الجغرافيا السياسية
الصدع الخليجي: من داخل الشقاق السعودي الإماراتي الذي قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط

على مدى عقود، كانت الشراكة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الركيزة الحاملة لاستقرار الخليج: ملكيتان ثريتان طموحتان تسيران بخطى متطابقة في السياسة النفطية والأمن الإقليمي والتحديث الاقتصادي. لقد انتهت تلك الحقبة. وما برز مكانها هو أخطر تصدّع في السياسة الخليجية منذ حصار قطر عام 2017، وهذه المرة لا يلوح في الأفق حلّ سهل.
وبلغ التصعيد عتبة جديدة في 21 فبراير، حين بعث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رسالة مفصّلة بالمآخذ إلى الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي ذي النفوذ الواسع. وأفادت تقارير بأن الرسالة عُرضت على مسؤولين أمريكيين وغربيين، وقد عرضت موقف الرياض بعبارات صريحة: أنشطة الإمارات في اليمن والسودان تجاوزت خطاً أحمر، ولن تتسامح المملكة العربية السعودية معها بعد الآن.
هذا ليس خلافاً دبلوماسياً عابراً، بل إعادة اصطفاف بنيوية ستعيد تشكيل الخليج خلال العقد المقبل.
الشرارة: المكلا وسفينة الأسلحة
جاء الدافع المباشر دراماتيكياً. ففي 30 ديسمبر 2025، شنّت المملكة العربية السعودية غارات جوية على مدينة المكلا الساحلية في جنوب اليمن، مستهدفةً ما وصفته الرياض بشحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات. وكانت السفينة المعنية، «غرينلاند» (Greenland) التي ترفع علم سانت كيتس، قد وصلت من ميناء الفجيرة الإماراتي وأجهزة التتبع فيها معطّلة. ويُزعم أن حمولتها كانت متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، الحركة الانفصالية المدعومة من الإمارات والناشطة في جنوب اليمن.
ووصفت المملكة العربية السعودية الشحنة بأنها «تهديد وشيك»، ووصفت سلوك الإمارات بأنه «بالغ الخطورة». ونفت أبوظبي إرسال أسلحة، مؤكدةً أن الشحنة كانت مركبات لقواتها هي وأن الرياض كانت على علم بها. وفي غضون أيام، أعلنت الإمارات سحب جميع قواتها المتبقية من اليمن.
لكن الضرر كان قد وقع. فقد كانت ضربة المكلا نقطة اللاعودة، اللحظة التي تحوّلت فيها المنافسة الصامتة بين هاتين القوتين الخليجيتين إلى مواجهة مكشوفة. فبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، ظلّ اليمن دائماً منطقة نفوذها الحصرية، وهي حرب دخلتها عام 2015 لمنع قيام حكومة متحالفة مع إيران على حدودها الجنوبية. ونُظر في الرياض إلى دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو فصيل له طموحاته الإقليمية الخاصة في الجنوب، على أنه تحدٍّ مباشر للسلطة السعودية.
الرسالة: ولي العهد يرسم الخط الفاصل
كانت رسالة 21 فبراير من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى طحنون بن زايد استثنائية في صراحتها. ففي الدبلوماسية الخليجية، تُدار الخلافات بين الأسر الحاكمة عادةً عبر القنوات الخلفية والوسطاء والبيانات المصاغة بعناية. وقد تخلّت هذه الرسالة عن ذلك التقليد تماماً.
ففي الشأن السوداني، أكد ولي العهد أن المملكة العربية السعودية «لم يعد بإمكانها التسامح» مع دعم الإمارات لقوات الدعم السريع في الحرب الأهلية الدائرة في السودان. وفي الشأن اليمني، وصف الأمير محمد بن سلمان التدخل العسكري السعودي بأنه ضرورة للأمن الوطني، وعرض موقف المملكة بعبارات لا لبس فيها: اليمن منطقة نفوذ الرياض، وقرار الإمارات تسليح المجلس الانتقالي الجنوبي من دون موافقة سعودية شكّل انتهاكاً لهذا التفاهم.
واقترحت الرسالة وساطة عبر الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي والشقيق الأصغر لولي العهد. لكن الاقتراح جاء مغلّفاً بإنذار لا بدعوة. وكان عرض الرسالة على العواصم الغربية بحد ذاته إشارة: فالرياض كانت تدوّل النزاع، ضامنةً أن يُنظر إلى أي تصعيد إماراتي مستقبلي من خلال عدسة الاعتراضات الرسمية الموثّقة للمملكة العربية السعودية.
حروب بالوكالة ورؤى متنافسة
ليس البعد اليمني سوى السطح. ففي العمق يكمن تنافس أعمق بكثير على الاتجاه المستقبلي للخليج نفسه.
ففي السودان، تجد المملكة العربية السعودية والإمارات نفسيهما على طرفي نقيض في حرب أهلية كارثية. وقد وضع الدعم المزعوم من الإمارات لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب فظائع واسعة النطاق، أبوظبي في خلاف ليس مع الرياض فحسب، بل مع موجة متنامية من الإدانات الدولية. وقدّمت المملكة العربية السعودية نفسها بوصفها الفاعل الإقليمي المسؤول، إذ استضافت محادثات سلام ودعت إلى ضبط النفس. والتباين مقصود.
وفي القرن الأفريقي، تمتد المنافسة إلى الصومال، حيث قطعت الحكومة الصومالية علاقاتها مع الإمارات إثر اتهامات بأن أبوظبي كانت تسهّل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال. واستخدمت المملكة العربية السعودية، التي أدارت موقفها من القضية الإسرائيلية الفلسطينية بحذر، تطبيع الإمارات في إطار اتفاقيات أبراهام سلاحاً خطابياً. ووصفت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي موالية للسعودية الإمارات بأنها «حصان طروادة الإسرائيلي»، ونددت بالتطبيع بوصفه تحالفاً عسكرياً متنكراً بلغة السلام.
ويُعدّ بعد اتفاقيات أبراهام بالغ السمّية. فقد كان يُفترض أن يكون تطبيع الإمارات مع إسرائيل عام 2020 إنجازاً تاريخياً ونموذجاً لانخراط خليجي أوسع مع الدولة اليهودية. لكنه تحوّل بدلاً من ذلك إلى قضية خلافية. فالمملكة العربية السعودية، التي بحثت التطبيع في إطار اتفاق أمني أوسع مع الولايات المتحدة، رفضت بشكل لافت أن تحذو حذو الإمارات من دون ضمانات لقيام دولة فلسطينية. والنتيجة حرب علاقات عامة يتهم فيها كل طرف الآخر بالتهوّر الاستراتيجي.
حرب المعلومات
لطالما كان للتنافسات الخليجية بُعد إعلامي، لكن حرب المعلومات السعودية الإماراتية بلغت حدّة جديدة. فقد أطلق مؤثرون وحسابات إعلامية موالية للسعودية حملة متواصلة ضد أبوظبي، تصف الإمارات بأنها «مشروع إسرائيلي يرتدي عباءة عربية» ووكيل لمصالح أجنبية في المنطقة.
وردّت الإمارات بأساليبها غير المتكافئة الخاصة. فبحسب تقارير متعددة، مارست أبوظبي ضغوطاً على منظمات مؤيدة لإسرائيل في واشنطن، من بينها حثّ اللجنة اليهودية الأمريكية على إثارة مخاوف بشأن معاداة مزعومة للسامية في المملكة العربية السعودية. وأصدرت المنظمة الصهيونية الأمريكية بياناً أعربت فيه عن «قلق عميق» إزاء ما وصفته بدعاية سعودية موجّهة ضد إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات.
ويمثّل توظيف شبكات المناصرة في واشنطن سلاحاً مرحلة جديدة وخطيرة. فكلا البلدين يتنافسان على النفوذ في العاصمة الأمريكية، واستعدادهما لتجنيد منظمات من أطراف ثالثة في ما هو في جوهره نزاع خليجي داخلي يوحي بمستوى من العداء سيكون من الصعب التراجع عنه.
الحرب الاقتصادية: الرياض في مواجهة دبي
تنعكس المواجهة الجيوسياسية في تنافس اقتصادي متصاعد يهدد بإعادة تشكيل مشهد الأعمال في المنطقة بأسرها.
فقد شكّلت الحملة السعودية الحثيثة لاستقطاب المقار الإقليمية للشركات إلى الرياض هجوماً مباشراً على مكانة دبي بوصفها عاصمة الأعمال في الخليج. وقد اجتذب إنذار الرياض للشركات متعددة الجنسيات، الذي يلزمها بإنشاء مقار إقليمية في العاصمة السعودية للتأهل للعقود الحكومية، مئات الشركات بعيداً عن الإمارات. وانتقلت المنافسة على الاستثمار الأجنبي المباشر والكفاءات وعائدات السياحة من تنافس ودي إلى صراع صفري.
وتشير إعادة المعايرة الجارية لرؤية 2030 والتعديل الوزاري الأخير إلى أن المملكة العربية السعودية تضاعف رهانها على هذه الاستراتيجية. ويوحي إعفاء وزير الاستثمار خالد الفالح وتعيين فهد السيف، أحد المطلعين من داخل صندوق الاستثمارات العامة، خلفاً له، بأن استراتيجية الصندوق الاستثمارية للفترة 2026-2030 ستجعل المنافسة الاقتصادية مع الإمارات هدفاً أساسياً.
وعلى صعيد النفط، يستمر التوتر القديم الكامن بين البلدين داخل أوبك. فالإمارات تشكو منذ سنوات من أن حصتها الإنتاجية لا تعكس طاقتها الموسّعة. واستخدمت المملكة العربية السعودية، بوصفها القائد الفعلي لأوبك، تعديلات الإنتاج أداةً للضغط، وهي ديناميكية تزداد تقلباً مع سعي البلدين إلى تنويع اقتصاديهما بعيداً عن الاعتماد على الهيدروكربونات.
مقاطعة معرض الدفاع
ولعلّ الرمز الأوضح للقطيعة تجلّى في معرض الدفاع العالمي في الرياض مطلع فبراير. فقد قاطعت شركات الدفاع الإماراتية الحدث، في ازدراء علني صادم لما كان يُفترض أن يكون منصة لإبراز الوحدة الخليجية وصناعة الدفاع السعودية المتنامية.
ومضى المعرض من دونها. فقد شارك فيه أكثر من 1,400 عارض من 89 دولة، ووُقّعت 60 صفقة دفاعية بقيمة تقارب 8.8 مليار دولار. وظهرت تقارير عن صفقة مرتقبة لمقاتلات إف-35 وطلبية ضخمة لدبابات M1 أبرامز، ما يؤكد عزم المملكة العربية السعودية على بناء قاعدة صناعية دفاعية لا تعتمد على جيرانها الخليجيين. وقد ارتفع معدل توطين الصناعات الدفاعية في المملكة من 4 في المئة عام 2018 إلى 25 في المئة عام 2024، والمسار واضح: تعتزم المملكة العربية السعودية أن تصبح قوة دفاعية قائمة بذاتها.
لم يكن الغياب الإماراتي عن معرض الدفاع العالمي مجرد قرار لوجستي، بل كان رسالة. وفي الرياض، استُقبل على هذا النحو.
معضلة واشنطن
يمثّل الشقاق السعودي الإماراتي تحدياً كبيراً للولايات المتحدة، التي اعتمدت تاريخياً على الملكيات الخليجية بوصفها كتلة موحدة. وقد حثّ السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام علناً البلدين على إصلاح العلاقات «مع تصاعد الضغط الإيراني»، لكن النداء لم يلقَ آذاناً صاغية.
فبالنسبة إلى واشنطن، الخطر حقيقي. فالخليج المنقسم يعقّد كل شيء، من احتواء إيران إلى التعاون في مكافحة الإرهاب، ومن استقرار أسواق الطاقة إلى البنية الأوسع للأمن في الشرق الأوسط. وتعتمد جهود إدارة ترمب للتوسط في اتفاق تطبيع سعودي إسرائيلي، الذي سيكون الإنجاز الدبلوماسي الأبرز لولاية ثانية، على تماسك خليجي لم يعد قائماً.
والمملكة العربية السعودية والإمارات كلتاهما لاعبتان متمرّستان في واشنطن. فكلتاهما تدير عمليات ضغط واسعة، وتنسج علاقات عبر الطيف السياسي، وتفهم آليات القوة الأمريكية. وامتداد تنافسهما الآن إلى ساحة واشنطن، مع تجنيد كل طرف منظمات ومشرّعين أمريكيين وكلاءً له، يوحي بأن أياً منهما لا يرى المصالحة وشيكة.
مجلس التعاون الخليجي تحت الضغط
صمد مجلس التعاون الخليجي، الكتلة السداسية التي تأسست عام 1981 لتوفير الأمن الجماعي في مواجهة إيران، أمام أزمات سابقة. فقد حُلّ حصار قطر عام 2017 في نهاية المطاف. لكن الشقاق السعودي الإماراتي مختلف في طبيعته وحجمه. فقطر دولة صغيرة كان يمكن الضغط عليها وجلبها في نهاية المطاف إلى التسوية. أما الإمارات فهي نظير المملكة العربية السعودية الاقتصادي والعسكري في الخليج، دولة ذات طموحات عالمية وتملك الموارد اللازمة لتحقيقها.
وقد ارتبط بيت آل سعود وأسرة آل نهيان الحاكمة في أبوظبي على مدى أجيال، تجمعهما روابط قبلية ومصاهرات ومصالح استراتيجية مشتركة. ويثير تدهور تلك العلاقة تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان مجلس التعاون الخليجي قادراً على العمل مؤسسةً ذات معنى في ظل منافسة مكشوفة بين أقوى عضوين فيه.
وبالنسبة إلى دول الخليج الأصغر، الكويت وعُمان والبحرين وقطر، يفرض الشقاق السعودي الإماراتي خيارات غير مريحة. إذ ستتعرض كل منها لضغوط للانحياز إلى أحد الطرفين، أو على الأقل للمناورة بين قوتي جذب تتحركان في اتجاهين مختلفين.
ما الذي ينتظرنا
لم تكن رسالة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى طحنون بن زايد مناورة دبلوماسية، بل كانت صياغة رسمية لموقف المملكة العربية السعودية، سُلّمت إلى أقوى شخصية استخباراتية وأمنية في الإمارات وعُرضت على المجتمع الدولي للتوثيق. ويُبقي اقتراح الوساطة عبر الأمير خالد بن سلمان باباً مفتوحاً، لكن شروط أي تسوية ستتطلب من الإمارات القبول بالأولوية السعودية في اليمن والانسحاب من تورطها في السودان، وهي تنازلات يُستبعد أن تقدمها أبوظبي طوعاً.
والمسار الأرجح هو فترة مطوّلة من العداء المُدار. ليست حرباً باردة بالمعنى الكامل، بل تنافس مستمر يدور على مسارح متعددة: اليمن، والسودان، والقرن الأفريقي، وأوبك، والمقار الإقليمية للشركات، ومشتريات الدفاع، والضغط في واشنطن، ووسائل التواصل الاجتماعي. فالبلدان متشابكان اقتصادياً إلى حد يحول دون قطيعة كاملة، لكن حقبة الشراكة الاستراتيجية انتهت.
وكما لاحظ أحد المحللين المخضرمين في الشأن الخليجي، فإن البلدين اللذين كان يُفترض أن يكونا المحرّكين التوأمين لتحديث الشرق الأوسط انزلقا إلى خصومة قد تستقطب المنطقة لسنوات مقبلة. وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، الحسابات واضحة: المملكة كبيرة بما يكفي، وثرية بما يكفي، وطموحة بما يكفي لترسم مسارها الخاص، بمباركة أبوظبي أو من دونها. وما إذا كانت هذه الثقة في محلها سيكون أحد الأسئلة المحددة للعقد المقبل في الخليج.
هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English