الجغرافيا السياسية
بعد عامين على بروكسل، خسرت الرياض القمة
تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكر هذا المقال أن القمة الأوروبية الخليجية أُرجئت «إلى أجل غير مسمى» وأن سبع فعاليات أُلغيت أو أُجّلت. وقال المسؤولون إن القمة ستُعقد في موعد لاحق يُتفق عليه، ولم يُؤجَّل أو يُنقل أو يُلغَ سوى ست فعاليات، أما السابعة، كأس آسيا، فقيل فقط إن تأجيلها وارد. والنص يذكر ذلك الآن، ويشير إلى أن مبادرة مستقبل الاستثمار كانت لا تزال في موعدها عند النشر (وقد أُرجئت إلى عام 2027 في 19 أكتوبر).
الرياض — أُرجئت رسمياً في 15 أكتوبر القمة الأوروبية الخليجية الثانية، التي كانت مقررة في 24 أكتوبر في الرياض، من دون تحديد موعد جديد. وأشارت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي إلى «استمرار محاولات جماعة الحوثي استهداف المملكة العربية السعودية وأعيانها المدنية» و«تمديد تعليق الرحلات الجوية في مطار الملك خالد الدولي»، المغلق منذ ضربة حوثية في 10 أكتوبر أسفرت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة ما بين 308 و309، بحسب بي بي سي والجزيرة.
كان من المفترض أن يجلس سبعة وعشرون رئيس حكومة من الاتحاد الأوروبي قبالة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يوم 24 من الشهر، وعلى جدول الأعمال ثلاثة عقود من الملفات العالقة: اتفاقية تجارة حرة متعثرة منذ بدء المفاوضات عام 1990، وإعفاء مواطني دول مجلس التعاون الخليجي من تأشيرة شنغن، وممر للسكك الحديدية اقترحته بلغاريا صُمم لتجاوز حصار هرمز ذاته الذي جعلته الحرب أمراً ملحاً. وليس التأجيل تعديلاً معزولاً في الروزنامة، بل هو الحلقة الأبرز دبلوماسياً في سلسلة إلغاءات أفرغت شهر أكتوبر في الرياض، وهو شهر صُمم لتقديم السعودية وجهةً يقصدها العالم، وبات الآن يسجّل الفعاليات التي لن يحضرها العالم.
وقال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي إن القرار اتُّخذ «حرصاً على ضمان سلامة الوفود المشاركة»، وإن الاجتماع سيُعاد جدولته «إلى موعد لاحق يُتفق عليه في الوقت المناسب». وأكد المجلس الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي «لا يزال ملتزماً بتعميق هذه الشراكة والحفاظ على الزخم الذي تحقق منذ القمة الأولى في أكتوبر 2024»، وهي لغة دبلوماسية تحافظ على العلاقة من دون تحديد موعد أو مكان أو طريق للعودة إلى طاولة الحوار.
وفي اليوم الذي أُرجئت فيه القمة، أكد مجلس الأمن الدولي بالإجماع حق السعودية في الدفاع عن النفس، وهو غطاء سياسي بلا أثر عملياتي.

جدول المحتويات
- ماذا كان مطروحاً على طاولة القمة الأوروبية الخليجية؟
- لماذا أطاح إغلاق المطار بالقمة؟
- ماذا خسرت الرياض أيضاً هذا الشهر؟
- هل تصمد مبادرة مستقبل الاستثمار حيث لم تصمد القمة؟
- كم من التجارة معلّق على قمة بلا موعد؟
- علاوة المخاطر الأمنية تعود إلى الرياض
- عراقجي عرض الوساطة بينما كانت الروزنامة تنهار
- هل ينطلق موسم الرياض في روزنامة فارغة؟
- أسئلة متكررة
ماذا كان مطروحاً على طاولة القمة الأوروبية الخليجية؟
كانت قمة الرياض أول اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي يستضيفه الجانب الخليجي، بعد القمة الافتتاحية في بروكسل في 16 أكتوبر 2024، حيث اتفق التكتلان على دفع محادثات اتفاقية التجارة الحرة بما يشمل فصلاً عن الاستثمار (المجلس الأوروبي، 2024-10-16). ووجّه الملك سلمان شخصياً دعوات إلى حكام الخليج، بينهم أمير الكويت وملك البحرين (الشرق الأوسط، 2026-09-29)، وتسلّم رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان دعوته الخطية في 8 أكتوبر (وزارة الخارجية الإماراتية، 2026-10-08)، أي قبل سبعة أيام من تأجيل العملية برمتها.
وتضمن جدول الأعمال أربعة بنود ذات أهمية جوهرية تتجاوز المراسم، يمثل كل منها سنوات من الدبلوماسية التحضيرية باتت الآن معلقة إلى أجل غير مسمى. فاتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي قيد التفاوض منذ عام 1990، ما يجعلها أطول عملية تفاوض على اتفاقية تجارة حرة في تاريخ أي من التكتلين، إذ تبلغ 36 عاماً (tariffmanagement.com)، وقد تعثرت أحدث جولاتها نحو عام 2008. وكان من المتوقع أن يُسرّع توحيد إعفاءات تأشيرة شنغن لمواطني السعودية وقطر وعُمان والبحرين والكويت تدفقات السياحة والطلاب من الخليج إلى أوروبا (ذا ناشيونال، 2026-10-15). وكان ممر السكك الحديدية الذي اقترحته بلغاريا لنقل النفط السعودي عبر سوريا وتركيا إلى أوروبا سيوفر بديلاً مادياً يتجاوز حصار هرمز، وهو ممر جعلته الحرب نفسها ملحاً إلى حد مصيري (بروكسل تايمز؛ ذا ناشيونال). وكان من المفترض أن تحوّل القمة الالتزامات السياسية لاجتماع بروكسل عام 2024 إلى فصول ملزمة بشأن الاستثمار وأمن الطاقة.
وللمقارنة، أُبرمت اتفاقية التجارة الحرة الثنائية بين مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة في 20 مايو 2026، وهي تغطي تجارة سنوية تبلغ نحو 5 مليارات دولار (غلف بزنس، 2026)، بعد فترة تفاوض تُقاس بالسنوات لا بالعقود. أما العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي فتفوق ذلك حجماً بأكثر من ثلاثين ضعفاً، ولا يحكمها إطار مماثل، وهي فجوة كان يُفترض أن تبدأ قمة بروكسل في سدها وأن تقلّصها قمة المتابعة في الرياض إلى ما يشبه اتفاقاً.
لماذا أطاح إغلاق المطار بالقمة؟
مطار الملك خالد الدولي، البوابة الدولية الرئيسية للرياض، مغلق منذ ضربة صاروخية حوثية في 10 أكتوبر أسفرت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة ما بين 308 و309؛ إذ أفادت الجزيرة بإصابة 309 في 10 أكتوبر، وأفادت بي بي سي بإصابة 308 في 11 أكتوبر. وأفادت صحيفة قطر تريبيون في 12 أكتوبر بأن الرحلات الجوية عُلّقت على الأقل حتى نهاية ذلك الأسبوع، وأكدت فرانس 24 أن الإغلاق مُدّد من دون موعد ثابت لإعادة الفتح حتى تاريخ تقريرها.
وأحدث الإغلاق سلسلة تنظيمية جعلت نقل سبعة وعشرين رئيس دولة جواً إلى المملكة أمراً لا يمكن الدفاع عنه عملياتياً، لا مجرد أمر غير مريح. فقد وسّعت وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران إرشاداتها بشأن الأجواء السعودية في 9 أكتوبر، وعلّقت مجموعة لوفتهانزا جميع رحلاتها إلى الرياض حتى 16 أكتوبر على الأقل (فورتشن، 2026-10-09)، وسحبت شركات طيران في أنحاء المنطقة خطوطها، بما فيها شركات تخدم ولاية كيرالا الهندية بحسب نيوز 18. وأصابت ضربة ثانية الصالة 4 في مطار الملك خالد الدولي في 11 أكتوبر، فقتلت مقيماً باكستانياً وأصابت 11، فيما تعرض مطار الدمام لهجوم في اليوم نفسه (سي إن إن، 2026-10-11)، ما جعل المشكلة لا تقتصر على مطار واحد، بل نمطاً من الاستهداف امتد إلى بنية تحتية أخرى للطيران السعودي.
وجعل بيان البديوي العلاقة السببية صريحة: فقد اتُّخذ قرار التأجيل «حرصاً على ضمان سلامة الوفود المشاركة»، مشيراً إلى الهجمات الحوثية وتعليق العمليات في المطار معاً. ولم يُعثر حتى 15 أكتوبر على أي بيان للحكومة السعودية يتناول مباشرة تأجيل القمة الأوروبية الخليجية، ولم يُقترح في الإعلان المشترك أي مكان بديل، سواء جدة أو العُلا أو دولة خليجية مجاورة. وبالنسبة إلى مملكة استثمرت المليارات لترسيخ مكانة الرياض عاصمةً عالمية للاجتماعات، فإن العجز عن ضمان المرور الآمن عبر مطارها يحمل كلفة تتجاوز كثيراً مجرد موعد أُعيدت جدولته. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، أصدرت قيادة القوات المشتركة أول حصيلة تراكمية رسمية للحملة على المطار: عشرون هجوماً حوثياً على مطار الملك خالد الدولي منذ 1 أكتوبر، أسفرت عن سبعة عشر قتيلاً و333 مصاباً، وهو الرقم الذي لم يُشر إليه بيان التأجيل إلا بوصفه «تمديداً لتعليق العمليات».

ماذا خسرت الرياض أيضاً هذا الشهر؟
تتصدر القمة الأوروبية الخليجية قائمة تطول يوماً بعد يوم، وكل بند فيها يؤكد أن روزنامة أكتوبر التي بنتها الرياض دليلاً على مكانتها العالمية تتفكك بفعل قوى لا تستطيع إيقافها، ولا تستطيع حتى الآن ردعها. فقد أُجّلت ست فعاليات أو نُقلت أو أُلغيت كلياً منذ ضربة المطار في 10 أكتوبر، وقال منظمو فعالية سابعة، هي كأس آسيا، إنهم منفتحون على تأجيلها.
| الفعالية | الموعد الأصلي | الوضع الحالي | المصدر |
|---|---|---|---|
| القمة الأوروبية الخليجية | 24 أكتوبر | أُرجئت؛ لم يُحدد موعد جديد | المجلس الأوروبي / وكالة الأنباء القطرية، 15 أكتوبر |
| سيكس كينغز سلام (تنس) | 21–24 أكتوبر | نُقلت إلى 27–30 ديسمبر | غلف نيوز، 14 أكتوبر |
| نهائيات FIFAe (جدة) | 16–25 أكتوبر | أُجّلت؛ وانسحبت اليابان والبرازيل | دون / الفيفا، 14 أكتوبر |
| أسبوع الرياض للأزياء | 15–20 أكتوبر | أُجّل إلى 2027 | Siasat.com، 15 أكتوبر |
| منتدى مسك العالمي | 11–12 نوفمبر | أُلغي كلياً | Siasat.com، 15 أكتوبر |
| دوري روشن السعودي للمحترفين (بما في ذلك النصر) | مواعيد متفرقة في أكتوبر | أُعيدت جدولته | Siasat.com، 15 أكتوبر |
| كأس آسيا (السعودية مستضيفة) | لم يُحدَّد | الاتحاد الآسيوي لكرة القدم «منفتح على التأجيل» | جابان تايمز، 15 أكتوبر |
وأرجع رئيس الهيئة العامة للترفيه تركي آل الشيخ تأجيل بطولة سيكس كينغز سلام إلى «أسباب لوجستية» (غلف نيوز، 2026-10-14)، وهي التورية ذاتها التي تمثلها عبارة «في الوقت المناسب» في السجل الدبلوماسي: عبارة تؤكد ما يشك فيه الجمهور أصلاً مع الامتناع عن قوله صراحة. أما إلغاء منتدى مسك العالمي فيحمل وزناً مختلفاً تماماً، لأن مؤسسة مسك أسسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والمنتدى مرتبط شخصياً بعلامته الإصلاحية؛ وشطبه من الروزنامة يشير إلى أن القرارات المتعلقة بجدوى شهر نوفمبر تُتخذ على أعلى مستوى، لا من قبل منظمي الفعاليات الذين يعدّلون الترتيبات اللوجستية.
وقال الاتحاد الآسيوي لكرة القدم في 15 أكتوبر إنه «منفتح على تأجيل» كأس آسيا، التي من المقرر أن تستضيفها السعودية (جابان تايمز، 2026-10-15). وإذا سلكت البطولة مسار دورة الألعاب الآسيوية الشتوية، التي أُجّلت في يناير 2026 (ميد، 2026-01-26)، ومسار تروجينا، التي أُنهيت عقود إنشائها في مارس (ميد، 2026-03-26)، فإن روزنامة الفعاليات الكبرى التي شكّلت ركيزة الحضور العالمي لرؤية 2030 لا تُؤجَّل بل تُفكَّك، إشعار إلغاء تلو الآخر، من دون أي مؤشر على أن الظروف التي تُنتج هذه الإلغاءات مرشحة للانعكاس.
هل تصمد مبادرة مستقبل الاستثمار حيث لم تصمد القمة؟
كانت مبادرة مستقبل الاستثمار، المؤتمر السنوي الذي اكتسب لقب «دافوس الصحراء»، لا تزال مقررة رسمياً في 26–29 أكتوبر عند نشر هذا المقال، بعد أحد عشر يوماً من تأجيل القمة الأوروبية الخليجية وبعد ما يزيد قليلاً على أسبوعين من ضربة المطار. لكنها تمضي بشروط لم يكن من الممكن تصورها قبل عام: فقد تحولت المبادرة إلى صيغة هجينة، مع عرض السلطات السعودية العبور عبر مدارج خليجية بديلة لأن مطار الرياض نفسه لا يستطيع ضمان الوصول الآمن (فورتشن / رويترز عبر ميدل إيست آي، 2026-10-14).
وتأكدت مشاركة مديرين تنفيذيين من جيه بي مورغان (جيمي ديمون)، وبلاك روك (لورانس فينك)، وغولدمان ساكس (ديفيد سولومون)، وإتش إس بي سي (جورج الحضري) متحدثين، وإن لم يُحسم حتى تاريخ إعداد هذا التقرير ما إذا كان أيٌّ منهم سيحضر شخصياً أو عن بُعد (فورتشن، 2026-10-14). ويعلن معهد مبادرة مستقبل الاستثمار عن توقع حضور 10,000 مشارك و550 متحدثاً تحت شعار هذا العام «قوة الإرث»، مع اتفاقيات وتعهدات موقعة تراكمية بقيمة 250 مليار دولار عبر النسخ العشر كلها.
«بالنسبة إلى الشركات الأجنبية التي تدرس ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة في المملكة، ستكون صور الصواريخ التي تسقط على ما يبدو من دون عائق على مطار العاصمة صادمة ويصعب نسيانها».
جيمس ريف (James Reeve)، المدير الأول السابق في صندوق الاستثمارات العامة، لمجلة فورتشن (2026-10-14)
وجاءت بوادر ما تواجهه المبادرة في مؤتمر البترول العالمي، الذي افتُتح في الرياض في 11 أكتوبر: إذ غاب بشكل لافت الرؤساء التنفيذيون لشركات شل وتوتال إنرجيز وبي بي وإكسون موبيل (فورتشن، 2026-10-14). وقال ريف لفورتشن إن «الاستثمارات الأجنبية التي ضُخّت بالفعل في السعودية من غير المرجح أن تُسحب على المدى القريب»، لكن القيد، «على المدى القريب»، يؤدي دوراً لا يقل عن دور الطمأنة، كما أن صمود المبادرة بصيغة هجينة بينما أُرجئت القمة الأوروبية الخليجية كلياً يكشف تراتبية تفضل الرياض عدم الاعتراف بها. فالمملكة قادرة على المضي بمؤتمرها الخاص بتوجيه الحضور عبر قنوات خلفية ومدارج بديلة، لكنها لا تستطيع إرغام سبع وعشرين حكومة ذات سيادة على تجاهل تقييماتها الأمنية الخاصة لعاصمة لا يزال مطارها مغلقاً.

كم من التجارة معلّق على قمة بلا موعد؟
بلغ إجمالي التجارة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي 165.6 مليار يورو في عام 2025، منها صادرات أوروبية بنحو 110 مليارات يورو وواردات أوروبية بنحو 55.6 مليار يورو، وفقاً لأرقام المفوضية الأوروبية التي أوردتها بروكسل تايمز. وأضافت تجارة الخدمات 84.4 مليار يورو في عام 2024. وتمتد علاقة الاستثمار إلى ما هو أعمق: إذ يبلغ الاستثمار الأجنبي المباشر الخليجي في الاتحاد الأوروبي 189.8 مليار يورو، فيما يبلغ الاستثمار الأجنبي المباشر الأوروبي في دول الخليج 163.1 مليار يورو (بروكسل تايمز)، أي رصيد استثماري مشترك يزيد على 350 مليار يورو لا يحكمه أي إطار تجاري شامل بعد 36 عاماً من المحاولات.
ويشكل الوقود أكثر من 75 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي من دول مجلس التعاون الخليجي (المفوضية الأوروبية عبر ذا ناشيونال، 2026-10-08)، ما يجعل أجندة الطاقة في القمة، أي ممر السكك الحديدية البلغاري البديل، وفصل الطاقة في اتفاقية التجارة الحرة، والسؤال الأوسع عن كيفية تأمين أوروبا إمدادات الهيدروكربونات من منطقة تشهد اضطراباً عسكرياً نشطاً، ذات أهمية مباشرة لأمن الطاقة الأوروبي على نحو يتجاوز كثيراً الرمزية الدبلوماسية. وتسعير الخام السعودي نفسه يعكس الضغط: فقد خفضت أرامكو السعودية سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف لشهر نوفمبر إلى آسيا بمقدار 3 دولارات، ليصبح أدنى من مؤشر عُمان/دبي بـ5 دولارات، وهو أوسع خصم منذ يونيو 2020 (bdnews24 / رويترز، 2026-10-05)، مقايضةً السعر بالحجم في لحظة يتعرض فيها كلاهما للتهديد من الصراع ذاته الذي أرجأ القمة.
وليس جمود اتفاقية التجارة الحرة الممتد 36 عاماً حاشية دبلوماسية، بل فجوة هيكلية تجعلها اتفاقية مجلس التعاون الخليجي مع المملكة المتحدة، المبرمة في مايو 2026 كما سبقت الإشارة، واضحة بمقارنة بسيطة. وكان من المفترض أن تغيّر القمة الأوروبية الخليجية الأولى في بروكسل هذا المسار، إذ ألزم بيانها المشترك الجانبين بدفع محادثات اتفاقية التجارة الحرة بما يشمل فصلاً عن الاستثمار (المجلس الأوروبي، 2024-10-16). وكان من المفترض أن تفي قمة الرياض بهذا الالتزام، وتأجيلها من دون موعد جديد يعني أن عملية بدأت في عهد جورج بوش الأب صمدت حتى الآن أمام سبعة رؤساء أمريكيين من دون أن تنتج نصاً ملزماً، فيما البنية الدبلوماسية الإقليمية التي كان يُفترض أن تدعمها تفقد أعضاءها أسرع مما يستطيع المفاوضون صياغة الفصول.
علاوة المخاطر الأمنية تعود إلى الرياض
قال أندرياس كريغ (Andreas Krieg)، محلل الشؤون الأمنية في الشرق الأوسط في كينغز كوليدج لندن، لفورتشن إن «الأثر المهم ليس مجرد الضرر المادي الذي لحق بمطار أو إلغاء رحلات بعينها، بل عودة علاوة المخاطر الأمنية إلى ممارسة الأعمال في السعودية»، مضيفاً أن «العواقب المباشرة يُرجح أن تكون تأجيل قرارات الاستثمار، وارتفاع العوائد المطلوبة، وزيادة الاعتماد على رأس المال الحكومي» (فورتشن، 2026-10-14). وهذا التقييم ليس تخميناً، فالبيانات الاقتصادية الكلية تحمل ثقله بالفعل.
فقد انكمش الاقتصاد السعودي بنسبة 4.8 في المئة على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2026، بحسب تريد أرابيا نقلاً عن بيانات رسمية (2026-08-19)، ويتوقع البيان التمهيدي للميزانية الصادر عن الحكومة نفسها انكماشاً بنسبة 3.6 في المئة للعام بأكمله، مدفوعاً بتراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المئة (زاوية / رويترز، 2026-09-30). ويبلغ عجز الميزانية المعدّل لعام 2026 نحو 245 مليار ريال، أي نحو 65 مليار دولار، ارتفاعاً من 165 مليار ريال في الميزانية المعتمدة، وهو ما يمثل 4.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي (زاوية / رويترز، 2026-09-30). ودخلت المملكة شهر أكتوبر وهي تحمل أصلاً العبء المالي لحرب لم تختر تصعيدها، واضطراب في سوق النفط عجزت عن حله؛ وانهيار روزنامة الفعاليات يضيف ضرراً بالسمعة إلى ما كان أصلاً حالة طوارئ في الميزانية.
وقال هشام الغنام، المحلل السياسي السعودي والباحث في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور إن «الهجمات ضيّقت المساحة التي حافظت عليها السعودية بين الصراع الإقليمي والحياة اليومية» (CSM، 2026-10-13). وهذا التضييق هو بالضبط ما صُممت روزنامة الفعاليات لمنعه، فالبنية الكاملة لموسم الرياض ومبادرة مستقبل الاستثمار والروزنامة الرياضية والقمة الأوروبية الخليجية قامت على فرضية أن المملكة قادرة على الفصل بين الحرب والتجارة، فتستضيف لاعبي التنس ورؤساء الدول بينما تشن غارات جوية في اليمن وتتلقى الصواريخ منه.
ووصف الدكتور يوئيل غوزانسكي (Yoel Guzansky) من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي الوضع الحالي بأنه «من أخطر الأزمات التي مرت بها السعودية على الإطلاق» خلال السنوات الـ35 الماضية، مضيفاً أن «وعد رؤية 2030، الذي كان يعاني ويتعثر أصلاً، سيكون الآن أصعب تحقيقاً» (واي نت نيوز، 2026-10-15). ويسبق تقليص المشاريع العملاقة ضربات المطار في أكتوبر، إذ أُجّلت دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في يناير (ميد، 2026-01-26)، وأُنهيت عقود تروجينا في مارس (ميد، 2026-03-26)، وأفادت تقارير بأن مشروع ذا لاين أُوقف إلى ما بعد 2030 (سيمافور، 2026-05-22)، لكن ما أضافه أكتوبر هو بُعد أمني لما كان حتى ذلك الحين تراجعاً مالياً ولوجستياً، أي الفرق بين مستثمرين يتساءلون عما إذا كان بالإمكان بناء رؤية 2030 في موعدها، ومستثمرين يتساءلون عما إذا كان موقع البناء آمناً بما يكفي لزيارته.
«لدى السعودية ما تخسره. أما هم فلا».
فارع المسلمي، تشاتام هاوس، لموقع واي نت نيوز (2026-10-15)
عراقجي عرض الوساطة بينما كانت الروزنامة تنهار
عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 11 أكتوبر «تسهيل الحوار بين السعودية واليمن» (بي بي سي، 2026-10-11)، وهو مسار دبلوماسي موازٍ يتعارض مباشرة مع الرواية التي حاولت الرياض تقديمها في كل فعالية أُلغيت: أن الهجمات الحوثية إرهاب غير مبرر لا امتداد لحرب تشارك فيها السعودية طرفاً محارباً. وجاء العرض في الأسبوع نفسه الذي أفادت تقارير بأن ولي العهد طلب فيه ضربات أمريكية على الحوثيين رفضها ترمب مرتين، بحسب سي إن إن (2026-10-10)، ما ترك الخيارات الدبلوماسية للمملكة أضيق من روزنامتها لشهر أكتوبر.
ودأب الحوثيون على تقديم ضرباتهم بوصفها رداً على غارات التحالف بقيادة السعودية على اليمن، واصفين البنية التحتية السعودية بأنها أهداف مشروعة؛ وأفادت فرانس 24 في 14 أكتوبر بأن الجماعة توعدت بمواصلة ضرب المطارات والمنشآت النفطية السعودية. ولم يُعثر في مصادر موثقة على أي بيان حوثي يتبنى تحديداً تأجيل القمة الأوروبية الخليجية بوصفه انتصاراً استراتيجياً، لكن التفاوت لا يحتاج إلى بيان صحفي ليكون مفهوماً، إذ إن كلفة الصواريخ التي أصابت مطار الملك خالد الدولي لا تُذكر مقارنةً بقمة تمثل تجارة سنوية بقيمة 165.6 مليار يورو و36 عاماً من التحضير الدبلوماسي.
وقال وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري لكريستيان ساينس مونيتور: «نحن نتعامل مع ميليشيا إرهابية، والأولوية القصوى للمملكة هي ضمان سلامة مواطنيها والمقيمين فيها» (CSM، 2026-10-13). وقال الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة للصحفيين إن «كلمة الخوف لا وجود لها في القاموس السعودي، نحن السعوديين لا نخاف» (واي نت نيوز، 2026-10-15)، وهو تصريح جاء في الأسبوع نفسه الذي وسّعت فيه وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران تحذيرها بشأن الأجواء، وسحبت فيه لوفتهانزا رحلاتها إلى الرياض، وتلقى فيه سبعة وعشرون زعيماً أوروبياً خبر أنهم لن يطيروا إلى الرياض يوم 24 من الشهر.

هل ينطلق موسم الرياض في روزنامة فارغة؟
كان من المقرر علناً أن ينطلق موسم الرياض 2026 في 21 أكتوبر بعشرة أسابيع من الترفيه، وفق ما أعلنه رئيس الهيئة العامة للترفيه تركي آل الشيخ في 27 سبتمبر (غلف نيوز، 2026-09-27). وحتى 15 أكتوبر، أي قبل ستة أيام من الانطلاق، لم يُؤجَّل افتتاح الموسم رسمياً، لكن فعاليته الأبرز للتنس في أكتوبر نُقلت إلى ديسمبر، وأسبوع الأزياء الذي كان يُفترض أن يُقام بالتوازي معه أُرجئ إلى 2027، وجُرّدت الروزنامة المحيطة به من الفعاليات الرياضية والدبلوماسية والاستثمارية لتقتصر على مؤتمر واحد بصيغة هجينة وما تستطيع المملكة جمعه حوله.
وكان من المفترض أن تُثبت القمة الأوروبية الخليجية الفرضية التي يقوم عليها موسم الرياض، أي أن السعودية وجهة لا منطقة صراع، وأن شهية العالم لروزنامة المملكة الترفيهية والاستثمارية تفوق قلقه من الوضع الأمني. وقد اختبر كل قرار خارجي اتُّخذ في أكتوبر هذه الفرضية: فقد وسّعت وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران إرشاداتها، وعلّقت لوفتهانزا رحلاتها، وأرجأ الاتحاد الأوروبي قمته، وسحبت اليابان والبرازيل فريقيهما من نهائيات الرياضات الإلكترونية، وهو نمط لا لبس فيه حتى لو ظلت نهايته غير واضحة.
وحين حدد آل الشيخ موعد 21 أكتوبر أواخر سبتمبر، كان المطار يعمل، والقمة الأوروبية الخليجية مؤكدة في يوم 24 من الشهر، ولم يكن مؤتمر البترول العالمي قد افتُتح بعد ليكتشف أن أبرز أسماء الرؤساء التنفيذيين غابت عنه. وبعد ثلاثة أسابيع، تلقى مقر أرامكو صاروخاً، وأُغلق المطار، وباتت القمة بلا موعد، وأصبحت عبارة «في الوقت المناسب» أفضل إجابة يستطيع أي أحد في الرياض أو بروكسل تقديمها عن موعد عودة أي من ذلك.
أسئلة متكررة
هل ستُوقَّع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في عام 2026؟
على الأرجح لا. فمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة قائمة منذ عام 1990 من دون أن تنتج إطاراً ملزماً، وتأجيل القمة الأوروبية الخليجية الثانية من دون موعد جديد يُسقط الاجتماع على مستوى القادة اللازم لدفع فصلي الاستثمار والطاقة. وقد غطت اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة، المبرمة في مايو 2026 بعد فترة تفاوض تُقاس بالسنوات لا بالعقود، حجم تجارة أصغر بنحو ثلاثين مرة من العلاقة الأوروبية الخليجية، ما يشير إلى أن اتفاقاً أوروبياً خليجياً شاملاً سيتطلب عدة قمم إضافية للقادة حتى في ظروف أفضل كثيراً من تلك السائدة في أكتوبر 2026. والحوار الاستراتيجي بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، المؤكد انعقاده في 20 أكتوبر في قاعة غيلدهول، هو المنتدى الدبلوماسي الخليجي الوحيد الذي لا يزال قائماً هذا الشهر، وهو منصة أصغر بثلاثين مرة من العلاقة الأوروبية الخليجية، باتت تحمل الآن الثقل الدبلوماسي الذي خلّفته قمة الرياض.
هل السفر إلى السعودية آمن في أكتوبر 2026؟
تنصح إرشادات حكومية عدة حالياً بالحذر. فالمملكة المتحدة تنصح بعدم السفر مطلقاً إلى المناطق الواقعة ضمن 10 كيلومترات من الحدود اليمنية (بي بي سي، 2026-10-11)، ومنعت الولايات المتحدة موظفيها من السفر ضمن 20 ميلاً من الحدود (غلف نيوز، 2026-10-07). ووسّعت وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران إرشاداتها بشأن الأجواء السعودية في 9 أكتوبر، وعلّقت مجموعة لوفتهانزا رحلاتها إلى الرياض حتى 16 أكتوبر على الأقل، ولا يزال مطار الملك خالد الدولي مغلقاً من دون موعد معلن لإعادة الفتح. ومطارا جدة والدمام يعملان، وإن كان مطار الدمام قد تعرض لهجوم في 11 أكتوبر (سي إن إن، 2026-10-11)، ويوجّه منظمو مبادرة مستقبل الاستثمار المشاركين عبر مدارج خليجية بديلة.
متى سيُعاد فتح مطار الملك خالد الدولي؟
لم يُعلن أي موعد رسمي لإعادة الفتح. وأفادت قطر تريبيون في 12 أكتوبر بأن الرحلات الجوية عُلّقت على الأقل حتى 17 أكتوبر، ولم تُصدر الهيئة العامة للطيران المدني جدولاً زمنياً علنياً لما بعد ذلك التاريخ. ويوجّه منظمو مبادرة مستقبل الاستثمار المشاركين في المؤتمر عبر مدارج خليجية بديلة لفعالية 26–29 أكتوبر، ما يشير إلى أن السلطات السعودية لا تتوقع إعادة فتح المطار قبل نهاية أكتوبر في أقرب تقدير.
ما كأس آسيا، وهل ستستضيفها السعودية؟
كأس آسيا التي ينظمها الاتحاد الآسيوي لكرة القدم هي البطولة الدولية الأولى لكرة القدم في آسيا، وقد اختيرت السعودية لاستضافتها. وقال الاتحاد الآسيوي لكرة القدم في 15 أكتوبر إنه «منفتح على تأجيل» البطولة (جابان تايمز، 2026-10-15). وقد تراجع سجل السعودية في استضافة الأحداث الرياضية في ظروف الحرب: فدورة الألعاب الآسيوية الشتوية، التي كان مقرراً إقامتها في منتجع تروجينا الجبلي، أُجّلت في يناير 2026، وأُنهيت عقود إنشاء الموقع بعد شهرين. أما كأس العالم 2034، التي مُنحت للسعودية في ديسمبر 2024، فأمامها مدى زمني أطول، لكنها تواجه تساؤلات مماثلة حول البنية التحتية والأمن إذا استمر الصراع الحالي إلى ما بعد 2026.
ما منتدى مسك العالمي ولماذا أُلغي؟
منتدى مسك العالمي مؤتمر سنوي تنظمه مؤسسة مسك، التي أسسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2011. ويركز على تمكين الشباب والتقنية والابتكار، ويستقطب عادة متحدثين دوليين إلى جانب مسؤولين في الحكومة السعودية. وإلغاؤه كلياً لعام 2026 في نوفمبر، وهو الفعالية الوحيدة في قائمة أكتوبر-نوفمبر التي أُلغيت بدلاً من تأجيلها أو نقلها، لافت بشكل خاص بسبب ارتباط ولي العهد الشخصي بالمؤسسة. ويشير الإلغاء إلى قرار اتُّخذ على مستوى ولي العهد، لا إلى تأجيل لوجستي من منظمي الفعاليات استجابةً لقيود في المواعيد.
ويندرج تأجيل القمة ضمن انهيار أوسع لروزنامة الرياض في أكتوبر، يشمل مبادرة مستقبل الاستثمار وموسم الرياض والسؤال عما إذا كانت التجمعات الدولية قادرة على العودة. وتتناول هذه الصورة مادة هل تستطيع الرياض استضافة العالم بينما لا يستطيع مطارها البقاء مفتوحاً؟.
وفي 19 أكتوبر، أكد معهد مبادرة مستقبل الاستثمار النتيجة: فقد أُرجئت إلى 2027 النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار، بعد أن انسحب خمسة من الرؤساء التنفيذيين في وول ستريت؛ فالمؤتمر الذي صمد بعد قضية خاشقجي لم يصمد أمام حرب.
هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English