بيت آل سعودHouse of Saud

رؤية 2030 والاقتصاد

رؤية 2030: النموذج الاقتصادي السعودي يتعثّر مع تجاوز النفقات للاستثمارات

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكرت نسخة سابقة أن هدف جذب 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمار الأجنبي «يعادل زيادة بنسبة 50% على ما تجتذبه الهند حالياً»، وهي مقارنة غير واضحة وغير موثّقة حُذفت. كما صيغت جملة عن هدف الاستثمار لعام 2023 بصيغة الماضي.

كشف تحليل إخباري أجرته بلومبرغ أن رؤية 2030 الكبرى للمملكة العربية السعودية، وهي خطة إصلاح اقتصادي شامل رسم ملامحها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016، تعاني من ضغوط مالية، إذ تواصل المملكة تمويل هذا المشروع الطموح في معظمه من مواردها الذاتية، بدلاً من استقطاب رأس المال الأجنبي الذي تحتاج إليه بشدة.

وقد صُمّم برنامج رؤية 2030 لتحويل اعتماد البلاد بعيداً عن النفط، ويستهدف 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول عام 2030؛ وهو هدف يتجاوز بكثير إنجازاتها السابقة.

غير أن تحليلاً إحصائياً للفترة بين 2017 و2022 أظهر أن البلاد اجتذبت في المتوسط ما يزيد قليلاً على 17 مليار دولار سنوياً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ولعام 2023، كانت وزارة الاستثمار السعودية قد حددت هدفاً متفائلاً قدره 19 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وفي إطار إظهار نيتها في التحديث، دخلت المملكة العربية السعودية في شراكة مع «لوسيد» (Lucid)، الشركة الأمريكية المصنّعة للسيارات الكهربائية. ومع ذلك، وجدت المملكة نفسها هي من يتحمّل العبء، إذ ضخّت مؤخراً 1 مليار دولار في «لوسيد»، ليرتفع إجمالي استثمار صندوق الاستثمارات العامة فيها إلى 5.4 مليار دولار. وباتت «لوسيد» الآن مدعومة بقوة من الصندوق، لتنضم إلى القائمة المتزايدة من الشركات التي يُعدّ الصندوق المساهم الرئيسي فيها.

وكانت الفكرة من وراء مشروع تجميع سيارات «لوسيد» في المملكة العربية السعودية تقديم البلد المعتمد على النفط بوصفه مركزاً عالمياً رائداً لصناعات المستقبل، ومن ثم جذب الاستثمار الأجنبي. لكن اعتماد هذا الاستثمار على المملكة يشير إلى أن الإصلاحات الاقتصادية المتسارعة تُموَّل أساساً من خزائن الرياض.

وقالت كارين يونغ (Karen Young)، الخبيرة المرموقة في الاقتصاد السياسي المتخصصة في شؤون الخليج لدى مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن «الحكومة اضطرت إلى تقديم حوافز كبيرة لإقناع لوسيد بالمجيء»، في إشارة إلى الانخراط المالي للمملكة.

مؤشرات مقلقة

يبدو تقييم هدف 2030 بعيد المنال في الوقت الراهن، إذ يلمّح تقرير بلومبرغ إلى تردد لدى المستثمرين الأجانب، بحسب ما أفاد به مصرفيون ومستشارون قانونيون ومطّلعون على جهود الترويج للاستثمار في المملكة العربية السعودية. ودفعت هذه الاستجابة الحذرة الحكومة إلى إعادة النظر في نهجها، والتفكير في تمويل جزء كبير من التحول الاقتصادي من احتياطياتها الذاتية.

وفي الوقت نفسه، تشهد المبادرات الكبرى الرامية إلى إنعاش اقتصاد البلاد البالغ حجمه 1.1 تريليون دولار تقلّصاً في حجمها. وتعتمد الحكومة السعودية على سندات بمليارات الدولارات لسدّ عجز الميزانية غير المتوقع الذي واجهته العام الماضي. وستؤثر الطريقة التي تخصص بها الحكومة الأموال في الاستثمارات المحلية والدولية على حد سواء، إلى جانب سياساتها النفطية الحاسمة التي تؤثر في الأسواق العالمية.

جني ثمار الاستثمار

تتضمن استراتيجية الأمير محمد استمالة المستثمرين الأجانب لجلب الخبرات والتمويل للمشاريع العملاقة، مثل نيوم، وهي مبادرة بقيمة 500 مليار دولار لتحويل منطقة صحراوية نائية في الشمال الغربي إلى مركز للتكنولوجيا والروبوتات خالٍ من الكربون. ورغم حملات التسويق والترويج الواسعة، لم تحقق نيوم بعدُ تقدماً ملموساً في تأمين التمويل.

وأثار التأخر في الموافقات التنظيمية الخاصة بنيوم مخاوف لدى المستثمرين المحتملين، الذين أحبطهم ما يبدو من غموض وأطر قانونية غير مجرّبة تتعلق بالعقود والاستثمارات.

ورغم محدودية الاحتياطيات النقدية للبلاد، تكثّف المملكة العربية السعودية جهودها لتأمين الاستثمار الأجنبي. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك: مطالبة الكويت المجاورة باستثمار أكثر من 16 مليار دولار في مشروع نيوم ومشاريع أخرى.

هل كل الأنظار على النفط؟

ومع ذلك، ورغم التزام شركات مثل «إير برودكتس» (Air Products) الأمريكية بمشاريع مشتركة في نيوم، تواصل المملكة العربية السعودية تحمّل جميع أعباء التمويل تقريباً، ما يعني أن الاقتصاد لا يزال خاضعاً في معظمه لهيمنة القطاع العام. وسيكون لاستراتيجيات الإنفاق السعودية أثر بعيد المدى، إذ ستحدد مصير مشاريعها المحلية وأصولها الخاصة حول العالم واستثماراتها في وول ستريت ولدى الحكومات على حد سواء.

وقد تُجبر هذه الضغوط المالية المملكة على اللجوء إلى موردها الأساسي: النفط. وأفضى ذلك إلى استراتيجية تعزز دور صندوق الاستثمارات العامة بوصفه الجهة المركزية للإنفاق، عبر منحه حصة إضافية بقيمة 164 مليار دولار في أرامكو السعودية، يُتوقع أن تدرّ ما لا يقل عن 20 مليار دولار من الأرباح الموزعة هذا العام.

كبح التوقعات

لم يكن لدى صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير أصولاً تبلغ نحو 900 مليار دولار، سوى 15 مليار دولار من الاحتياطيات النقدية حتى سبتمبر 2023. ومن المصدر مباشرة، أقرّ محافظ الصندوق بأن المؤسسة وجّهت بالفعل نحو ثلث رأسمالها إلى الاستثمارات العالمية، وتعتزم تخصيص 20-25% إضافية.

ومن جهته، أقرّ وزير المالية محمد الجدعان بوجود نقص في التمويل، وألمح إلى إصدار مزيد من الديون. وكشف عن فجوة بعد مقارنة الإيرادات المتوقعة للمملكة بالمتطلبات المالية الواسعة لرؤية 2030.

وأجبر هذا الإدراك البلاد على إعادة النظر في خطتها، مع احتمال تأجيل المشاريع المكلفة أو تقليصها من أجل تحقيق رؤية 2030. وذكر وزير المالية في بودكاست أن بعض المشاريع سيتعيّن تأجيلها أو حتى إيقافها لسدّ هذه الفجوات المالية. وبحسب بلومبرغ، أفاد بعض المطّلعين على الأمر بأن بعض مشاريع رؤية 2030 ستُقلَّص بالفعل أو تُوقف.

ويؤكد هذا التطور كيف لا تزال المملكة العربية السعودية تعتمد على أسعار النفط المرتفعة لدعم جهودها في التنويع، ما يلمّح إلى أن الخطة الكبرى للبلاد قد تحتاج إلى أن تستند إلى الواقع.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English