بيت آل سعودHouse of Saud

الجغرافيا السياسية

أثينا تلقّت الاتصال الذي لم يستطع البحر الأحمر تلقّيه

تصحيح، 12 أكتوبر 2026: ذكرت نسخة سابقة من هذا المقال أن خمس ناقلات غيّرت مسارها بعد التحذير الحوثي؛ والواقع أن بيانات الشحن من LSEG أظهرت عودة ثلاث سفن أدراجها، ولم يذكر أي مصدر ناقلة سيارات تابعة لشركة «كوسكو». كما ذكرت أن الاتفاق النووي الأمريكي-السعودي منح السعودية حق التخصيب من دون اشتراط التطبيع مع إسرائيل؛ والواقع أن الرئيس ترمب جعل الاتفاق في 23 يوليو مشروطاً بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام. وقدّمت الناقلتين «إنسيليا» و«ليلى» على أنهما أُصيبتا قرب جازان؛ والواقع أن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عن الهجومين، وأن السلطات السعودية لم تؤكد إلا إصابة «إنسيليا». واقتُبست رسالة البريد الإلكتروني الحوثية بصياغة لا تطابق تقرير رويترز عن الرسالة، المؤرخة في 20 يوليو، ولم يُعثر على تصريح منسوب إلى يحيى سريع بعبارة «العين بالعين». وتعذّر التحقق من مصادر أرقام عن أحجام صادرات ينبع، وعمليات العبور في هرمز، وخسائر خط الأنابيب شرق-غرب، وعلاوات مخاطر الحرب، والتدفقات عبر باب المندب، والأسطول اليوناني، ورسائل تحذير حوثية إلى شركات يونانية، وميزانية عملية «أسبيدس» الأوروبية، واقتباس من وزير الخارجية اليوناني، واتصال بين فيصل وروبيو في 11 يوليو، فحُذفت أو استُبدلت بأرقام موثقة المصدر.

جدة — أمضى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يوم 23 يوليو على الهاتف مع ثلاثة من نظرائه، رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الخارجية الأردني وكبير الدبلوماسيين اليونانيين، بينما كانت ناقلات يُفترض أن تبحر من الموانئ السعودية أو إليها تعود أدراجها. ولم تَعُد السفن بسبب صواريخ أو اعتراض بحري، بل بسبب رسالة بريد إلكتروني واحدة من «مركز تنسيق العمليات الإنسانية» التابع للحوثيين، حذّرت المشغّلين التجاريين من أن أي سفينة تحمّل أو تفرّغ شحنة في ميناء سعودي قد تُستهدف «في أي موقع ضمن نطاق العمليات» للقوات الحوثية.

وشدّد تقرير وكالة الأنباء السعودية (واس) عن الاتصالات على «أهمية حماية الملاحة البحرية ورفض أي أعمال تهدد سلامتها»، وهي صيغة عامة إلى حد أنها قد تصف خلافاً على مواقف السيارات في مرسى لليخوت. وما لم تتضمنه البيانات هو خطة عملياتية، أو التزام عسكري، أو أي مؤشر على أن الرياض تملك أداة غير الإقناع لإبقاء البحر الأحمر مفتوحاً أمام صادرات النفط الخام التي حوّلتها غرباً بعد انهيار حركة الملاحة في هرمز. لقد اتصل فيصل بأثينا لأن أثينا تملك السفن، والسؤال الآن هو ما الذي تستطيع أثينا فعله إزاء تهديد لم تتمكن الرياض، التي قاتلت الحوثيين سنوات، من تحييده قط.

ماذا حققت اتصالات فيصل الثلاثة فعلاً؟

في 23 يوليو، اتصل الأمير فيصل بن فرحان برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس (George Gerapetritis)، في سلسلة اتصالات وصفتها واس بأنها ركّزت على ضرورة صون «حرية الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر». وأرّخت وكالة الأنباء القطرية (قنا) الاتصال باليونان في 22 يوليو. وشدد البيان على صيغة واحدة، هي حماية الملاحة البحرية ورفض التهديدات لسلامتها، من دون تحديد أي التزام عملياتي أو جدول زمني أو خطة رد منسقة.

ويكشف اختيار المحاورين نوع المشكلة التي تعتقد الرياض أنها تواجهها. فقطر وسيط لديه قناة مفتوحة مع مفاوضي إيران، بعد أن وضعت نفسها في موقع وسيط وقف إطلاق النار الذي لا تستطيع السعودية أن تكونه. والأردن يملك العقبة، ميناءه الوحيد، عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر، واليونان تشغّل أكبر أسطول تجاري في العالم. ولم يذكر أي من البيانات مرافقة الناقلات من الموانئ السعودية أو إليها، لكن كل عاصمة من هذه العواصم تملك قطعة من البنية التجارية التي صُمّم الحصار الحوثي لتفكيكها.

والتسلسل مهم بقدر أهمية القائمة. فقد أجرى فيصل هذه الاتصالات بعد أن أعلن الحوثيون شن هجمات صاروخية على الناقلتين السعوديتين «إنسيليا» و«ليلى»، وبعد يومين من تغيير ناقلات مسارها إثر رسالة تحذير إلكترونية واحدة من مركز تنسيق العمليات الإنسانية الحوثي. فلم يكن يرد على إحاطة استخباراتية بشأن تهديد مستقبلي، بل على حصار بدأ يسري فعلاً، ناقلةً تلو ناقلة، وفي الوقت الفعلي.

الأمير فيصل بن فرحان آل سعود يوقّع اتفاقية دبلوماسية مع وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي في وارسو، يناير 2026
فيصل بن فرحان مع وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي في وارسو. ولم تُسفر سلسلة اتصالاته في 23 يوليو مع أثينا والدوحة وعمّان عن أي التزام عملياتي معلن لحماية عمليات التحميل في الموانئ السعودية. الصورة: Gov.pl / CC BY 3.0 pl

الرسالة الإلكترونية التي أعادت الناقلات

أرسل «مركز تنسيق العمليات الإنسانية» الحوثي، وهو القناة الرئيسية للحوثيين لتوجيه التحذيرات إلى سفن الشحن خلال هجماتهم في 2023-25، بحسب رويترز، رسالة إلكترونية إلى شركات الشحن مؤرخة في 20 يوليو اطّلعت عليها رويترز، جاء فيها: «يُحظر على السفن تحميل أو تفريغ الشحنات في أي موانئ سعودية أو منها»، مضيفاً أن السفن المخالفة «قد تكون عرضة للاستهداف في أي موقع ضمن نطاق العمليات» للقوات الحوثية. ولم تميّز الرسالة بين السفن التي ترفع العلم السعودي والسفن الأجنبية، ولا بين ناقلات الخام وسفن الحاويات، ولا بين السفن المحمّلة بالفعل وتلك المقتربة للتحميل؛ بل شملت كل شيء.

وغيّرت ثلاث سفن مسارها بعد تداول التحذير بين المشغّلين التجاريين، بحسب بيانات الشحن من LSEG. فالناقلة العملاقة «شين لونغ يانغ» (Xin Long Yang)، التي تحمل نحو مليوني برميل من الخام المحمّل في ينبع في 20 يوليو، استدارت نحو قناة السويس بدل مواصلة مسارها المخطط. واتخذت الناقلة «رودوس» (Rodos)، التي تحمل نحو 700,000 برميل من الخام متجهة إلى الهند، القرار نفسه، فيما عادت الناقلة العملاقة «نيو برايم» (New Prime)، التي كان من المقرر أن تحمّل في ينبع في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، أدراجها قبالة عُمان.

«...حق شعبنا العظيم في الرد على الحصار بالحصار».

إعلان الحصار الحوثي، 20 يوليو 2026، عبر الجزيرة

ولا يحتاج فهم المنطق التجاري وراء تلك الاستدارات إلى أي معلومات استخباراتية سرية. فالرسالة الإلكترونية للمركز تحوّل كل رسوّ في ميناء سعودي من معاملة تجارية روتينية إلى انتهاك مُعلَن للحصار. وشركات الشحن المسؤولة أمام شركات التأمين والمستأجرين والجهات التنظيمية في دول العلم لا تحتاج إلى الاتفاق مع الإطار الحوثي كي تتصرف بناءً عليه؛ يكفيها أن تحسب أن كلفة ضربة صاروخية على ناقلة عملاقة محمّلة بالكامل تفوق هامش الربح من الشحنة. وقد صوّر الحوثيون الحصار في 20 يوليو بوصفه رداً على ما سمّوه «الحصار الجائر والظالم» الذي تفرضه السعودية على اليمن منذ نحو 12 عاماً، وهو ادعاء أخلاقي يرمي إلى إضفاء طابع قانوني على التهديد التجاري يصعّب على الرياض رفضه بوصفه قرصنة.

وبنية المركز ليست جديدة، لكن هدفها جديد. فخلال هجمات الحوثيين على الملاحة في 2023-25، كانت الهيئة نفسها قناتهم الرئيسية لتوجيه التحذيرات إلى شركات الشحن، بحسب رويترز. وما تغيّر في يوليو 2026 هو النطاق: فالهدف لم يعد تجارة دولة بعينها، بل مجمل الحركة التجارية للسعودية.

صورة بالأقمار الصناعية تُظهر ناقلة النفط «صافر» راسية قبالة الساحل اليمني في البحر الأحمر، وعلى متنها أكثر من مليون برميل من النفط الخام
الناقلة «صافر» العائمة للتخزين والتفريغ، وعلى متنها أكثر من مليون برميل من الخام، راسية على بعد 23 كم جنوب شرق الصليف قبالة الساحل اليمني في البحر الأحمر، في صورة التقطها القمر الصناعي Copernicus Sentinel-2 في 29 يونيو 2020. وهو الممر نفسه الذي غيّرت فيه ناقلات مسارها بعد رسالة المركز الإلكترونية في يوليو 2026. الصورة: European Union / Copernicus Sentinel-2 / Attribution

لماذا اتصل فيصل بأثينا قبل أي طرف آخر؟

تشغّل اليونان أكبر أسطول تجاري في العالم: فقد سيطرت الشركات اليونانية على 21 في المئة من إجمالي الأسطول التجاري العالمي في 2022. وإذا توقفت السفن المملوكة لليونانيين عن التحميل في الموانئ السعودية، يقترب الحصار الحوثي من هدفه التجاري من دون الحاجة إلى وجود بحري متواصل أو حملة صاروخية مفتوحة، لأن قلة من الأساطيل الأخرى قادرة على تعويض الحمولة التي يوفرها المشغّلون اليونانيون.

واتصال فيصل بجيرابيتريتيس في 23 يوليو محاولة لقطع نمط مألوف من الحملة الحوثية السابقة: يصدر المركز تحذيراً، فيحسب المشغّلون المخاطر، ويمتثل بعضهم، ويهدد الحوثيون من لا يمتثل.

الأسطول التجاري اليوناني: الموقع العالمي
المؤشر القيمة السياق
الحصة من الأسطول التجاري العالمي (2022) 21% أكبر أسطول وطني في العالم

وفي اتصالهما، شدد فيصل وجيرابيتريتيس على ضرورة إبقاء الملاحة حرة في الخليج العربي والبحر الأحمر، ووصفا الأعمال المزعزعة للاستقرار بأنها غير مقبولة، بحسب وكالة الأنباء القطرية. وتوفر عملية «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي بعض قدرات المرافقة في البحر الأحمر، لكن تفويضها يتمحور حول حماية عبور السفن التي تمر في الممر المائي، لا حول تأمين أرصفة التحميل في ينبع أو رأس تنورة حيث يبدأ الخطر التجاري.

والفجوة بين ما تقوله أثينا وما تستطيع فرضه هي الفجوة التي يحاول فيصل سدّها باتصال هاتفي، لأن البديل هو مشاهدة المشغّلين اليونانيين يتخذون قرارات تجارية فردية ترقى مجتمعةً إلى الامتثال للحصار الحوثي. فكل ناقلة عملاقة لا تعود نقطة بيانات سيدرسها المشغّلون الآخرون قبل قبول عقد الإيجار السعودي التالي.

«إنسيليا» احترقت بعد وصول التحذير

لم تكن رسالة المركز تهديداً فارغاً. فقد أعلن الحوثيون شن هجمات صاروخية على ناقلتين سعوديتين، «إنسيليا» (Encelia) و«ليلى» (Layla)، في البحر الأحمر؛ وتؤرخ الجزيرة الإعلان في 22 يوليو، فيما حدّدت «غلف نيوز» موعد الهجوم في 21 يوليو. وأكدت واس أن «إنسيليا» أُصيبت وأن جميع أفراد طاقمها بخير، وأكدت الرياض أن الهجوم تسبب في حريق. ولم تؤكد السلطات السعودية إلا الضربة على «إنسيليا».

وكان التوقيت هو الرسالة. فرسالة المركز الإلكترونية، المؤرخة في 20 يوليو، حذّرت من أن السفن التي تخدم الموانئ السعودية قد تُستهدف؛ وجاء الهجوم على «إنسيليا» في غضون أيام، ليكون أول ضربة مؤكدة تفرض الحصار التجاري المعلن. وفي الإطار الحوثي، تؤدي الرسالة الإلكترونية دور الإخطار الرسمي، أي شيء بين التحذير القانوني وإعلان الاستهداف، والهجمات على السفن التي واصلت العمل بعد تلقيها تحوّل التحذير من خطاب إلى سابقة سيتعين على الإدارة القانونية في كل شركة شحن تقييمها قبل الموافقة على الرسوّ التالي في ميناء سعودي.

وبنية الرسالة ثم الضربة هذه ليست مرتجلة. فقد كان المركز القناة الرئيسية للحوثيين لتوجيه التحذيرات إلى سفن الشحن خلال هجماتهم في 2023-25، بحسب رويترز. ويوفر الحظر البحري الرسمي الذي أعلنه الحوثيون في 20 يوليو المظلة السياسية، وتوفر رسالة المركز الإخطار التجاري، ويوفر الهجوم على «إنسيليا» الدليل الميداني على أن الإخطار مدعوم بالقدرة. وكل عنصر من عناصر هذه البنية جُرّب من قبل؛ ولم يتغير إلا الهدف.

المدمرة الأمريكية «ديوي» المزوّدة بصواريخ موجهة وناقلة البحرية الملكية السعودية «ينبع» تعبران البحر الأحمر خلال التمرين الدولي لمكافحة الألغام، نوفمبر 2014
المدمرة الأمريكية «ديوي» (DDG-105) وناقلة البحرية الملكية السعودية «ينبع» (Yunbou) تعبران البحر الأحمر في نوفمبر 2014 خلال تمرين لمكافحة الألغام في منطقة عمليات الأسطول الأمريكي الخامس. وبعد اثني عشر عاماً، ينقل الممر نفسه صادرات الخام السعودي المحوّلة من هرمز، وقد أعلن الحوثيون شن هجمات صاروخية على ناقلتين سعوديتين، «إنسيليا» و«ليلى». الصورة: US Navy / Public Domain

هل تستطيع السعودية إبقاء ينبع مفتوحاً من دون قوة بحرية في البحر الأحمر؟

تصدّر ينبع، مركز تصدير الطاقة للمملكة على البحر الأحمر، نحو أربعة ملايين برميل يومياً، بحسب موقع «لونغ وور جورنال». ويمثل هذا الحجم الرد الرئيسي للرياض على انهيار ممر هرمز. وكان يُفترض أن تكون ينبع الحل البديل، أي المنفذ على البحر الأحمر الذي يُبقي النفط السعودي متدفقاً بينما يظل المضيق مغلقاً فعلياً.

والحصار الحوثي يستهدف هذا الحل البديل تحديداً، والأرقام توضح لماذا يُعدّ التهديد التجاري أخطر مما يبدو للوهلة الأولى. فقد مرّ نحو 4.1 مليار برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة عبر باب المندب، المضيق الجنوبي للبحر الأحمر، في 2024، بحسب الجزيرة. وباتت السعودية تعتمد على البحر الأحمر في جزء كبير من حجم صادراتها، وهو اعتماد صُمّمت رسالة المركز الحوثي لاستغلاله.

وضع ممرات التصدير السعودية: يوليو 2026
الممر الحجم الحالي العام السابق الوضع
ينبع (البحر الأحمر) نحو 4 ملايين برميل يومياً — تحت تهديد الحصار الحوثي
إجمالي باب المندب نحو 4.1 مليار برميل (2024) — المضيق الجنوبي للبحر الأحمر
خط الأنابيب شرق-غرب — طاقة تصميمية تبلغ نحو 7 ملايين برميل يومياً يغذي ينبع

وخلف الانكشاف البحري يقع خط الأنابيب شرق-غرب الذي يغذي ينبع، والمصمم لنقل نحو سبعة ملايين برميل يومياً. وخط الأنابيب هو البنية التحتية التي يقوم عليها الحل البديل، أي الطريق البري الذي يُبقي الخام متدفقاً إلى البحر الأحمر بصرف النظر عما يحدث في هرمز، ولا تتجاوز فائدة طاقته فائدة الناقلات المستعدة للتحميل عند نقطة نهايته.

والسعودية عاجزة عن تحمّل كلفة الحرب أو التأثير في السلام، وحسابات الممرات تزيد هذا الحكم سوءاً أسبوعاً بعد أسبوع: فهرمز مغلق فعلياً، والبحر الأحمر تحت حصار حوثي معلن. واتصالات فيصل بأثينا والدوحة محاولة للدفاع عن آخر طريق تصدير قابل للاستمرار بالدبلوماسية وحدها، لأن الرياض لا تملك الأصول البحرية اللازمة لمرافقة الناقلات عبر ممر مائي سبق أن أصاب فيه الحوثيون ناقلة سعودية.

أين روبيو في دفتر هاتف فيصل؟

ليست السعودية من الوسطاء في المحادثات الإيرانية-الأمريكية، التي تمر عبر قطر وباكستان وعُمان. وحين احتاج الأمير فيصل بن فرحان إلى الحديث عن الملاحة في البحر الأحمر في 23 يوليو، اتصل بوسيط قطري، وبأردني لديه ميناء معرّض للخطر، وبيوناني لديه أسطول كبير، لكنه لم يتصل بالأمريكي الذي يعمل أسطوله الخامس من البحرين.

ويزداد غياب واشنطن وضوحاً بحضورها في مكان آخر. فـاتفاقية 123 للتعاون النووي الموقّعة في 22 يوليو، قبل يوم واحد من سلسلة اتصالات فيصل، قد تفتح مساراً للتخصيب بعد دراسة مشتركة، لكن ترمب جعلها في 23 يوليو مشروطة بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام. وأياً كان ما تقدمه في الملف النووي، فقد جاءت الاتفاقية من دون أي التزام أمني مرافق في الملف البحري، وتصريحات روبيو العلنية بشأن السعودية في ذلك الأسبوع، التي لم تتطرق إلى البحر الأحمر، توحي بأن واشنطن تعدّ الاتفاق النووي والحصار الحوثي مشكلتين منفصلتين تتطلبان محادثتين منفصلتين.

ويعكس قرار فيصل الاتصال بأثينا والدوحة وعمّان بدل انتظار تحرك واشنطن حساباً مفاده أن الولايات المتحدة إما عاجزة عن توفير قدرة المرافقة التي تحتاجها السعودية لإبقاء ينبع عاملاً وإما غير راغبة في ذلك. وكانت الحملة الجوية الليلية للقيادة المركزية الأمريكية على إيران جارية بينما كان فيصل يجري اتصالاته، لكن الضربات الأمريكية تصيب أهدافاً إيرانية، لا منصات إطلاق الصواريخ الحوثية في المرتفعات الغربية لليمن، والحوثيون، لا القوات النظامية الإيرانية، هم من يعيدون السفن أدراجها في البحر الأحمر برسالة إلكترونية واستعداد مُثبت للتنفيذ.

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يلتقي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الرياض، يونيو 2023
وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يلتقي الأمير فيصل بن فرحان في فندق ريتز كارلتون بالرياض، 7 يونيو 2023، وهو نوع الاتصال الدبلوماسي الأمريكي-السعودي رفيع المستوى الذي غاب عن سلسلة اتصالات فيصل في 23 يوليو. الصورة: US Department of State / Public Domain

هل يمنح ميناء العقبة الأردني الصفدي سبباً يتجاوز التضامن؟

العقبة هي المنفذ البحري الوحيد للأردن، ميناء واحد على ساحل ضيق عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر، وإدراجه في سلسلة اتصالات فيصل يعكس انكشافاً بنيوياً لا مجاملة دبلوماسية. فإذا نجح الحصار الحوثي في جعل البحر الأحمر غير مجدٍ تجارياً للسفن التي تحمّل في الموانئ السعودية، فإن أقساط التأمين والرسوم الأمنية الإضافية وحالات عدم اليقين في المسارات ستطال كل ميناء في الممر المائي، لا المحطات السعودية التي شملتها رسالة المركز فحسب. والصفدي ليس طرفاً في هذا الاتصال لأن الأردن يؤيد موقف السعودية من حيث المبدأ، بل لأن صلة الأردن الوحيدة بالتجارة البحرية العالمية تمر عبر الممر نفسه الذي أعلنه الحوثيون منطقة قتال.

فالبحر الأحمر بنية تحتية مشتركة، وقرار الحوثيين توسيع الاستهداف من تجارة دولة بعينها، إسرائيل في 2023-25، إلى مجمل الحركة التجارية للسعودية يحوّل ما كان اضطراباً محصوراً إلى تهديد تجاري يشمل الممر المائي بأكمله. وتصاعد مستمر في أقساط التأمين أو توسيع حوثي أوسع لمعايير الاستهداف، وكلاهما لا يتطلب ذكر عمّان بالاسم في رسالة من المركز، قد يعزل الأردن فعلياً عن التجارة البحرية في أسوأ لحظة ممكنة.

كما تخدم مشاركة الصفدي إطار فيصل بطرق تتجاوز البعد الثنائي. فبإشراك وزير خارجية عربي من خارج الخليج له مصلحة بنيوية واضحة في الملاحة في البحر الأحمر، تستطيع الرياض تقديم الحصار الحوثي بوصفه تهديداً للنظام الإقليمي بأسره لا مواجهة ثنائية سعودية-يمنية، وهو إطار يغدو أكثر فائدة في الأمم المتحدة والعواصم الأوروبية منه في البحر الأحمر نفسه، حيث تعود السفن أدراجها بصرف النظر عن عدد وزراء الخارجية الذين يتفقون على أنها لا ينبغي أن تضطر إلى ذلك.

الحصار الذي لا يحتاج إلى صواريخ

بنى الحوثيون شيئاً أكثر فاعلية من الحصار البحري: إطاراً للمسؤولية التجارية يحوّل كل رسوّ في ميناء سعودي إلى حساب مخاطر ستقرر معظم شركات الشحن في النهاية أنه لا يستحق المجازفة. فرسالة المركز هي التحذير، وضربة «إنسيليا» هي دليل القدرة، والناقلات التي غيّرت مسارها هي البرهان على أن النظام يعمل كما صُمّم. ولا توجد قوة بحرية على وجه الأرض تستطيع مرافقة ناقلة إلى ميناء أُعلن رصيف التحميل فيه نفسه منطقة استهداف، لأن التهديد يتبع الشحنة لا المسار، ولا يمكن لأي مرافقة أن تبقى إلى جانب السفينة في كل ميل من رحلة عودتها عبر مياه أثبت الحوثيون قدرتهم على الوصول إليها.

وإطار الحوثيين، أي الربط الصريح بين الحصار وما يسمّونه «حصاراً» سعودياً على اليمن منذ نحو 12 عاماً، مصمّم لجعل التهديد التجاري أصعب مواجهة على مستوى القانون الدولي، لأنه يلفّ الحصار في رواية انتقامية تلقى صدى في دول الجنوب العالمي يختلف عن صداها في الرياض أو واشنطن. ولا تحتاج رسالة المركز إلى أن تكون صحيحة قانونياً بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كي تكون فعالة تجارياً؛ يكفي أن تكون ذات مصداقية كافية تجعل شركات التأمين والمستأجرين والجهات التنظيمية في دول العلم تعاملها عامل خطر جوهرياً، وقد أثبتت ضربة «إنسيليا» أنها كذلك.

«يُحظر على السفن تحميل أو تفريغ الشحنات في أي موانئ سعودية أو منها ... [وهي] قد تكون عرضة للاستهداف في أي موقع ضمن نطاق العمليات»

رسالة بريد إلكتروني من مركز تنسيق العمليات الإنسانية الحوثي إلى شركات الشحن مؤرخة في 20 يوليو 2026، بحسب ما أوردته رويترز

واتصالات فيصل الثلاثة في 23 يوليو هي الرد السعودي على هذه البنية، وعدم التكافؤ بين التهديد والرد هو القصة. فالحوثيون أرسلوا رسالة إلكترونية وأصابوا ناقلة، وفيصل اتصل بأثينا والدوحة وعمّان. ولا يستطيع أي منها إعادة فتح البحر الأحمر بالهاتف، وكلها تعلم أن نافذة الرد الدبلوماسي تُقاس بدورات تجديد التأمين وإلغاء عقود الإيجار، لا بإيقاع فن الحكم التقليدي. لقد حرّكت الرسالة الإلكترونية بالفعل حمولة أكبر مما كانت فرقاطة لتحرّكه.

أسئلة شائعة

هل سبق لمركز تنسيق العمليات الإنسانية أن حذّر شركات الشحن؟

نعم. فقد كان المركز، ومقره صنعاء، القناة الرئيسية للحوثيين لتوجيه التحذيرات إلى سفن الشحن خلال هجماتهم في 2023-25، التي انتهت مع وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، بحسب رويترز. وتستخدم حملة يوليو 2026 الموجهة ضد السعودية القناة نفسها على نطاق أوسع.

ما عملية «أسبيدس» البحرية الأوروبية، وهل تستطيع حماية السفن التي تحمّل في الموانئ السعودية؟

«أسبيدس» هي القوة البحرية للاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر. ويتركز تفويضها على حماية السفن العابرة للبحر الأحمر وخليج عدن، أي مرافقة السفن عبر الممر المائي، لا على تأمين مداخل الموانئ أو أرصفة التحميل في محطات وطنية بعينها. والفارق مهم لأن رسالة المركز الحوثي تستهدف السفن عند نقطة التحميل لا أثناء العبور، و«أسبيدس» لا تملك التفويض ولا هيكل القوة اللازمين لنشر مرافقات في ينبع أو رأس تنورة بينما تملأ الناقلات عنابرها.

كم كانت حمولة الناقلات المحوّلة؟

حملت الناقلتان اللتان استدارتا نحو السويس نحو 2.7 مليون برميل من النفط الخام مجتمعتين: فقد حمّلت الناقلة العملاقة «شين لونغ يانغ» نحو مليوني برميل في ينبع في 20 يوليو، وكانت الناقلة «رودوس» تحمل نحو 700,000 برميل متجهة إلى الهند. أما السفينة الثالثة، الناقلة العملاقة «نيو برايم»، فعادت أدراجها قبل التحميل. وقد حُوّلت تلك الشحنة بفعل تهديد لم يكلّف الحوثيين سوى رسالة إلكترونية.

ما الإطار القانوني الذي يقدّمه الحوثيون للحصار على السعودية؟

يصوّر الحوثيون الحظر البحري دفاعاً عن النفس انتقامياً وفق مبدأ المعاملة بالمثل، متهمين القادة السعوديين بفرض «حصار جائر وظالم» على اليمن منذ نحو 12 عاماً. وادّعى إعلان 20 يوليو الحق في «الرد على الحصار بالحصار»، مقدّماً الحصار لا بوصفه عدواناً بل رداً متناسباً على سنوات من القيود التجارية التي فرضها التحالف وحدّت من وصول اليمنيين إلى الوقود وواردات الغذاء والشحن التجاري. والإطار مصمم لتعقيد أي محاولة سعودية لاستصدار إدانة من مجلس الأمن الدولي، لأنه يفرض نقاشاً حول ما إذا كانت القيود السابقة التي فرضها التحالف على التجارة اليمنية تشكّل السابقة التي يدّعيها الحوثيون.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English