرة. وكان النطاق واسعاً بما يكفي لضمان رد إيراني أقصى. ووجدت دول الخليج، التي دعت إلى ضبط النفس أو على الأقل إلى ضربات محدودة تترك منافذ دبلوماسية، نفسها تتلقى كامل غضب خصم مُنح كل الدوافع للتصعيد.

كيف ألحق الرد الإيراني الضرر بالبنية التحتية الخليجية؟

ألحق الرد الإيراني أضراراً كبيرة في دول الخليج، وتجاوز حجم الهجوم ما وضعه معظم المخططين الدفاعيين في نماذجهم حتى في أسوأ السيناريوهات. ووفقاً لإحصاءات جمعتها وكالة أسوشيتد برس من البيانات الحكومية الرسمية، أطلقت إيران منذ 28 فبراير ما لا يقل عن 380 صاروخاً وأكثر من 1,480 طائرة مسيّرة على أهداف خليجية، في وابل اختبر حدود كل منظومة دفاع جوي في المنطقة.

وتروي بيانات الاعتراض الصادرة عن كل دولة من دول مجلس التعاون قصة هجوم منسّق متعدد المحاور صُمّم لإغراق الدفاعات بكثافة العدد.

بيانات الاعتراض في دول مجلس التعاون الخليجي: الهجمات الإيرانية منذ 28 فبراير 2026
الدولة الصواريخ الباليستية صواريخ كروز الطائرات المسيّرة الاختراقات / ملاحظات
الإمارات 165 2 541 35 طائرة مسيّرة اخترقت الدفاعات
الكويت 97 — 283 مقتل 6 جنود أمريكيين (2 مارس)
البحرين 45 — 9 استهداف منشأة بحرية
قطر 18 (باليستية وكروز مجتمعة) — — محيط قاعدة العديد الجوية
الأردن 13 — 49 تأكيد عمليات اعتراض متعددة
السعودية تأكيد التعرض لنيران — — لم تُعلن أرقام محددة

وتلقّت الإمارات الحجم الأكبر من النيران: 165 صاروخاً باليستياً، و2 من صواريخ كروز، و541 طائرة مسيّرة. ومع أن شبكة الدفاع الجوي الإماراتية متعددة الطبقات — التي تضم منظومة ثاد وباتريوت ومنظومة تشيونغونغ الثانية (Cheongung II) الكورية الجنوبية التصميم — اعترضت الغالبية العظمى منها، فإن 35 طائرة مسيّرة اخترقت الدفاعات. ويمثّل كل اختراق ضربة محتملة على بنية تحتية مدنية أو منشآت عسكرية أو مرافق طاقة حيوية. ويُعدّ حجم الهجوم بالطائرات المسيّرة وحده — 541 طائرة — غير مسبوق في تاريخ الدفاع الخليجي.

وواجهت الكويت 97 صاروخاً باليستياً و283 طائرة مسيّرة. وفيها وقع أشد الحوادث المنفردة فتكاً في الحرب، في 2 مارس، حين أسفرت ضربة بطائرة مسيّرة عن مقتل ستة جنود أمريكيين، وهم أول قتلى عسكريين أمريكيين منذ بدء الصراع. وأبرز الهجوم على قاعدة تستضيف أفراداً أمريكيين حقيقةً أقرّ بها مخططو البنتاغون في تقييمات سرية لكنهم لم يعالجوها علناً قط: أن القوات الأمريكية المنتشرة في الخليج معرّضة بدورها للأسلحة الإيرانية ذاتها التي تهدد الدول المضيفة لها.

وواجهت قطر 18 صاروخاً باليستياً وصاروخ كروز وُجّهت إلى أهداف في محيط قاعدة العديد الجوية، مركز الأعصاب للعمليات الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط. وتستضيف القاعدة أكثر من 10,000 عسكري أمريكي، وتعمل مقراً متقدماً للمكوّن الجوي في القيادة المركزية الأمريكية. وبموجب ضمانة أمنية أُقرّت بأمر تنفيذي في أكتوبر 2025، تعهدت الولايات المتحدة بضمان أمن قطر، وهو تعهد يخضع الآن للاختبار في الصراع ذاته الذي بادرت إليه واشنطن.

واعترضت البحرين، مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، 45 صاروخاً و9 طائرات مسيّرة. أما الأردن، وإن لم يكن من دول مجلس التعاون، فقد انجرّ إلى منطقة الصراع، وواجه 13 صاروخاً باليستياً و49 طائرة مسيّرة. وأكدت السعودية تعرّضها لنيران، لكنها — خلافاً للشفافية التي أبداها جيرانها — امتنعت عن إعلان أرقام محددة للاعتراض، وهو قرار يفسّره محللون إما باعتبارات أمن العمليات أو بأنه مؤشر على أن دفاعات المملكة تعرّضت لاختبار أشد مما ترغب الرياض في الاعتراف به علناً.

وقُتل ما لا يقل عن ثلاثة عشر شخصاً في دول الخليج جراء الهجمات الإيرانية خلال الأسبوع الأول وحده. وتعرّضت مطارات ومجمّعات دبلوماسية وأحياء مدنية للإصابة أو التهديد. أما الأثر النفسي — صفارات الإنذار، وعمليات إطلاق الصواريخ الاعتراضية المرئية من المناطق السكنية، والإدراك بأن كل صاروخ باليستي قادم يحمل رأساً حربياً قادراً على تدمير مربع سكني كامل — فقد غيّر الحياة اليومية في منطقة عرفت لعقود أمناً داخلياً نسبياً.

ولا بد من وضع حجم النيران الإيرانية في سياقه. فخلال الضربة الانتقامية الإيرانية على إسرائيل في أبريل 2024 — التي كانت آنذاك أكبر هجوم منفرد بالطائرات المسيّرة والصواريخ في التاريخ — أطلقت طهران نحو 300 مقذوف. وفي الأسبوع الأول من الصراع الحالي، أطلقت إيران ما يقارب ستة أضعاف هذا العدد على أهداف خليجية وحدها. ويعكس هذا التصعيد توسّع القدرة الإنتاجية الإيرانية من جهة، وحساباتها الاستراتيجية من جهة أخرى بأن الكثافة الساحقة هي الوسيلة الوحيدة الموثوقة لاختراق شبكات الدفاع الجوي الحديثة. وتمثّل الطائرات المسيّرة الـ35 التي اخترقت الدفاعات الإماراتية معدل نجاح يبلغ نحو 6.5 في المئة، وهو رقم يبدو ضئيلاً إلى أن يدرك المرء أن كل طائرة مخترِقة تحمل رأساً حربياً قادراً على ضرب محطة تحلية أو محطة كهرباء أو مبنى ركاب في مطار.

أزمة الصواريخ الاعتراضية التي لا يناقشها أحد في واشنطن

خلف إحصاءات الاعتراض تكمن أزمة حسابية تهدد بتفكيك البنية الدفاعية الخليجية بأكملها. فبحسب وثائق ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، تتراوح تكلفة الصواريخ الاعتراضية التي تستخدمها منظومتا باتريوت وثاد بين 3 ملايين و12 مليون دولار للصاروخ الواحد. أما الطائرات المسيّرة من سلسلة شاهد، التي تشكّل الجزء الأكبر من الهجوم الجوي الإيراني، فتتراوح تكلفة إنتاجها بين 30,000 و50,000 دولار. ووفق هذه الأرقام، يكلّف كل صاروخ اعتراضي من هذا النوع ما بين 60 و400 ضعف تكلفة الطائرة المسيّرة التي يدمّرها.

وهذا التفاوت في التكلفة ليس جديداً، فقد كتب عنه اقتصاديو الدفاع منذ سنوات. الجديد هو الحجم الذي يُستغل به. فقد أطلقت إيران أكثر من 1,480 طائرة مسيّرة على دول الخليج في سبعة أيام. وحتى مع افتراض أن ليس كل طائرة مسيّرة تتطلب صاروخاً اعتراضياً مخصصاً (إذ يُتعامل مع بعضها بمنظومات الحرب الإلكترونية أو مدافع الدفاع الجوي قصيرة المدى أو الطائرات المقاتلة)، فإن الاستنزاف في مخزونات الصواريخ حاد. فمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى حليف خليجي واحد على الأقل «يتناقص بسرعة»، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى الصحفيين.

وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل يتحدث في المؤتمر الوزاري الدفاعي لمجلس التعاون الخليجي في جدة بالسعودية، ووزراء دفاع دول المجلس يجلسون حول طاولة مستديرة عليها الأعلام الوطنية. الصورة: US Department of Defense / Public Domain
مؤتمر وزاري دفاعي أمريكي خليجي في جدة. بُنيت البنية الرسمية للعلاقة الأمنية الأمريكية الخليجية عبر عقود من مثل هذه الاجتماعات، لكن ضربات 28 فبراير كشفت أن التحالف افتقر إلى العنصر الأهم: الإنذار المسبق. الصورة: US Department of Defense / Public Domain

ويفاقم اختناق الإنتاج المشكلة. إذ تصنّع شركة لوكهيد مارتن صواريخ باتريوت باك-3 الاعتراضية وصواريخ ثاد الاعتراضية على خطوط إنتاج تزوّد أيضاً الجيش الأمريكي وإسرائيل ودولاً حليفة أخرى. وقد ضُبط معدل الإنتاج الحالي على استهلاك وقت السلم والاختبارات الدورية، لا على حملة دفاع جوي متواصلة على جبهات متعددة تستهلك الصواريخ الاعتراضية بمعدلات الحرب. وباتت دول الخليج وإسرائيل والجيش الأمريكي تسحب جميعها من خط الإنتاج المحدود ذاته، ولكل منها أسباب وجيهة لإعطاء الأولوية لمخزونها.

والحساب لا يرحم. فصاروخ ثاد الاعتراضي الواحد يكلّف نحو 12 مليون دولار، وصاروخ باتريوت باك-3 MSE الاعتراضي الواحد يكلّف نحو 5 ملايين دولار، فيما تكلّف الطائرة المسيّرة شاهد-136 ما بين 30,000 و50,000 دولار تقريباً. والدفاع في مواجهة رشقة من 100 طائرة مسيّرة باستخدام صواريخ باتريوت — حتى مع افتراض نسبة اشتباك سخية بواقع صاروخ لكل طائرة — يكلّف 500 مليون دولار. في حين تستطيع إيران إنتاج الطائرات المسيّرة الـ100 ذاتها مقابل 3 ملايين إلى 5 ملايين دولار. وعلى امتداد حملة متواصلة، لا يقتصر هذا التفاوت على ترجيح كفة المهاجم، بل يهدد بإفلاس المدافع.

«على الرغم من عقود من الإنفاق الدفاعي الكثيف، لا تزال دول الخليج مكشوفة بدرجة كبيرة أمام حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة».

علي باكير، محلل دفاعي

ويلخّص تقييم باكير مكمن الضعف البنيوي بعبارات لا يمكن لأي قدر من الإنفاق على المشتريات أن يدحضها. فالانكشاف ليس نتيجة استثمار غير كافٍ — إذ أنفقت دول مجلس التعاون مجتمعةً مئات المليارات من الدولارات على الدفاع الجوي خلال العقدين الماضيين — بل هو نتيجة للاقتصاديات الأساسية للحرب غير المتكافئة الحديثة، التي يمكن فيها للمنظومات الهجومية الرخيصة أن تستنزف المنظومات الدفاعية الباهظة بنسب لا تستطيع أي ميزانية مشتريات تحمّلها إلى ما لا نهاية.

وتمتد التداعيات إلى ما بعد الصراع الحالي. فحتى لو انتهت الحرب غداً، ستحتاج دول الخليج إلى سنوات لتجديد مخزونات الصواريخ الاعتراضية. إذ تبلغ مهلة إنتاج صاروخ باتريوت باك-3 MSE الاعتراضي نحو 30 إلى 36 شهراً من الطلب حتى التسليم، وللصواريخ الاعتراضية لمنظومة ثاد جداول زمنية مماثلة. وكل صاروخ اعتراضي أُطلق هذا الأسبوع لا يمكن تعويضه قبل 2028 أو 2029، ما يترك الدفاعات الجوية الخليجية في حالة تراجع خلال الفترة الفاصلة.

ولم تُبدِ واشنطن علناً سوى قدر ضئيل من الوعي بهذا البعد من الأزمة. فقد تركزت النقاشات في الكونغرس على الضربات نفسها، وعلى البرنامج النووي الإيراني، وعلى الأهداف الجيوسياسية للحملة. أما مسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة فعلاً على مواصلة الدفاع الجوي عن حلفائها الخليجيين — وما إذا كانت القاعدة الصناعية موجودة لتعويض ما يُستهلك — فلم تحظَ بأي اهتمام يُذكر، مع أنها جديرة بأكبر قدر منه. وقد جاء رد أوروبا نفسها على الحرب مع إيران منقسماً بالقدر ذاته، إذ انقسمت القارة إلى خمسة معسكرات متمايزة وعجزت عن سدّ الثغرات التي خلّفها النهج الأمريكي القائم على الصفقات.

ماذا يعني مطلب ترمب بالاستسلام غير المشروط بالنسبة إلى السعودية؟

يمثّل إعلان الرئيس ترمب على منصة تروث سوشيال في 6 مارس — «لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا الاستسلام غير المشروط!» — أوضح تناقض مع المصالح الاستراتيجية السعودية منذ اندلاع الحرب. فالرياض تريد إنهاء الصراع سريعاً عبر تسوية تفاوضية تعيد الاستقرار الإقليمي، بينما يريد ترمب استسلاماً كاملاً من نظام لم يُبدِ أي ميل إلى الاستسلام.

ولا سابقة حديثة لمطلب الاستسلام غير المشروط في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فهو يستحضر الشروط التي فُرضت على ألمانيا واليابان عام 1945، في صراعين تطلّبا سنوات من الحرب الشاملة وملايين الضحايا والتدمير المادي لأرض العدو. وحين يُطبَّق على إيران — وهي دولة يبلغ عدد سكانها 88 مليون نسمة، ذات تضاريس جبلية تجعل أي غزو بري مكلفاً على نحو كارثي، وتملك القدرة على مواصلة حرب غير متكافئة في أنحاء المنطقة لأشهر أو سنوات — فإن المطلب إما خطاب طموح أو التزام بحرب غير محددة المدة. وكلا التفسيرين مقلق لدول الخليج.

ورفض وزير الخارجية الإيراني أي وقف لإطلاق النار، قائلاً: «لم نطلب وقفاً لإطلاق النار حتى في المرة الماضية». وكان التصريح يشير إلى موقف إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980-1988، حين قاتلت طهران ثماني سنوات رغم الخسائر المدمّرة والهجمات بالأسلحة الكيميائية والعزلة الدولية. وكانت الإحالة التاريخية مقصودة: إذ كانت إيران تشير إلى أنها لن تستسلم، بشروط أو من دونها، وأنها مستعدة لحرب طويلة.

وبالنسبة إلى السعودية، فإن الحرب الطويلة هي أسوأ النتائج الممكنة. ففي كل يوم يستمر فيه الصراع، تضرب الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أراضي الخليج، وتتناقص مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وتزداد أسواق النفط تقلباً، ويزداد الشحن عبر مضيق هرمز خطورة، وتواجه أجندة التنويع الاقتصادي التي راهن عليها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشرعيته الداخلية — رؤية 2030 ومشاريعها العملاقة المرتبطة بها — مزيداً من الاضطراب.

وبات التباعد بين أهداف واشنطن الحربية والمصالح الاستراتيجية للرياض خط الصدع المركزي في العلاقة الأمريكية الخليجية. فالسعودية تنتهج مقاربة ذات مسارين: الحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة، والعمل في الوقت نفسه عبر القنوات الدبلوماسية للوصول بالصراع إلى خاتمة تفاوضية. غير أن مطلب ترمب بالاستسلام غير المشروط يجعل المسار الدبلوماسي شبه مستحيل الاستمرار. فلا يستطيع أي وسيط التوصل إلى اتفاق حين يعلن أحد الطرفين أن النتيجة الوحيدة المقبولة هي الاستسلام الكامل للطرف الآخر.

وتعمّق الشرخ أكثر حين أمرت الولايات المتحدة موظفي سفارتها غير الأساسيين بمغادرة السعودية، وهي خطوة وصفها مسؤولون خليجيون في مجالسهم الخاصة بأنها إقرار بأن واشنطن عاجزة عن ضمان سلامة دبلوماسييها على أرض حليفة.

ولم يوضح البيت الأبيض ما يعنيه «الاستسلام غير المشروط» من الناحية العملياتية. هل يتطلب تغيير النظام في طهران؟ أم تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني؟ أم حلّ الحرس الثوري الإيراني؟ أم تخلّي إيران عن قدراتها على التخصيب النووي؟ يتطلب كل هدف من هذه الأهداف مستوى مختلفاً من الالتزام العسكري، وجدولاً زمنياً مختلفاً، وقدرة مختلفة على تحمّل الخسائر الخليجية. وإن عدم تحديد الإدارة لشروطها — أو عدم تشاورها على ما يبدو مع حلفائها الخليجيين بشأن الشروط المقبولة — هو في حد ذاته إدانة لمدى فاعلية التحالف.

صفقة الـ142 مليار دولار التي أخفقت في أول اختبار حقيقي لها

في 13 مايو 2025، أعلن البيت الأبيض ما وصفه بأنه «أكبر صفقة دفاعية في تاريخ الولايات المتحدة»: حزمة بقيمة 142 مليار دولار من صفقات الأسلحة واتفاقيات التعاون الأمني مع السعودية. واحتُفي بالصفقة بوصفها حجر الزاوية في شراكة استراتيجية أمريكية سعودية متجددة. وبعد عشرة أشهر، باتت أغلى وعد لم يتحقق في تاريخ العلاقات الدفاعية الثنائية.

وشملت الصفقة محفظة واسعة من القدرات الدفاعية. فتحديثات المقاتلات F-15SA كانت ستعمل على تحديث العمود الفقري للقوات الجوية الملكية السعودية، وبطاريات ثاد كانت ستوفر طبقة عليا للدفاع الصاروخي في مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية، ومنظومات باتريوت باك-3 كانت ستعزز الدفاع النقطي عن البنية التحتية الحيوية، والطائرات المسيّرة MQ-9B ريبر كانت ستمنح السعودية قدرات متقدمة في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وألفا منظومة من منظومات الأسلحة الدقيقة المتقدمة للإصابة (APKWS) كانت ستحوّل الصواريخ غير الموجّهة إلى ذخائر دقيقة التوجيه. ومثّل المتعاقدون المعنيون — لوكهيد مارتن وآر تي إكس (رايثيون سابقاً) وبوينغ ونورثروب غرومان وبالانتير — الطيف الكامل للقاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.

منظومة باتريوت للدفاع الصاروخي تطلق صاروخاً اعتراضياً خلال تمرين بالذخيرة الحية، ويمتد الدخان والعادم من منصة الإطلاق على خلفية ساحلية. الصورة: US Army / Public Domain
منظومة باتريوت للدفاع الصاروخي تطلق صاروخاً اعتراضياً خلال تمرين بالذخيرة الحية. أنفقت دول الخليج المليارات على منظومات دفاع جوي أمريكية الصنع، لكن الحرب مع إيران كشفت ثغرة جوهرية: فتكلفة الصواريخ الاعتراضية تبلغ عشرات بل مئات أضعاف تكلفة الطائرات المسيّرة المصممة لتدميرها. الصورة: US Army / Public Domain

والفجوة بين وعود الصفقة وواقع الحرب صارخة. فحين شنّت إيران ضرباتها الانتقامية في 28 فبراير والأيام التي تلته، اعتمدت السعودية أساساً على منظوماتها الدفاعية القائمة — بطاريات باتريوت والطائرات الموجودة أصلاً في ترسانتها، مدعومة بما اكتسبته ودمجته بشكل مستقل من قدرات دفاعية متعددة الطبقات. ولم تكن بطاريات ثاد الجديدة الموعودة بموجب صفقة مايو 2025 قد سُلّمت بعد، وكانت تحديثات F-15SA لا تزال قيد التنفيذ، ولم تكن الطائرات المسيّرة MQ-9B قد دخلت الخدمة الفعلية في السعودية.

وهذه هي المشكلة البنيوية في صفقات دفاعية تُقاس بالعقود وحروب تُقاس بالأيام. فقد صُممت حزمة الـ142 مليار دولار برنامجاً لتطوير القدرات على مدى عشر سنوات، وافترضت أن البيئة الأمنية ستبقى مستقرة بما يكفي للتسليم والدمج والاختبار والتشغيل التدريجي لكل منظومة. وقد قضت الحرب مع إيران على هذا الافتراض في غضون ساعات من ضربتها الأولى.

ولم تكن للسعودية قط اتفاقية رسمية للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة حتى صفقة 2025. وهذا الغياب التاريخي لافت للنظر. فالمملكة هي أهم شريك عربي لأمريكا منذ لقاء عام 1945 بين فرانكلين روزفلت والملك عبدالعزيز على متن الطراد يو إس إس كوينسي. وكانت منطلقاً لعملية عاصفة الصحراء، وتستضيف أفراداً عسكريين أمريكيين، واشترت أسلحة أمريكية بمئات المليارات من الدولارات. ومع ذلك، كانت البنية القانونية الرسمية للعلاقة شبه معدومة.

ففي حرب الخليج 1990-91، قامت العلاقة الدفاعية الأمريكية السعودية على ما وصفه الأمير تركي الفيصل لاحقاً بأنه «رسالة من فقرة واحدة في ثلاث جمل»، تضمنت التزاماً من الولايات المتحدة بسحب قواتها من الأراضي السعودية متى طُلب منها ذلك. وكان ذلك هو كامل الالتزام الرسمي. وكان يُفترض أن تحلّ صفقة الـ142 مليار دولار في مايو 2025 محلّ هذا الترتيب غير الرسمي بشيء دائم. لكن الحرب جاءت قبل أن يجفّ الحبر، فوجدت السعودية نفسها تتصدى للصواريخ الإيرانية بالترتيبات الظرفية ذاتها التي ميّزت العلاقة لعقود.

وفي الأثناء، يواجه المتعاقدون الدفاعيون لحظة حسابهم الخاصة. فخطوط إنتاج لوكهيد مارتن لصواريخ ثاد وباك-3 الاعتراضية تعمل بكامل طاقتها. وقد أقرّت آر تي إكس (الشركة الأم لرايثيون، التي تصنّع منظومات باتريوت) بأن توسيع الإنتاج سيتطلب سنوات ومليارات من الاستثمارات الرأسمالية. وقد أوجدت الحرب طلباً على الصواريخ الاعتراضية يعجز القطاع الصناعي عن تلبيته، وهي مشكلة لا يستطيع أي عدد من العقود الموقّعة حلّها على المدى القريب.

كيف توازن السعودية بين واشنطن وطهران؟

تنتهج السعودية استراتيجية مزدوجة بالغة التعقيد: الحفاظ على اصطفافها العلني مع الولايات المتحدة، وتشغيل قنوات دبلوماسية خلفية مع إيران في الوقت نفسه بهدف إنهاء الحرب عبر التفاوض. وقد نقل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان شخصياً رسائل إلى قادة البحرين والكويت وقطر والإمارات يحثّهم فيها على تجنّب أي خطوات تصعيدية قد تعمّق انخراط الخليج في الصراع.

ويعكس هذا التوازن الموقع الجغرافي والاستراتيجي الفريد للسعودية. فالمملكة لا تتشارك حدوداً برية مع إيران، لكنها تتشارك معها ممراً مائياً — الخليج العربي — ومجالاً جوياً تستطيع الصواريخ الإيرانية عبوره في دقائق. وهي أهم حليف عربي لأمريكا، لكنها أيضاً أهم محاور عربي لإيران، بعد أن استعادت العلاقات الدبلوماسية معها عبر الاتفاق الذي توسطت فيه بكين عام 2023. وهي تحتاج إلى الأسلحة الأمريكية للدفاع عن نفسها، لكنها تحتاج إلى ضبط النفس الإيراني كي تنجو.

وجاءت رسالة الأمير محمد بن سلمان إلى قادة الخليج محسوبة بعناية. فهي لم تدعُ إلى القطيعة مع الولايات المتحدة، ولم تدعُ إلى مهادنة إيران، بل دعت إلى تجنّب التصعيد، وهي صيغة انطوت ضمناً على انتقاد للنهج الأمريكي الأقصى من دون تحدّيه صراحةً. وأقرّت الرسالة بحقيقة لا يستطيع أي زعيم خليجي التصريح بها علناً لكن الجميع يدركونها في قرارة أنفسهم: أن دول مجلس التعاون عالقة بين حليف بدأ حرباً من دون التشاور معها، وخصم يعاقبها على قرارات ذلك الحليف.

وقد تكثّفت القناة الدبلوماسية السعودية الخلفية مع إيران منذ 28 فبراير. وحملت هذه القناة — التي أُنشئت خلال عملية التطبيع عام 2023 واستمرت عبر وسطاء عُمانيين وعراقيين — رسائل تهدف إلى رسم حدود للصراع. وظلت الرسالة الجوهرية للسعودية إلى طهران ثابتة: المملكة لم تشارك في الضربات، ولا تسعى إلى الحرب مع إيران، وتعمل على تهيئة الظروف لوقف إطلاق النار.

وجاء رد إيران على المبادرة السعودية ملتبساً. فلم تستهدف طهران تحديداً البنية التحتية النفطية السعودية، وهو ضبط للنفس يفسّره بعض المحللين على أنه إشارة إلى أن إيران تميّز بين دول الخليج التي تستضيف أصولاً أمريكية هجومية وتلك التي تحافظ على قنوات دبلوماسية. لكن السعودية أكدت تعرّض أراضيها لنيران، ويشير رفض المملكة إعلان بيانات محددة عن عمليات الاعتراض إلى أن حجم الهجمات ربما يكون أكبر مما يقرّ به الموقف العلني للرياض.

ويتجلى التوتر بين التزامات السعودية تجاه التحالف وغريزة البقاء لديها في الوقت الفعلي. إذ تضع الرياض نفسها في موقع الوسيط المحتمل، وهو دور يتطلب مسافة من الطرفين المتحاربين. لكن المملكة أيضاً هدف للهجمات الإيرانية، ما يجعل الحياد مستحيلاً. وهي زبون للأسلحة الأمريكية، ما يجعل الاستقلال عن واشنطن طموحاً لا واقعاً. ولا يمكن مواصلة هذا التوازن إلى ما لا نهاية. ففي لحظة ما، سيتعيّن على السعودية الاختيار بين تعميق اصطفافها مع أهداف واشنطن الحربية والقطيعة معها سعياً إلى تسوية تفاوضية. وقد جعل الأسبوع الأول من الحرب هذا الخيار أكثر إلحاحاً — وأبعد أثراً — مما توقّعه أي أحد في الرياض.

مصفوفة الثقة في التحالف

يمكن تقييم حالة التحالف الأمريكي الخليجي عبر ستة أبعاد حاسمة، يُقاس كل منها بمستواه قبل الحرب، وأدائه خلال الأسبوع الأول من الصراع، وأثره على الثقة المتبادلة. وتوفّر مصفوفة الثقة في التحالف إطاراً منظماً لتقييم موقع العلاقة حتى 7 مارس 2026، وأين تكمن أخطر التصدعات.

ويُمنح كل بُعد درجة على مقياس من 1 إلى 5، حيث تمثّل الدرجة 5 الاصطفاف الكامل والثقة المتبادلة، وتمثّل الدرجة 1 انهياراً شبه كامل. وتعكس الدرجات تقييمات مسؤولين خليجيين ومحللين دفاعيين ودبلوماسيين إقليميين كما وردت في تصريحات علنية وتقارير منسوبة إلى أصحابها خلال الأسبوع الأول من الحرب.

مصفوفة الثقة في التحالف: الشراكة الأمنية الأمريكية الخليجية (حتى 7 مارس 2026)
البُعد الوضع قبل الحرب (1-5) الأداء خلال الحرب (1-5) الأثر على الثقة (1-5) التقييم
تبادل المعلومات الاستخباراتية 4 1 1 إخفاق تام — لم يُبلَّغ الحلفاء بضربات 28 فبراير
الالتزام الدفاعي 4 2 2 الأصول الأمريكية حاضرة لكن دول الخليج تحمّلت العبء الدفاعي
الاصطفاف الاستراتيجي 3 1 1 مطلب الاستسلام غير المشروط مقابل رغبة الخليج في التفاوض
التنسيق الدبلوماسي 3 1 1 لا تشاور قبل الضربات؛ وتباعد بعدها بشأن أهداف الحرب
موثوقية إمدادات الأسلحة 4 2 2 صفقة الـ142 مليار دولار وُقّعت لكن عمليات التسليم لم تكتمل؛ ومخزونات الصواريخ الاعتراضية تتناقص
رؤية ما بعد الحرب 3 1 1 لا إطار مشتركاً للنظام الإقليمي بعد الصراع

وتكشف المصفوفة نمطاً من التدهور الكارثي في كل الأبعاد. فتبادل المعلومات الاستخباراتية، الذي كان يعمل على مستوى فعّال قبل الحرب (الدرجة: 4)، انهار كلياً حين كانت الحاجة إليه في ذروتها (الدرجة: 1). ولم يكن الإخفاق في إبلاغ الحلفاء الخليجيين بضربات 28 فبراير هفوة إجرائية، بل كان قراراً باستبعاد شركاء المعاهدات من أخطر حدث لتبادل المعلومات الاستخباراتية في العقد. والأثر على الثقة حاد بالقدر نفسه: إذ ستتساءل أجهزة الاستخبارات الخليجية من الآن فصاعداً عمّا إذا كانت أي معلومات استخباراتية تتقاسمها واشنطن يمكن اعتبارها كاملة أو موثوقة.

ويُظهر الالتزام الدفاعي تراجعاً أقل حدة لكنه يظل ملموساً. فللولايات المتحدة أصول عسكرية كبيرة في المنطقة، إذ كان الحشد منذ يناير 2026 الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. لكن خلال الأسبوع الأول من الرد الإيراني، اعتمدت دول الخليج أساساً على منظومات دفاعها الجوي الخاصة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة. وأسهمت بطاريات باتريوت وثاد التي تشغّلها الولايات المتحدة في الدفاع، لكن العبء الأكبر وقع على قوات الدفاع الجوي الوطنية. وتعكس الدرجة 2 حضوراً كان ضرورياً لكنه غير كافٍ.

وهبط الاصطفاف الاستراتيجي بدوره إلى أدنى درجات المقياس. فقبل الضربات، تشاركت الولايات المتحدة ودول الخليج قلقاً عاماً من الطموحات النووية الإيرانية ومن زعزعة الاستقرار الإقليمي، ما أكسب هذا البُعد الدرجة 3، التي تعكس توافقاً على الأهداف وإن لم يكن دائماً على الأساليب. وقد حطّم مطلب ترمب بالاستسلام غير المشروط ما تبقى من هذا التوافق. فدول الخليج تريد أن تنتهي الحرب، وواشنطن، كما عبّر عنها الرئيس، تريد استسلام إيران الكامل. وهذان الهدفان ليسا مختلفين فحسب، بل متعارضان.

وتراجعت موثوقية إمدادات الأسلحة، التي نالت الدرجة 4 قبل الحرب، إلى الدرجة 2 مع اتضاح واقع استنزاف الصواريخ الاعتراضية وقيود الإنتاج. وكان يُفترض أن تكون صفقة الـ142 مليار دولار التعبير الأسمى عن موثوقية الإمدادات، لكنها كشفت بدلاً من ذلك الفجوة بين الوعود التعاقدية والتسليم الفعلي. فالمنظومات التي طُلبت ولم تُسلَّم بعد لم تستطع الإسهام في الدفاع، والصواريخ الاعتراضية التي سُلّمت كانت تُستهلك بأسرع مما يمكن تعويضها.

أما بُعد رؤية ما بعد الحرب، الضعيف أصلاً عند الدرجة 3، فقد انهار إلى الدرجة 1. فلم تطرح الولايات المتحدة ودول الخليج أي إطار مشترك لما ينبغي أن تكون عليه المنطقة بعد انتهاء الصراع. وموقف واشنطن — الاستسلام غير المشروط — يعني ضمناً تغيير النظام في إيران أو ما يقاربه، وهي نتيجة تعتبرها دول الخليج قد تكون أشد زعزعة للاستقرار من الحكومة الحالية. أما الرياض فتتصور تسوية تفاوضية تحفظ السيادة الإيرانية مع تقييد برامجها التسليحية. ولا يكاد يجمع بين الرؤيتين شيء.

لماذا لم يعد النموذج الأمني لعام 1991 صالحاً

قام النموذج الأمني الأمريكي الخليجي الذي انبثق من حرب الخليج عام 1991 على معادلة بسيطة: تحمي الولايات المتحدة دول الخليج من العدوان الخارجي، وتوفّر دول الخليج في المقابل حق استخدام القواعد واستقرار أسواق الطاقة والاصطفاف الاستراتيجي. وعلى مدى ثلاثة عقود، صمد النموذج لأنه لم يخضع قط لاختبار جدي. وقد اختبرته الحرب مع إيران، فأخفق.

ففي عام 1991، عملت العلاقة الأمنية بوصفها شراكة حقيقية. فحين غزا العراق الكويت في 2 أغسطس 1990، تشاورت الولايات المتحدة على نطاق واسع مع حلفائها الخليجيين قبل الالتزام بعمل عسكري. واتخذ الملك فهد ملك السعودية القرار السيادي بدعوة القوات الأمريكية إلى الأراضي السعودية، وهو قرار كانت له تبعات سياسية ودينية داخلية عميقة. وضمّ التحالف الذي تشكّل قوات من السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعُمان ومصر وسوريا وعشرات الدول الأخرى. وقد خيضت الحرب بتحالف، وخُطط لها بتحالف، واختُتمت بتحالف.

والتباين مع عام 2026 كامل. فقد خططت الولايات المتحدة وإسرائيل لضربات 28 فبراير، ولم تُستشر دول الخليج ولم تُحذَّر ولم تُشرك في صنع القرار العملياتي. وحين ردّت إيران، تلقّت دول الخليج الضربات. وانتقل النموذج الأمني من الشراكة إلى ما يشبه الأضرار الجانبية؛ فلم تكن دول الخليج حليفة في العملية بل ضحايا لها.

طراد صواريخ موجّهة ومدمّرة تابعان للبحرية الأمريكية يعبران مضيق هرمز أثناء دخولهما الخليج العربي، في استعراض لقدرة الولايات المتحدة على إسقاط القوة البحرية في المنطقة. الصورة: US Navy / Public Domain
سفن حربية تابعة للبحرية الأمريكية تعبر مضيق هرمز. لطالما شكّلت القوة البحرية الأمريكية في الخليج ركيزة أمن كل دولة من دول مجلس التعاون، لكن الحرب مع إيران كشفت أن الوجود البحري وحده لا يستطيع حماية الحلفاء من وابل الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها الحرب الحديثة عبر الحدود. الصورة: US Navy / Public Domain

وتفسّر عدة تحولات بنيوية سبب تعذّر تكرار نموذج 1991. أولاً، تغيّرت طبيعة التهديد. ففي عام 1991، كان التهديد غزواً عسكرياً تقليدياً — دبابات عراقية تعبر الحدود — وكان الرد تقليدياً بالقدر نفسه: قوة تحالف مدرعة طردت الغازي. أما في عام 2026، فالتهديد وابل غير متكافئ من الصواريخ والطائرات المسيّرة يُطلق من على بعد مئات الكيلومترات. ولا تستطيع أي قوة برية تابعة للتحالف اعتراض طائرة شاهد مسيّرة، ولا يستطيع أي بيان دبلوماسي إيقاف صاروخ باليستي في الجو. ويتطلب التهديد نوعاً مختلفاً من الدفاع، يُقاس بمخزونات الصواريخ الاعتراضية والتغطية الرادارية، لا بالفرق والألوية.

ثانياً، تغيّر السياق السياسي. ففي عام 1991، كان للولايات المتحدة هدف واضح يحظى بتأييد عالمي: تحرير الكويت، وهو هدف تشاركته كل دولة خليجية. أما في عام 2026، فالأهداف موضع خلاف. فقد ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران لإضعاف برنامجها النووي وقدراتها العسكرية، ولم تتشارك دول الخليج تلك الأولويات — أو على الأقل لم تتشاركها بالقدر الذي يبرر خطر رد إيراني واسع على أراضيها. فلم يكن سبب الحرب سببها، ولم تكن الحرب حربها، لكن العواقب كانت عواقبها.

ثالثاً، تحوّل ميزان القوى. ففي عام 1991، كانت إيران منهكة بعد ثماني سنوات من الحرب مع العراق، ولم تكن تشكّل تهديداً يُذكر لدول الخليج. كان العراق هو الخصم، وقد هُزم. أما في عام 2026، فتمتلك إيران ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة قادرة على ضرب كل عاصمة خليجية في آن واحد. وتمتد شبكات وكلائها عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن. وتفوق قدرتها على التصعيد غير المتكافئ — عبر الهجمات على الملاحة والبنية التحتية للطاقة والأهداف المدنية — أي شيء كان قائماً في البيئة الأمنية لعام 1991. فدول الخليج تواجه خصماً لم يُصمَّم نموذج 1991 الأمني قط لمواجهته.

رابعاً، تغيّر الالتزام الأمريكي نفسه. ففي عام 1991، نشرت الولايات المتحدة أكثر من 500,000 جندي في الخليج. أما في عام 2026، فقد جلب الحشد العسكري الأمريكي — الأكبر منذ 2003 — أعداداً كبيرة لكنها أقل. والأهم أن الالتزام السياسي مختلف. فقد بنت إدارة بوش عام 1991 توافقاً داخلياً ودولياً على حرب الخليج على مدى ستة أشهر، بينما شنّت إدارة ترمب عام 2026 ضرباتها بحدّ أدنى من التشاور مع الكونغرس ومن دون بناء أي تحالف. ويعكس الاختلاف في الإجراءات اختلافاً في الأولويات: ففي عام 1991، كان الخليج هو الهدف؛ وفي عام 2026، الخليج هو منطقة الانطلاق.

ويؤكد انكشاف التجارة البحرية في الخليج تقادم النموذج أكثر. ففي عام 1991، كان بوسع البحرية الأمريكية تأمين مضيق هرمز في مواجهة التهديدات العراقية بسهولة نسبية. أما في عام 2026، فإن قدرات إيران في مجال الصواريخ المضادة للسفن، وقدرتها على زرع الألغام، وزوارقها الهجومية السريعة، تشكّل تهديداً متعدد الأبعاد للملاحة التجارية لا تستطيع القوات البحرية وحدها تحييده. والبُعد الاقتصادي لأمن الخليج — أي العبور الآمن لناقلات النفط — بات اليوم معرّضاً للخطر بطرق لم يتوقعها نموذج 1991 قط.

ما الذي ينتظر التحالف الأمريكي الخليجي بعد الحرب؟

لن يشبه التحالف الأمريكي الخليجي بعد الحرب نسخته السابقة إلا قليلاً. والسؤال ليس ما إذا كانت العلاقة ستتغير، بل ما إذا كانت التغييرات ستُدار أم ستكون فوضوية، تدريجية أم جذرية. وتلخّص ثلاثة سيناريوهات نطاق النتائج المحتملة، ولكل منها تبعات مختلفة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة وميزان القوى العالمي.

السيناريو الأول هو التنويع. فقد بدأت دول الخليج بالفعل استكشاف علاقات أمنية مع شركاء غير الولايات المتحدة. فلدى فرنسا اتفاقيات تعاون دفاعي مع الإمارات وقطر، وتحتفظ المملكة المتحدة بمنشأة بحرية في البحرين ووسّعت روابطها العسكرية مع عُمان. أما الصين، التي رعت التطبيع السعودي الإيراني عام 2023، فقد أبدت اهتماماً بدور أمني أكبر في الخليج، وهو اهتمام تعاملت معه واشنطن تاريخياً كخط أحمر، لكن الحرب قد تحوّله إلى واقع يتعيّن على الولايات المتحدة القبول به.

والتنويع لا يعني الاستبدال. فلا تستطيع أي دولة منفردة أن تحلّ محلّ الولايات المتحدة ضامناً للأمن: فالصين تفتقر إلى القدرة على إسقاط القوة، وفرنسا والمملكة المتحدة تفتقران إلى الحجم، وروسيا تفتقر إلى المصداقية. لكن بنية أمنية خليجية تعتمد على شركاء متعددين بدلاً من راعٍ واحد ستقلّص الانكشاف الذي كشفه الأسبوع الأول من الحرب. فإذا كانت الولايات المتحدة قادرة على شنّ حرب من دون التشاور مع حلفائها الخليجيين، فإن الرد العقلاني لهؤلاء الحلفاء هو ضمان وجود بدائل لديهم.

السيناريو الثاني هو إضفاء الطابع الرسمي. فقد تطالب دول الخليج باستبدال العلاقة الأمنية غير الرسمية القائمة على الصفقات مع الولايات المتحدة بمعاهدات دفاع مشترك رسمية ذات التزامات ملزمة. وسيكون النموذج المادة 5 من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تُلزم جميع الأعضاء باعتبار الهجوم على أحدهم هجوماً على الجميع. وبات افتقار السعودية إلى اتفاقية دفاعية رسمية قبل 2025 — «الرسالة المؤلفة من فقرة واحدة في ثلاث جمل» التي حكمت العلاقة خلال حرب الخليج — يُنظر إليه اليوم بوصفه ثغرة كارثية. فمعاهدة رسمية كانت ستُلزم الولايات المتحدة بالتشاور مع السعودية قبل شنّ ضربات يمكن التنبؤ بأنها ستفضي إلى هجمات على الأراضي السعودية.

والعقبات أمام إضفاء الطابع الرسمي كبيرة. فمجلس الشيوخ الأمريكي يجب أن يصادق على المعاهدات، وتأمين تأييد ثلثي أعضائه لالتزام دفاع مشترك تجاه ملكيات خليجية سيواجه رياحاً سياسية معاكسة. وقد تقاوم دول الخليج نفسها القيود التي ستفرضها معاهدة رسمية على حريتها الدبلوماسية، بما في ذلك قدرتها على الإبقاء على قنوات خلفية مع إيران. لكن الحرب أوضحت تكاليف غياب الطابع الرسمي، وسيكون الضغط من أجل ترتيب أكثر إلزاماً شديداً.

السيناريو الثالث هو التفتت. فقد يتصدع التحالف على خطوط ثنائية، فتتفاوض كل دولة خليجية على شروطها الخاصة مع واشنطن بناءً على تقييمها الفردي للتهديد وترتيبات القواعد ومشترياتها من الأسلحة. وهذا، من نواحٍ عديدة، هو الوضع القائم قبل الحرب، لكن مع تسارعه بفعل انعدام الثقة المتبادل. وفي سيناريو التفتت، قد تسعى السعودية إلى الاستقلالية الاستراتيجية مع الإبقاء على مشترياتها من الأسلحة، وقد تعمّق الإمارات اتفاقيتها الثنائية للتعاون الدفاعي، وقد تسعى قطر إلى إضفاء الطابع الرسمي على الضمانة الأمنية الأمريكية التي أُقرّت بأمر تنفيذي، وقد تتساءل الكويت عن جدوى اتفاقية دفاعية لم تحُل دون مقتل ستة جنود أمريكيين على أرضها.

ولا يمكن فصل البُعد الاقتصادي لحسابات ما بعد الحرب عن البُعد الأمني. فدول الخليج هي أكبر حائز لصناديق الثروة السيادية في العالم. إذ يدير صندوق الاستثمارات العامة السعودي وحده أصولاً تزيد على 900 مليار دولار، ويحوز جهاز أبوظبي للاستثمار الإماراتي وجهاز قطر للاستثمار مبالغ مماثلة. وتمنح هذه الصناديق دول الخليج نفوذاً مالياً لا يملكه سوى قلة من حلفاء أمريكا: القدرة على تمويل تنويع مصادر دفاعها، والاستثمار في شراكات بديلة، وتقليص الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة بطرق تعزّز الاستقلالية الاستراتيجية. وإذا سرّعت الحرب الاتجاه نحو الاستقلال المالي الخليجي عن الأسواق المقوّمة بالدولار، فإن العواقب على العلاقة الأمريكية الخليجية ستمتد إلى ما هو أبعد بكثير من المجال العسكري.

وأياً كان السيناريو الذي سيسود، فإن التحول البنيوي جارٍ بالفعل. فقد وصف محللون في المجلس الأطلسي الخليج الناشئ بأنه بيئة استراتيجية «مختلفة جداً» عن تلك التي كانت قائمة قبل 28 فبراير، بيئة لم تعد فيها الهيمنة الأمريكية أمراً مسلّماً به، وتكون فيها دول الخليج حليفة وفاعلة مستقلة في آن واحد، ويتعيّن فيها على البنية الأمنية أن تأخذ في الحسبان تهديدات لم يُصمَّم النموذج القديم قط للتعامل معها.

الرأي المخالف: حجة لتحالف أقوى

قد لا تعبّر الرواية السائدة عن انهيار التحالف، رغم استنادها إلى أحداث الأسبوع الأول، عن المسار الكامل للعلاقة الأمريكية الخليجية. فثمة حجة ذات مصداقية ومبنية على الأدلة بأن هذه الأزمة قد تفضي، على نحو مفارق، إلى تحالف أقوى: تحالف ذي التزامات رسمية وواجبات أوضح وتواصل استراتيجي أكثر صراحة من الترتيب غير الرسمي الذي سيحلّ محله.

والسابقة التاريخية هي حلف الناتو. فقد تأسست منظمة حلف شمال الأطلسي عام 1949، لكن أزمات الحرب الباردة — حصار برلين والحرب الكورية وأزمة السويس وأزمة الصواريخ الكوبية — هي التي حوّلته من تحالف على الورق إلى منظمة عسكرية فاعلة. فقد كشفت كل أزمة مواطن ضعف، وولّدت اتهامات متبادلة، وفرضت إصلاحات مؤسسية جعلت الحلف أكثر قدرة من ذي قبل. ويمكن القول إن أزمة السويس عام 1956، التي عارضت فيها الولايات المتحدة حليفتيها فرنسا وبريطانيا، ألحقت بالثقة داخل الحلف ضرراً أكبر من أي شيء حدث في الخليج. ومع ذلك، لم يكتفِ الناتو بالنجاة من أزمة السويس، بل خرج منها بهيكل قيادة أوضح، وعملية تخطيط عسكري أكثر تكاملاً، وتقييم أكثر واقعية للقيادة الأمريكية.

ويمكن أن تؤدي الحرب مع إيران وظيفة تحفيزية مماثلة بالنسبة إلى العلاقة الأمريكية الخليجية. فقد ولّد الإخفاق في تبادل المعلومات الاستخباراتية في 28 فبراير ضغطاً لا يُقاوم لإنشاء آليات تشاور رسمية، تعادل مجلس شمال الأطلسي في الناتو حيث يكون لجميع الأعضاء صوت في القرارات التي تمسّ الأمن الجماعي. وولّدت أزمة الصواريخ الاعتراضية ضغطاً لإقامة ترتيبات مشتركة للشراء والتخزين. وولّد التباعد الاستراتيجي بشأن أهداف الحرب ضغطاً للتنسيق على المستوى السياسي في قضايا كانت تُترك سابقاً للمحادثات الثنائية.

ولدى دول الخليج دوافع قوية للسعي إلى الإصلاح داخل التحالف بدلاً من الخروج منه. فالولايات المتحدة تظل الدولة الوحيدة القادرة على توفير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتطورة التي أثبتت الحرب أنها لا غنى عنها. فمنظومتا ثاد وباتريوت وما يخلفهما لا مثيل لها في الترسانات الصينية أو الروسية أو الأوروبية، على الأقل ليس بالحجم ومستوى التكامل اللذين يتطلبهما الدفاع الخليجي. ومئات المليارات من الدولارات التي استثمرتها السعودية في قواتها المسلحة خلال العقد الماضي مستثمرة بأغلبيتها الساحقة في منصات أمريكية المنشأ. وتغيير المورّدين ليس مسألة توقيع عقد جديد، بل سيتطلب إعادة بناء بنى دفاعية كاملة من الأساس، وهي عملية تُقاس بالعقود وبمئات المليارات من الدولارات.

أما الولايات المتحدة، من جهتها، فلديها دوافع قوية لإصلاح العلاقة. فحق استخدام القواعد في الخليج ضروري لإسقاط القوة الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وخسارة العديد أو عريفجان أو مقر الأسطول الخامس في البحرين ستمثّل كارثة استراتيجية لا يمكن لأي قدر من القدرات العاملة من وراء الأفق تعويضها. ويظل إنتاج الطاقة الخليجي حيوياً للأسواق العالمية، وبالتالي للاقتصاد الأمريكي. كما أن دول الخليج من أكبر زبائن المنتجات الدفاعية الأمريكية، وهي علاقة تجارية تدعم مئات الآلاف من الوظائف وتُبقي القاعدة الصناعية الدفاعية قائمة.

وتستند أقوى صيغة للرأي المخالف إلى الاعتماد المتبادل. فلا يستطيع أي من الطرفين الانسحاب. إذ لا تستطيع الولايات المتحدة إسقاط القوة في الشرق الأوسط من دون القواعد الخليجية، ولا تستطيع دول الخليج الدفاع عن نفسها في مواجهة إيران من دون الأسلحة الأمريكية، وعلى نحو متزايد، من دون الدعم العملياتي الأمريكي. والأزمة الحالية حادة، لكنها أزمة داخل علاقة يحتاجها الطرفان، وتشير السوابق التاريخية إلى أنها قابلة للإصلاح لا للتخلي عنها.

والحجة المضادة هي أن أزمات الناتو وقعت ضمن إطار من القيم الديمقراطية المشتركة والثقافة المؤسسية والقرب الجغرافي، وهو ما تفتقر إليه العلاقة الأمريكية الخليجية. فللتشبيه حدوده. لكن الفكرة الجوهرية — أن الأزمات قد تفرض النضج المؤسسي — تنطبق بصرف النظر عن الأنظمة السياسية المعنية. والسؤال هو ما إذا كانت الإرادة السياسية متوافرة لدى الطرفين لتحويل الغضب إلى بنية. وستحدد الإجابة ما إذا كان التحالف الأمريكي الخليجي في 2030 أقوى أم أضعف من ذاك الذي تصدّع خلال سبعة أيام في مارس 2026.

الأسئلة الشائعة

هل أُبلغت دول الخليج قبل الضربات الأمريكية على إيران في 28 فبراير؟

لا. فقد أكد مسؤولون من دولتين خليجيتين على الأقل لوكالة أسوشيتد برس وشبكة بي بي إس أنهم لم يتلقوا إنذاراً مسبقاً بالضربات. وكانت دول الخليج قد حذّرت الولايات المتحدة في وقت سابق من أن ضرب إيران سيستدعي رداً واسعاً على أراضي مجلس التعاون، لكن تلك التحذيرات أُهملت في عملية التخطيط العملياتي الأمريكي الإسرائيلي.

كم عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران على دول الخليج منذ بدء الحرب؟

وفقاً لإحصاءات جمعتها وكالة أسوشيتد برس من البيانات الحكومية الرسمية، أطلقت إيران ما لا يقل عن 380 صاروخاً وأكثر من 1,480 طائرة مسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي منذ 28 فبراير 2026. وواجهت الإمارات الحجم الأكبر، بواقع 165 صاروخاً باليستياً و2 من صواريخ كروز و541 طائرة مسيّرة، اخترقت 35 منها منظومات الدفاع الجوي.

لماذا تتناقص الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي الخليجي؟

يستنزف التفاوت في التكلفة بين الأسلحة الهجومية الإيرانية والصواريخ الاعتراضية الدفاعية الخليجية المخزونات بمعدلات لا يمكن تحمّلها. فبحسب وثائق ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، تتراوح تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد بين 3 ملايين و12 مليون دولار، في حين تتراوح تكلفة الطائرات المسيّرة الإيرانية من سلسلة شاهد بين 30,000 و50,000 دولار. وتبلغ مهلة إنتاج الصواريخ الاعتراضية البديلة 30 إلى 36 شهراً، ما يعني تعذّر تجديد المخزونات خلال الصراع الحالي.

ما هي صفقة الدفاع الأمريكية السعودية بقيمة 142 مليار دولار؟

أعلنها البيت الأبيض في 13 مايو 2025، وتوصف بأنها أكبر اتفاقية دفاعية في تاريخ الولايات المتحدة. وتشمل تحديثات المقاتلات F-15SA، ومنظومات ثاد للدفاع الصاروخي، والصواريخ الاعتراضية باتريوت باك-3، والطائرات المسيّرة MQ-9B ريبر، و2,000 من منظومات الأسلحة الدقيقة المتقدمة للإصابة (APKWS). ومن بين المتعاقدين المعنيين لوكهيد مارتن وآر تي إكس وبوينغ ونورثروب غرومان وبالانتير.

ماذا يعني مطلب ترمب بـ«الاستسلام غير المشروط» بالنسبة إلى الحرب؟

أعلن الرئيس ترمب على منصة تروث سوشيال في 6 مارس أنه «لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا الاستسلام غير المشروط». ورفض وزير الخارجية الإيراني أي وقف لإطلاق النار قائلاً: «لم نطلب وقفاً لإطلاق النار حتى في المرة الماضية». ويتناقض هذا المطلب مباشرةً مع مسعى السعودية إلى إنهاء الصراع سريعاً عبر التفاوض، وينذر بحرب قد تطول.

هل كانت لدى السعودية اتفاقية دفاعية رسمية مع الولايات المتحدة قبل 2025؟

لا. فرغم عقود من التعاون العسكري الوثيق ومئات المليارات من الدولارات من مشتريات الأسلحة، لم تكن لدى السعودية اتفاقية رسمية للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة حتى صفقة مايو 2025. وخلال حرب الخليج 1990-91، قام الالتزام الأمريكي تجاه السعودية بأكمله على ما وصفه الأمير تركي الفيصل بأنه «رسالة من فقرة واحدة في ثلاث جمل».

كيف تتعامل السعودية مع الأزمة دبلوماسياً؟

انتهج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان استراتيجية مزدوجة: الحفاظ على التحالف العلني مع الولايات المتحدة، مع تكثيف القنوات الدبلوماسية الخلفية مع إيران بهدف إنهاء الصراع عبر التفاوض. وقد نقل رسائل إلى قادة البحرين والكويت وقطر والإمارات يحثّهم فيها على ضبط النفس وتجنّب التصعيد إلى ما يتجاوز النطاق الحالي للأعمال العدائية.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English