بيت آل سعودHouse of Saud

الدفاع والأمن

السعودية اعترضت الصاروخ وخسرت الحجة

Patriot MIM-104 missile launches during a live-fire air defence exercise — the system Saudi Arabia relies on to protect Riyadh and King Khalid International Airport from Houthi ballistic missiles and drones

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: أرّخت نسخة سابقة الضربة الصاروخية على مقر أرامكو في الظهران بـ14 أكتوبر وذكرت إصابة أربعة أشخاص، والصحيح أنها وقعت مساء 13 أكتوبر ولم يُبلَّغ عن إصابات. كما نسبت جميع قتلى الهجمات على المطارات العشرين إلى مطار الملك خالد الدولي (وقد سقطوا في مطارات سعودية بين 6 و11 أكتوبر، معظمهم في مطار الملك خالد)، وأرّخت ضربة المسيّرة على محطة الكهرباء في المدينة المنورة بـ1 أكتوبر (والصحيح 29 سبتمبر)، وأرّخت إعلان الأمير خالد بن سلمان بشأن الاتفاقية بـ6 أكتوبر (والصحيح 5 أكتوبر)، وأخطأت في حساب الأيام بين عدة أحداث، وعدّت اعتراض المدينة المنورة خطأً من بين الضربات الواردة في تحقيق رويترز. وقد صُحّحت هذه المعلومات.

الرياض — أعلن التحالف بقيادة السعودية في 15 أكتوبر أن الدفاعات الجوية اعترضت ودمّرت صاروخ كروز فوق منطقة المدينة المنورة. ولم تُسجَّل إصابات أو أضرار. ونفى الحوثيون أي صلة لهم بالأمر، ووصف المتحدث العسكري باسمهم يحيى سريع الرواية السعودية بأنها «كذبة وقحة وسافرة». ولم يحدد بيان التحالف مصدر الصاروخ ولا مساره ولا الهدف المقصود.

المدينة المنورة هي مثوى النبي محمد ﷺ وموضع المسجد النبوي، ثاني أقدس المساجد في الإسلام. ويحمل ملك السعودية لقب خادم الحرمين الشريفين، وهو الأساس الذي تقوم عليه ريادة المملكة للعالم الإسلامي. وعلى مدى أكثر من عقد، قدّمت الرياض حملة اليمن قبل كل شيء بوصفها دفاعاً عن الأماكن المقدسة. وصاروخ كروز في أجواء المدينة المنورة، أياً كان مُطلِقه، يختبر هذا الإطار على نحو لم يفعله أي هجوم على مطار أو منشأة نفطية.

وبعد ساعات من الإعلان، أُرجئت من دون تحديد موعد جديد القمة الأوروبية الخليجية التي كانت مقررة في الرياض في 24 أكتوبر. وأشار الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي إلى ضرورة «ضمان سلامة الوفود المشاركة في ظل استمرار التهديدات». ولا يزال مطار الملك خالد الدولي مغلقاً. وحتى 16 أكتوبر، لم يتحدث الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان علناً عن عملية الاعتراض.

ما الذي أكده التحالف

نشر المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، الإعلان على منصة X في 15 أكتوبر: «اعتراض وتدمير صاروخ كروز في منطقة المدينة المنورة». وكان ذلك كل ما كشفه التحالف. ولم يُعقد بعده مؤتمر صحفي عسكري، ولم تُنشر أي تفاصيل إضافية.

وترك البيان مفتوحاً مصدر الصاروخ ومسار طيرانه وهدفه المقصود ومنظومة الاعتراض التي دمرته. وأفاد منبر إعلامي واحد، هو ديلي قدرت (Daily Qudrat)، بأن «منظومات الدفاع الجوي للتحالف اعترضت الصاروخ في الجو»، غير أن أي مصدر رسمي لم يحدد المنظومة. وأعاد الدفاع المدني السعودي التأكيد على الحظر القائم الذي تفرضه وزارة الداخلية على تصوير مواقع سقوط المقذوفات المعترضة أو النشر عنها أو تداول معلومات بشأنها.

وبشكل منفصل، أعلن التحالف اعتراض طائرة مسيّرة فوق المنطقة الشرقية في اليوم نفسه. وأدرجت صحيفة سعودي غازيت الحادثتين ضمن حصيلة أوسع بلغت 14 صاروخاً وطائرة مسيّرة اعتُرضت خلال الأيام الأخيرة، وهي الفترة الأعنف في الصراع منذ استئنافه. وأسفرت الهجمات على المطارات السعودية بين 6 و11 أكتوبر، ومعظمها على مطار الملك خالد الدولي، عن مقتل 20 شخصاً، بينهم مواطن أمريكي، وإصابة أكثر من 300. أما صاروخ الكروز فوق المدينة المنورة فلم يتسبب في أي أضرار أو إصابات.

والتباين بين طريقة تعامل التحالف مع ضربات المطار وطريقة تعامله مع اعتراض المدينة المنورة هو في حد ذاته مؤشر. فبعد ضربة 10 أكتوبر على مطار الملك خالد الدولي، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أعداد الضحايا. ونشرت بي بي سي والجزيرة الحصيلة في غضون ساعات: 12 قتيلاً و308 أو 309 جرحى. وبعد 13 أكتوبر، حين أصاب صاروخ مبنى إدارياً لأرامكو السعودية في الظهران، أكدت وزارة الطاقة السعودية اندلاع «حريق محدود» وسمّى التحالف الحوثيين. أما بعد المدينة المنورة، فأصدر التحالف بياناً من ست كلمات، ولم يسمِّ أي مهاجم، ولم تنشر الحكومة أي صور أو تقرير عن الأضرار أو تحديث بشأن الإصابات، لأنه لم تكن هناك إصابات يُبلَّغ عنها ولا أضرار تُعرض.

إطلاق صاروخ أرض-جو من طراز MIM-104 باتريوت تابع للجيش الأمريكي خلال تمرين للدفاع الجوي الساحلي، وهو نوع منظومة الاعتراض التي تستخدمها السعودية للتصدي لصواريخ الكروز الحوثية والتهديدات الباليستية
إطلاق صاروخ MIM-104 باتريوت تابع للجيش الأمريكي خلال تمرين بالذخيرة الحية للدفاع الجوي الساحلي في الفلبين، أبريل 2023. ولم يكشف التحالف بقيادة السعودية عن منظومة الدفاع الجوي التي اعترضت صاروخ الكروز فوق منطقة المدينة المنورة في 15 أكتوبر. الصورة: US Marine Corps / Public Domain

من أطلق الصاروخ؟

لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن صاروخ الكروز الذي اعتُرض فوق المدينة المنورة في 15 أكتوبر. ولم ينسب التحالف بقيادة السعودية عملية الإطلاق إلى أحد. ونفى الحوثيون أي تورط نفياً قاطعاً. ولم تؤكد أي جهة مستقلة مصدر الصاروخ أو نوعه.

وجاء نفي سريع، الذي نشره على تيليغرام، محدداً: «تؤكد القوات المسلحة اليمنية أنها لم تنفذ اليوم أي عملية تستهدف الأراضي السعودية». ونشرت وكالة مهر الإيرانية للأنباء النفي تحت عنوان «القوات المسلحة اليمنية ترفض الادعاء السعودي بشن هجوم على المدينة المنورة». ولم يقبل أي منبر إيراني أو مرتبط بالحوثيين الرواية السعودية.

تؤكد القوات المسلحة اليمنية أنها لم تنفذ اليوم أي عملية تستهدف الأراضي السعودية… [إنها] كذبة وقحة وسافرة.

يحيى سريع، المتحدث العسكري باسم الحوثيين، تيليغرام، 15 أكتوبر 2026

وتتجاوز أهمية النفي دورة الأخبار الآنية بسبب ما سبقه. فقد تعهد الحوثيون سابقاً بعدم مهاجمة مدينتي الإسلام المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة. وفي اليوم نفسه، توعّد سريع بمواصلة الضربات على المنشآت النفطية والمطارات السعودية، وهي أهداف سمّاها صراحة، مستثنياً المدينتين المقدستين بشكل لافت.

وبالنسبة إلى الحوثيين، يؤدي النفي وظيفة محددة. فتعهدهم بتجنيب المدينتين المقدستين هو أحد القيود القليلة التي قبلوها علناً. وثبوت مسؤوليتهم عن صاروخ كروز موجّه إلى المدينة المنورة، أو حتى إلى أجوائها، سيكلّفهم مكانتهم لدى الفئات التي يسعون إلى استمالتها: المجتمعات الزيدية، والحلفاء القبليين السنّة في شمال اليمن، والجمهور الإسلامي الأوسع الذي تخاطبه الماكينة الإعلامية للجماعة على نحو متزايد. والنفي ليس مجرد غطاء دبلوماسي، بل هو حماية لصورة حركة تقدم نفسها مدافعةً عن الإسلام.

أما بالنسبة إلى الرياض، فإن غياب جهة تُنسب إليها العملية يضعها في مأزق مختلف. فتسمية الحوثيين تعني اتهام جماعة نفت مسؤوليتها، من دون تقديم أدلة، وستحوّل الحادثة من حدث عسكري إلى مواجهة دينية، وهي مواجهة صوّرها الحوثيون استباقياً على أنها اختلاق سعودي. وقال الدكتور رائد قرملي (Rayed Krimly)، وكيل الوزارة للدبلوماسية العامة، للصحفيين في 15 أكتوبر إن «إيران تواصل تسليح ميليشيا الحوثي وتدريبها ودعمها في انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي»، وإن التصعيد «تشجعه إيران». غير أن هذه اللغة تناولت الحملة الأوسع. ولم يسمِّ أي مسؤول سعودي علناً مصدر صاروخ المدينة المنورة.

ما الذي يميز المدينة المنورة عن الظهران؟

المدينة المنورة هي مثوى النبي محمد ﷺ، وموضع المسجد النبوي، ثاني أقدس المساجد في الإسلام، ومدينة يُذكر اسمها في خطب الجمعة في أرجاء العالم الإسلامي. ولقب الملك سلمان، خادم الحرمين الشريفين، ليس لقباً بروتوكولياً. فهو الأساس الذي تقوم عليه ريادة السعودية لمنظمة التعاون الإسلامي، والمسوّغ لسلطة المملكة على الحج، والسبب الذي يجعل سبعاً وخمسين دولة ذات أغلبية مسلمة تحتكم إلى الرياض في شؤون إدارة الأماكن المقدسة.

عندما يصيب صاروخ منشأة نفطية أو مطاراً، ترد الرياض عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية. يصدر التحالف بياناً، وتتقدم وزارة الخارجية بشكوى، وتطلب السعودية من مجلس الأمن الدولي التحرك، كما فعلت في 9 أكتوبر بعد ضربات المطار. فالمفردات موجودة، والجهاز البيروقراطي يعرف الخطوات.

أما المدينة المنورة فليس لها بروتوكول من هذا النوع. ففي مساء 13 أكتوبر، أصاب صاروخ مبنى إدارياً لأرامكو السعودية في الظهران، فاندلع حريق من دون الإبلاغ عن إصابات، وأكدت وزارة الطاقة الأضرار في غضون ساعات. كانت الحادثة خطيرة لكنها مفهومة: هجوم على منشأة نفطية تعاملت معه وزارة الطاقة والجيش. ولا تتيح المدينة المنورة وضوحاً كهذا. فصاروخ فوق المسجد النبوي لا يمكن تصنيفه إلى جانب صاروخ فوق مصفاة. فالثقل الديني للهدف، حتى لو اعتُرض الصاروخ، وحتى لو لم يُصب أحد، وحتى لو كانت الجهة المطلِقة مجهولة، يضعه في خانة تعجز فيها اللغة العسكرية، وتنطوي فيها اللغة الدينية على مخاطر ليست حكومةٌ أمضت عقوداً في الفصل بين الحرب واللاهوت مستعدةً لتحمّلها.

[أي] تهديد لقدسية [مكة المكرمة والمدينة المنورة] خط أحمر يجب ألا يُتجاوز أبداً.

رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 25 سبتمبر 2026

وقد أدرك رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ذلك حين قال أمام الجمعية العامة إن أي «تهديد لقدسية» المدينتين المقدستين هو «خط أحمر يجب ألا يُتجاوز أبداً». ووصف هجمات الحوثيين الأخيرة على السعودية بأنها «مُستنكرة». كان شريف يخاطب العواصم التي تتشارك توقّع أن يرد خادم الحرمين الشريفين حين تتعرض الأماكن المقدسة للتهديد. وحتى 16 أكتوبر، لم يفعل خادم الحرمين الشريفين ذلك.

المسجد النبوي في المدينة المنورة، وتظهر القبة الخضراء المميزة فوق مثوى النبي محمد ﷺ، تحيط بها المآذن ويطوّقها أفق المدينة وجبال الحجاز
المسجد النبوي في المدينة المنورة، مثوى النبي محمد ﷺ وثاني أقدس المواقع في الإسلام. وتعلو القبة الخضراء قبر النبي. ويحمل الملك سلمان لقب خادم الحرمين الشريفين، وهو الأساس الذي تقوم عليه سلطة السعودية على الحج وريادتها لمنظمة التعاون الإسلامي. وقد اعتُرض صاروخ كروز فوق منطقة المدينة المنورة في 15 أكتوبر. الصورة: Muhammad Mahdi Karim / GFDL 1.2

النمط السابق لـ15 أكتوبر

لم يأتِ صاروخ الكروز فوق المدينة المنورة من دون سوابق. فقد ذكرت السعودية أن الحوثيين حاولوا استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة ثلاث مرات على الأقل بين عامي 2015 و2025. وأكثرها توثيقاً عملية الاعتراض في يوليو 2017 فوق محافظة الطائف، على بعد نحو 65 كيلومتراً من مكة المكرمة، حين أُسقط صاروخ قال الحوثيون إنه كان يستهدف مطار جدة لا المدينة المقدسة.

وفي التصعيد الحالي، تغيّرت الوتيرة. ففي 16 سبتمبر، أعلن التحالف إسقاط طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو مكة المكرمة. ونفى الحوثيون ذلك أيضاً. ودان الملك سلمان، خلال ترؤسه جلسة مجلس الوزراء، ما وصفه بمحاولة «الميليشيا الإرهابية» تكرار استهدافها لمكة المكرمة. وفي 29 سبتمبر، عطّلت طائرة مسيّرة محوّلاً في محطة كهرباء بالمدينة المنورة تغذي المسجد النبوي، ما قطع الإمداد الكهربائي عن أحد أكثر المواقع الإسلامية استقبالاً للزوار. ولم يصدر أي بيان ملكي بعد ذلك الهجوم، ومرّ الرد عبر منظمة التعاون الإسلامي.

ثم، في 15 أكتوبر، أُوقف صاروخ كروز، وهو سلاح أكثر قدرة وأصعب اعتراضاً من الطائرة المسيّرة، فوق منطقة المدينة المنورة. ولم يُعلن في هذه المرحلة من الصراع عن أي اعتراض سابق لصاروخ كروز فوق المدينة المنورة.

حوادث المدن المقدسة في الصراع السعودي-الحوثي، 2017–2026
التاريخ الموقع الحادثة رد الحوثيين الرد الملكي السعودي
يوليو 2017 محافظة الطائف (نحو 65 كم من مكة المكرمة) اعتراض صاروخ نفوا استهداف مكة المكرمة؛ وقالوا إن مطار جدة كان الهدف بيان من التحالف
16 سبتمبر 2026 في طريقها إلى مكة المكرمة اعتراض طائرة مسيّرة نفي إدانة الملك سلمان عبر مجلس الوزراء
29 سبتمبر 2026 المدينة المنورة طائرة مسيّرة أصابت محوّل محطة كهرباء تغذي المسجد النبوي لم يُبلَّغ عن نفي لا بيان ملكي؛ وأصدرت منظمة التعاون الإسلامي إدانة
15 أكتوبر 2026 منطقة المدينة المنورة اعتراض صاروخ كروز نفي؛ ووصف الرواية بأنها «كذبة وقحة وسافرة» لا بيان ملكي حتى 16 أكتوبر

ويُظهر هذا المسار تصاعداً في قدرات الأسلحة، من الصاروخ إلى الطائرة المسيّرة إلى صاروخ الكروز، يقابله تراجع في الرد الرسمي من الديوان الملكي. فقد استدعت المسيّرة التي اتجهت نحو مكة المكرمة في سبتمبر إدانة ملكية عبر مجلس الوزراء. واستدعت ضربة المحوّل في 29 سبتمبر بياناً من منظمة التعاون الإسلامي. أما صاروخ الكروز في 15 أكتوبر فلم يستدعِ حتى الآن سوى إعلان من ست كلمات نشره التحالف على منصة X.

لماذا التزم الديوان الملكي الصمت؟

حتى 16 أكتوبر، لم يُصدر الملك سلمان ولا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أي بيان بشأن صاروخ الكروز الذي اعتُرض فوق المدينة المنورة. ولم تُلقَ أي كلمة، ولم يُعلن عن عقد جلسة لمجلس الوزراء. ونقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) إعلان التحالف ولا شيء أكثر.

غير أن الصمت ليس مطبقاً. فقد تناول قرملي الصراع الأوسع في 15 أكتوبر، إذ قال للصحفيين إن الرياض لا تزال لديها «اتصالات مباشرة مع إيران»، لكن طهران لم تقدم بعد «التنازلات اللازمة للتوصل إلى حل». وكشف أن آخر اتصال مباشر مقترح مع الحوثيين، وهو محادثات في مسقط، رُفض «قبل بضعة أسابيع». وهذه إفصاحات دبلوماسية جوهرية، لكنها جاءت على لسان وكيل وزارة للدبلوماسية العامة، لا على لسان الملك أو ولي العهد.

وتكتسب هذه التفرقة أهميتها بسبب اللقب. فـ«خادم الحرمين الشريفين» صفة شخصية يحملها الملك، وليست مسؤولية لمجلس الوزراء أو وظيفة للتحالف. وحين يدخل صاروخ الأجواء فوق قبر النبي، فإن ما تتوقعه العواصم الإسلامية، من إسلام آباد إلى إسطنبول إلى جاكرتا، هو أن يرد خادم الحرمين الشريفين بنفسه. ولا تفي إحاطة صحفية لوكيل وزارة بشأن دور إيران في الحملة الأوسع بهذا التوقع.

ما تواجهه الرياض هو مشكلة في اختيار السجل الخطابي. فالرد العسكري يتعامل مع الاعتراض بوصفه امتداداً للحرب: مزيد من الغارات الجوية على صنعاء، ومزيد من بيانات التحالف. أما الرد الديني، من خلال كلمة ملكية تستحضر لقب خادم الحرمين الشريفين، أو إدانة من على منابر المساجد، فينطوي على خطر نقل الصراع إلى بُعد عملت المملكة طوال أكثر من عقد على احتوائه. وفي سبتمبر، أطلق المفتي العام الشيخ صالح الفوزان دعوة نادرة للمواطنين إلى الدفاع عن المملكة. ولو ردّ الديوان الملكي على حادثة المدينة المنورة بلغة دينية، لأضفى ثقلاً مؤسسياً على تعبئة قادها حتى الآن عالم دين واحد من دون توجيه رسمي.

ولم تُصدر الدول السبع والخمسون الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي رداً جماعياً على اعتراض 15 أكتوبر. وكان أحدث بيان للمنظمة يتناول المدينة المنورة مؤرخاً في 30 سبتمبر، ويتعلق بضربة المسيّرة على محطة الكهرباء. وبالنسبة إلى العواصم التي وقّعت اتفاقية مكة، ولكل حكومة ذات أغلبية مسلمة تحتكم إلى الولاية السعودية على الحرمين، فإن صمت الرياض يمنحها إذناً ضمنياً بالصمت. فإذا لم يتكلم خادم الحرمين الشريفين، فلا أحد غيره مُلزَم بالكلام.

الملك سلمان ملك المملكة العربية السعودية يلتقي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في الديوان الملكي بجدة، وهو الإطار الرسمي للقصر الذي يستقبل فيه خادم الحرمين الشريفين كبار الزوار الأجانب
الملك سلمان ملك المملكة العربية السعودية في الديوان الملكي بجدة في أغسطس 2016، خلال لقائه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل محادثات بشأن اليمن. وبعد عشر سنوات، لم يُصدر الملك سلمان ولا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أي بيان علني بشأن صاروخ الكروز الذي اعتُرض فوق المدينة المنورة في 15 أكتوبر. الصورة: U.S. Department of State / Public Domain

هل تشمل اتفاقية مكة هذه الحالة؟

صيغت اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة في أغسطس 2026، صراحةً بوصفها ميثاقاً دفاعياً عن الأماكن المقدسة. ووصف مسؤولون أتراك تفويضها بأنه «دفاعي بحت». وأعلن الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع في 5 أكتوبر أن لجنة الاتفاقية وافقت على «تفعيل إجراءات الردع الجماعي… رداً على الهجمات وعلى جميع المسؤولين عنها». واجتمع قادة عسكريون باكستانيون وأتراك وسعوديون في الرياض أواخر سبتمبر لتنسيق الانتشار.

ويُعد اعتراض المدينة المنورة أول اختبار للاتفاقية في مواجهة صاروخ بلغ مدينة مقدسة، أو اقترب منها على الأقل. وقد أُوقف الصاروخ. وبهذا المعنى الضيق، صمد الدرع. لكن الاتفاقية بُنيت للإجابة عن سؤال من يدافع عن الأماكن المقدسة حين لا تستطيع واشنطن ذلك أو لا تريده. ولم تُبنَ لمعالجة ما يحدث بعد نجاح الدفاع حين لا يتبنى أحد الهجوم ولا يُتهم به أحد.

ولا تزال القوات الموعودة بموجب الاتفاقية مكتملة جزئياً فقط. فلم يصادق البرلمان التركي على الاتفاقية. ولم يُكشف عن حجم الانتشار الباكستاني والتركي ولا جدوله الزمني. وكانت رويترز قد أفادت سابقاً بوجود نحو 8,000 عسكري باكستاني في السعودية، وهو رقم يسبق اتفاقية مكة وعلاقته بالالتزام الجديد غير واضحة. وقال وزير الدفاع الباكستاني في 6 أكتوبر إن القتال في اليمن «تخوضه عملياً قوات السعودية نفسها»، وهو تصريح أثار تساؤلات حول ما إذا كان دور باكستان بموجب الاتفاقية استشارياً أو دفاعياً أو شيئاً لم تحدده إسلام آباد بعد. وتتناول هذه التساؤلات مباشرةً مادة هل تستطيع اتفاقية مكة للدفاع خوض الحرب التي استُدعيت من أجلها؟، التي تقيّم ما التزمت به باكستان وتركيا فعلياً بموجب تفعيل الاتفاقية.

وتقع المساهمات الغربية خارج إطار الاتفاقية بالكامل. فقد وافقت واشنطن في سبتمبر على صفقة محتملة بقيمة 24.3 مليار دولار لبيع 48 طائرة F-35A إلى السعودية، لكن مراجعة الكونغرس لم تكتمل. وأفادت سي إن إن في 11 أكتوبر بأن أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي يعملون الآن ضمن قيادة مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية. وأكدت فرنسا إرسال قوات ورادارات ودفاعات جوية إلى ينبع. وأرسلت بريطانيا طائرة تزويد بالوقود من طراز فوياجر تابعة لسلاح الجو الملكي. وهذه ترتيبات ثنائية، لا عمليات انتشار ضمن اتفاقية مكة. فقد وعدت الاتفاقية بدرع إسلامي جماعي للمدينتين المقدستين، فيما نفذت اعتراض المدينة المنورة دفاعاتُ التحالف الجوية التي لم تكشف الحكومة عن تكوينها.

روزنامة صُممت للسلم واختبرتها الحرب

كانت القمة الأوروبية الخليجية مقررة في الرياض في 24 أكتوبر، برئاسة مشتركة بين رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وأظهرت بيانات المفوضية الأوروبية أن الوقود يمثل أكثر من 75 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي من دول مجلس التعاون الخليجي. وقد أزال تأجيلها، المعلن في 15 أكتوبر من دون موعد جديد، أهم حدث دبلوماسي على روزنامة السعودية لفصل الخريف.

ولم تكن القمة الحدث الوحيد المهدد. فـموسم الرياض، المهرجان الترفيهي والثقافي الذي بات ركيزة لهوية المملكة في مرحلة ما بعد النفط، كان من المقرر أن ينطلق في 21 أكتوبر. ومن المقرر عقد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار من 26 إلى 29 أكتوبر. ولم يُؤجَّل أيٌّ منهما رسمياً، لكن مطار الملك خالد الدولي لا يزال مغلقاً بموجب إشعار للطيارين (NOTAM) يسري حتى الساعة 21:00 بالتوقيت العالمي المنسق في 17 أكتوبر، من دون موعد مؤكد لإعادة الفتح من الهيئة العامة للطيران المدني. وألغت الاتحاد للطيران رحلاتها إلى الرياض حتى 19 أكتوبر.

وافتُتح مؤتمر البترول العالمي في الرياض في 11 أكتوبر، بعد يوم واحد من الضربة التي قتلت 12 شخصاً في مطار الملك خالد الدولي؛ ولا يُعرف عدد المندوبين الذين حضروا. والعاصمة التي لا تستطيع استقبال رحلات تجارية لا يسهل عليها استضافة قمة دولية أو مؤتمر للمستثمرين أو مهرجان موسيقي.

ويجعل السياق الاقتصادي من الروزنامة أكثر من مجرد مشكلة مواعيد. فقد توقع البيان التمهيدي للميزانية في سبتمبر عجزاً لعام 2026 قدره 245 مليار ريال، بعد رفعه من 165 ملياراً في الميزانية المعتمدة، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 في المئة، مدفوعاً بتراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المئة. وتتعرض الإيرادات لضغوط من اتجاهات عدة: فقد خفضت أرامكو السعودية سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف لشهر نوفمبر إلى آسيا بمقدار ثلاثة دولارات، ليصبح أدنى من مؤشر عُمان/دبي بخمسة دولارات، وهو أوسع خصم منذ يونيو 2020. وقد أرهق حصار هرمز، واضطرابات خط الأنابيب شرق-غرب، والآن إغلاقات المطارات، كل قنوات التصدير التي تعتمد عليها المملكة. ومبادرة مستقبل الاستثمار وموسم الرياض ليسا ترفيهاً، بل هما الدليل العلني على أن اقتصاد السعودية في مرحلة ما بعد النفط قادر على العمل في ظروف الحرب. وإذا تعذّر عقد أيٍّ منهما في موعده، فإن توقع البيان التمهيدي للميزانية بانتعاش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12.8 في المئة في عام 2027 يفقد ركيزة ثقة المستثمرين التي صُمم للحفاظ عليها.

القناة الخلفية التي لا تصل إلى المدينة المنورة

أكد إفصاح قرملي في 15 أكتوبر بأن الرياض تحتفظ بـ«اتصالات مباشرة مع إيران» ما كان اتفاق التطبيع الذي توسطت فيه الصين عام 2023 قد أرساه: وجود خط دبلوماسي بين الرياض وطهران. وقد بُني الاتفاق، الذي أعاد السفراء وأعاد فتح السفارات، على فرضية أن الرياض وطهران قادرتان على إدارة التوترات الإقليمية عبر الانخراط المباشر بدلاً من حروب الوكالة. وهذه الفرضية تتعرض الآن لضغط من حروب الوكالة ذاتها التي كان يُفترض أن تحتويها. وما لم تنتجه القناة الخلفية هو خط يصل إلى من يطلقون الصواريخ.

وقال قرملي إن آخر اتصال مباشر مقترح مع الحوثيين، وهو محادثات في مسقط، رُفض «قبل بضعة أسابيع». وأفاد تقرير منفصل، لم تؤكده الرياض، بأن السعودية عرضت على الحوثيين وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين عبر وسطاء عُمانيين في سبتمبر. وهذه القناة، إن وُجدت، لم تُثمر شيئاً.

وعرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 11 أكتوبر «تسهيل الحوار بين السعودية واليمن»، وهي عبارة تضع طهران في موقع الوسيط لا الطرف في الضربات. وجاء العرض بعد ثلاثة أيام من قول الرئيس ترمب إن الولايات المتحدة «لن تهاجم إيران في أي وقت قبل الانتخابات النصفية» في 3 نوفمبر. وأفادت وول ستريت جورنال بأن ترمب يتوقع استئناف القصف بعد التصويت.

ولا تتضمن البنية الدبلوماسية، بصيغتها الحالية، أي آلية للتعامل مع صاروخ كروز فوق مدينة مقدسة. فقناة مسقط متوقفة. وقناة إيران الخلفية تعالج القضايا الثنائية لا قرارات الاستهداف الحوثية. وطلب مجلس الأمن الدولي الذي قدمته الرياض بعد ضربات المطار في أكتوبر لم يُفضِ إلى أي قرار.

ويزيد موقف واشنطن هذه الفجوة اتساعاً. فقد استبعد ترمب توجيه ضربات إلى إيران قبل الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر. وأفادت سي إن إن بأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ناشد ترمب مرتين في سبتمبر توجيه ضربات أمريكية إلى الحوثيين، وقد رُفض الطلبان كلاهما. وبعد هجوم المطار في 10 أكتوبر، قال ترمب: «ربما نفعل. سننظر في الأمر»، و«إنهم قادرون على الدفاع. السعوديون مقاتلون جيدون». والمستشارون العسكريون الأمريكيون الذين يزيد عددهم على 100، وصفقة الأسلحة المقترحة بقيمة 24.3 مليار دولار، وتعهد روبيو بأن واشنطن «تعتزم الالتزام» باتفاقية الدفاع الثنائية، كلها مصممة حول الحملة الأوسع: تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمشتريات، والطمأنة الاستراتيجية. ولا تجيب أيٌّ من هذه الأدوات عن السؤال الذي طرحه اعتراض المدينة المنورة: من يرد، وبأي صلاحية، حين يبلغ صاروخ كروز الأجواء فوق المسجد النبوي ولا يتبناه أحد؟

الملك سلمان يستقبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مدينة الملك خالد العسكرية بالسعودية، في لقاء يعكس العلاقة الأمنية السعودية-الأمريكية التي تقع في صميم تنسيق الدفاع الجوي للتحالف
الملك سلمان يستقبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مدينة الملك خالد العسكرية قرب حفر الباطن بالسعودية، مارس 2016. والقناة الخلفية التي تحتفظ بها الرياض مع إيران، والتي أكدها وكيل الوزارة قرملي في 15 أكتوبر، تعالج القضايا الثنائية، لا قرارات الاستهداف الحوثية التي أرسلت صاروخ كروز فوق المدينة المنورة. الصورة: U.S. Department of State / Public Domain

أسئلة متكررة

ما منظومة الدفاع الجوي التي اعترضت صاروخ الكروز؟

لم يحدد التحالف منظومة الاعتراض. وتضم الترسانة العسكرية السعودية منظومات دفاع جوي أمريكية الصنع تعود إلى علاقة شراء ممتدة لعقود مع واشنطن، لكن لم يُكشف عن المنظومة التي تصدت لصاروخ الكروز فوق المدينة المنورة. ولم تُنشر أي صور لعملية الاعتراض أو لحطام الصاروخ أو للاشتباك، كما أن حظر وزارة الداخلية نشر معلومات عن مواقع السقوط يجعل التحليل المستقل لعملية الاعتراض أمراً مستبعداً.

هل تناولت إيران اعتراض المدينة المنورة مباشرة؟

نشرت وكالة مهر الإيرانية للأنباء النفي الحوثي في 15 أكتوبر، مقدّمةً الحدث بوصفه ادعاءً مُختلَفاً عليه لا هجوماً مؤكداً. ولم يتناول أي بيان حكومي إيراني صاروخ المدينة المنورة مباشرة. وقد سبق عرضُ عراقجي في 11 أكتوبر «تسهيل الحوار بين السعودية واليمن» عمليةَ الاعتراض بأربعة أيام، ولم يُحدَّث علناً منذ ذلك الحين.

هل أُجّل موسم الرياض؟

ليس رسمياً. كان من المقرر أن ينطلق المهرجان الترفيهي في 21 أكتوبر. وقد أُجّلت احتفالات اليوم الوطني، من ألعاب نارية وعروض طائرات مسيّرة، إلى أجل غير مسمى في سبتمبر، قبل بدء ضربات المطار الحالية. ولم يُعدَّل وضع موسم الرياض نفسه علناً. ومع إغلاق مطار الملك خالد الدولي وتعليق الرحلات الدولية إلى الرياض، باتت الأسس اللوجستية لحدث يستقطب فنانين وزواراً أجانب موضع شك، لكن الهيئة العامة للطيران المدني لم تربط إغلاق المطار بأي موعد محدد لإعادة الفتح.

هل بلغ صاروخ الكروز حدود مدينة المدينة المنورة؟

قال بيان التحالف إن صاروخ كروز اعتُرض «في منطقة المدينة المنورة». وتترك هذه الصياغة مفتوحاً ما إذا كان الصاروخ فوق المدينة نفسها أو ضواحيها أو المنطقة الإدارية الأوسع. وتمتد منطقة المدينة المنورة الإدارية إلى ما هو أبعد كثيراً من المدينة نفسها. وصاروخ كروز يُعترض فوق أطراف المنطقة يحمل ثقلاً مختلفاً عن صاروخ يُوقف فوق وسط المدينة ومجمّع المسجد. ولم يكشف التحالف ولا أي مصدر آخر عن موقع الحطام أو مسار الطيران أو الارتفاع أو إحداثيات الاعتراض. ولم يتناول أي بيان رسمي التمييز بين «المدينة» و«المنطقة»، كما أن حظر وزارة الداخلية تداول معلومات عن مواقع السقوط يجعل التحقق المستقل أمراً مستبعداً.

وكان اعتراض المدينة المنورة واحداً من سلسلة ضربات دفعت واشنطن إلى إصدار ثلاثة تحذيرات متزامنة تنصح الأمريكيين بتجنب المطارات السعودية، في الوقت ذاته الذي كانت فيه صفقة بيع طائرات F-35 بقيمة 24.3 مليار دولار إلى المملكة قيد مراجعة الكونغرس. والتناقض الناتج في السياسة الأمريكية هو موضوع مادة واشنطن لا تثق بالأجواء السعودية.

وجاء الاعتراض في اليوم نفسه الذي نُشر فيه تحقيق رويترز في حملة إيران على البنية التحتية للطاقة في الخليج، الذي وثّق 135 ضربة على الأقل على 84 موقعاً على الأقل منذ فبراير، نسبت حكومات الخليج أضرارها مراراً إلى «سقوط حطام».

وبعد يومين من اعتراض المدينة المنورة، كسر الدفاع المدني السعودي صمتاً دام ثلاثة عشر يوماً، وأرسل في ليلة 17 أكتوبر رسالة بث خلوي تدعو إلى الاحتماء في الأماكن إلى كل هاتف في الرياض. صمت نظام الإنذار المدني الذي دام 13 يوماً، والذي غطى الفترة التي بلغت فيها هجمات المطار ذروة فتكها، انتهى لا لأن التهديد تراجع، بل لأن كلفة إبقائه طيّ الكتمان باتت غير محتملة سياسياً.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English