بيت آل سعودHouse of Saud

الجغرافيا السياسية

الدوحة تحدثت إلى الطرفين ولم تضمن أياً منهما

Qatar's Amiri Diwan in Doha, seat of the Emir, where Iranian Interior Minister Momeni delivered a message from President Pezeshkian on October 6

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكرت نسخة سابقة أن خطة الأيام السبعة الإيرانية في سبتمبر طالبت بالإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول المجمدة. ولم نعثر على مصدر لهذا الرقم، فحُذف؛ وقد شملت مطالب الخطة الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

الدوحة — أبلغت قطر السعودية في 13 أكتوبر بأن «أمن المملكة وأمن دول مجلس التعاون الخليجي واحد»، وذلك بعد سبعة أيام من جلوس أمير قطر في الديوان الأميري مع مبعوث إيراني يحمل رسالة من الرئيس مسعود بزشكيان. وهذا التسلسل، تضامن علني مع الرياض وقناة مع طهران من خلفه، ليس تناقضاً بل هو جوهر الموقف الدبلوماسي القطري الحالي بأكمله، وهو ما يفسر إبقاء السعودية خط الهاتف مع الدوحة مفتوحاً حتى في الوقت الذي تواصل فيه مقاتلاتها من طراز F-15 ضرب أهداف في أنحاء اليمن.

تحتاج الرياض إلى آلية لخفض التصعيد يمكنها تفعيلها قبل القمة الأوروبية الخليجية في 24 أكتوبر ومؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي يُفتتح بعدها بيومين، وقطر هي الدولة الخليجية الوحيدة القادرة على التحدث إلى إيران من دون أن يمر الحديث عبر تحالف عسكري. أما ما تستطيع الدوحة تقديمه فعلاً، بما يتجاوز نقل الرسائل بين عواصم يتحدث بعضها إلى بعض من دون أن تتلاقى، فهو السؤال الذي لم تجب عنه بيانات تضامنها ولا لقاءاتها الإيرانية الهادئة، فيما تنفد من الروزنامة الأيام التي يُعدّ فيها الغموض استراتيجية.

الاتصالان اللذان يحددان موقف قطر

أسفر الاتصال الهاتفي في 13 أكتوبر بين رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني والأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية عن بيان مكتظ باللغة الدبلوماسية وخالٍ عمداً من التفاصيل. فقد أكدت قطر تضامنها مع الإجراءات التي تتخذها السعودية لحماية «سيادتها وأمنها وسلامها»، ودعت إلى «كافة المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر»، وأيّدت «اتفاقاً شاملاً يحقق سلاماً مستداماً»، لكن النص المنشور لم يسمِّ اليمن ولا الحوثيين ولا إيران. والإغفالات هي الرسالة: فالدوحة تريد أن تعرف الرياض أنها تقف مع المملكة من دون أن توصد أي باب أمام الأطراف التي تقصفها الرياض حالياً.

وكلمة «شامل» تؤدي عملاً يرفض بقية البيان أداءه، لأنها تردد مباشرة المطلب الحوثي بوقف شامل لا مؤقت لإطلاق النار، وهو المطلب ذاته الذي أعاد كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبدالسلام تأكيده في 15 أكتوبر حين رفض المبادرات السعودية لوقف إطلاق النار بوصفها «لا جديد فيها». ويتعذر التحقق من الخارج مما إذا كانت قطر قد اختارت الكلمة عمداً أو استقتها من المفردات الدبلوماسية العامة، لكن التطابق لافت، ولم تتطرق إليه الدوحة ولا الرياض علناً.

وقبل سبعة أيام من اتصال التضامن، استقبل أمير قطر وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في الديوان الأميري في 6 أكتوبر، في لقاء حظي باهتمام أقل مما يستحق. وحمل مؤمني «رسالة من الرئيس بزشكيان»، فردّ الأمير بـ«آراء ومقترحات» لنقلها إلى طهران، وهي لغة وصفها مؤمني لاحقاً بأنها «جيدة وبنّاءة». وبعد أربعة أيام من ذلك اللقاء، وقبل ثلاثة أيام من اتصال التضامن مع فيصل، قتلت الضربة الصاروخية الحوثية على مطار الملك خالد الدولي اثني عشر شخصاً وأوقفت أكثر مراكز الطيران ازدحاماً في السعودية، وارتفعت الحصيلة إلى ثلاثة عشر بعد وفاة ضحية هندي في 11 أكتوبر، بحسب بي بي سي؛ ووصفت وزارة الخارجية القطرية الهجوم بأنه «تهديد مباشر لأمن المنطقة».

ويروي التسلسل القصة التي لن ترويها البيانات: التقت قطر إيران في 6 أكتوبر، وضُرب المطار في 10 أكتوبر، واتصلت قطر بالرياض في 13 أكتوبر. فقد كانت الدوحة متموضعة قناةً قبل أن يجبر التصعيد السعودية على الاعتراف بحاجتها إلى قناة، كما أن وصول بيان التضامن القطري بعد ضربة 10 أكتوبر التي قتلت اثني عشر شخصاً، لا قبلها، يشير إلى أن الاتصال الهاتفي كان رداً على الهجوم بقدر ما كان لفتة تحالف.

مدخل الديوان الأميري القطري في الدوحة، مقر الأمير ومحور القناة الدبلوماسية الخلفية القطرية بين الرياض وطهران
الديوان الأميري القطري في الدوحة، حيث استقبل الأمير وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في 6 أكتوبر، قبل أربعة أيام من الضربة الصاروخية الحوثية على مطار الملك خالد الدولي التي قتلت اثني عشر شخصاً. الصورة: Alex Sergeev / Wikimedia Commons / CC BY-SA 3.0

لماذا تحتاج السعودية إلى قطر بينما بنت عُمان الإطار؟

ظلت القناة الخلفية العُمانية الوسيط الرئيسي بين السعودية والحوثيين منذ ما قبل التصعيد الحالي، وأنتجت وساطة مسقط أقرب ما امتلكه الطرفان إلى بنية دبلوماسية عملية: إطار لخريطة طريق من ثلاث مراحل، ومجموعة من التفاهمات الأولية، والآلية الوحيدة العاملة لتبادل الأسرى حتى صيف 2026. ولم يكن الإطار اتفاقاً لوقف إطلاق النار قط، لكن المبعوث الأممي الخاص هانس غروندبرغ عمل ضمن حدوده لا خارجها، ومنح وجوده كلاً من الرياض وأنصار الله نقطة مرجعية مشتركة باتت خاملة منذ ذلك الحين.

وهذه البنية لا تزال قائمة تقنياً لكنها مجمدة عملياً، لأن صفقة تبادل الأسرى المقررة في يوليو 2026 تعثرت حين جعل التصعيد الطرفين غير راغبين في المضي في إجراءات بناء الثقة تحت النيران. وأشار تقرير مجلس الأمن (Security Council Report) في أكتوبر 2026 إلى أن غروندبرغ وعُمان واصلا محاولات الوساطة من دون تقدم ملموس، فيما سعت مسقط إلى قناتها الثنائية الخاصة مع إيران بشأن الملاحة في هرمز، وهو انخراط يمنح مسقط مصالحها الخاصة في الصراع الأوسع، مصالح لا تتوافق دائماً مع تفضيل الرياض العزل على المهادنة.

ودخول قطر هذا المجال ليس بديلاً عن القناة العُمانية، بل مسار موازٍ يعمل وفق شروط هيكلية مختلفة. فخلافاً لمسقط، لا تملك الدوحة قرباً جغرافياً من الصراع، ولا قوات ملتزمة لأي طرف فيه، وليست عضواً في اتفاقية مكة، التحالف العسكري الذي يربط السعودية وتركيا وباكستان، ما يعني أن الحوثيين لم يصنفوها طرفاً محارباً. وقدّر موقع إيران دوسييه أونلاين أن موقف قطر «مقصود ومرجح أن يكون قابلاً للاستمرار لأسابيع»، شريطة أن يبقى الصراع محصوراً جغرافياً، وأن الدوحة «تسمّي الحوثيين، ولا تقول شيئاً عن إيران، وتُبقي قواتها وأموالها خارج اليمن».

والميزة الهيكلية واضحة بما يكفي: فالأعضاء الثلاثة في اتفاقية مكة أطراف محاربة في نظر الحوثيين، وقطر ليست كذلك بعد، وهو تمييز لا يصمد إلا ما دامت بيانات التضامن القطرية لا تتحول إلى التزامات عسكرية. وبالنسبة إلى إيران، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت قطر قادرة على تحقيق وقف لإطلاق النار، بل بما إذا كانت القناة القطرية قادرة على منح إيران مقعداً على الطاولة التي تُحدَّد فيها الشروط.

ماذا تكسب إيران من عرض الوساطة القطري؟

تكسب إيران تموضعاً بوصفها طرفاً لا غنى عنه في أي تسوية يمنية، بصرف النظر عما إذا كانت التسوية وشيكة. فبعرضها «التسهيل» عبر قطر بدلاً من توجيه الحوثيين مباشرة، تبني طهران فرضية دبلوماسية مفادها أن أي وقف لإطلاق النار لا يمكنه تجاوز المشاركة الإيرانية، سواء كانت إيران تتحكم فعلاً في القرارات العسكرية الحوثية على الأرض أم لا.

واتصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالأمير فيصل في 12 أكتوبر، وقال إن إيران «مستعدة لتقديم أي مساعدة لازمة لتسهيل بدء الحوار بين السعودية واليمن». ووصفت الجزيرة الاتصال بأنه أول تواصل معلن على مستوى وزراء الخارجية منذ وصول التصعيد الحالي إلى المطارات السعودية. وحذّر من أن «الإصرار على النهج العسكري وتجاهل الحل السياسي لن يؤديا إلا إلى زيادة تعقيد الوضع»، وهي صياغة تقدّم إيران بوصفها الطرف الراشد في غرفة مليئة بالمتحاربين. ولم تُصدر السعودية أي رد علني على الاتصال، وهو صمت يتسق مع حرج مؤسسي من الإقرار بالمحادثة أصلاً.

«الإصرار على النهج العسكري وتجاهل الحل السياسي لن يؤديا إلا إلى زيادة تعقيد الوضع».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، 12 أكتوبر 2026

وليس التأطير الإيراني عرضياً ولا خيرياً. فقد لاحظت نيغار مرتضوي (Negar Mortazavi) من مركز السياسة الدولية أن «إيران تتموضع بوصفها طرفاً لا غنى عنه في تسوية إقليمية أوسع»، وكان عراقجي قد اختبر هذا الموقف في سبتمبر حين قدّم عبر قطر خريطة طريق لسبعة أيام تقترح إعادة فتح هرمز مقابل رفع الولايات المتحدة حصارها، وإعفاءات من العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهي حزمة رفضها ترمب ولم تكن الرياض في موقع يسمح لها بقبولها أصلاً. واتصال 12 أكتوبر بفيصل هو استمرار للاستراتيجية ذاتها: فإيران تريد أن تكون على كل طاولة، وقطر هي الدولة التي تواصل ترتيب المقاعد.

لكن الباحث أندرياس كريغ من كينغز كوليدج لندن يحدد القيد الذي لا يستطيع عرض الوساطة الإيراني الإقرار به: «أنصار الله ليست مجرد وكيل إيراني ينتظر التعليمات». فالحوثيون يحتفظون بطموحات سياسية مستقلة، وقاعدة شعبية في أنحاء شمال اليمن، وجهاز عسكري أظهر استقلالية في اتخاذ القرار في اختيار أهدافه وتوقيتها طوال حملة 2026. وإذا كان تقييم كريغ صحيحاً، وقد جاءت الضربة الحوثية على مطار الملك خالد من دون أي إشارة تنسيق واضحة من طهران، فإن عرض إيران للتوسط في الحوار هو عرض لتقديم شيء قد لا تتحكم فيه، وقطر تنقل هذا العرض من دون أن تختبر ما إذا كان بالإمكان الوفاء به.

عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية الإيراني آنذاك، خلال اجتماع دبلوماسي في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا
عباس عراقجي خلال اجتماع دبلوماسي في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. وقد اتصل عراقجي بالأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية في 12 أكتوبر عارضاً المساعدة الإيرانية في «تسهيل بدء الحوار بين السعودية واليمن». الصورة: IAEA Imagebank / Wikimedia Commons / CC BY 2.0

اتفاقية مكة وغياب قطر عنها

حددت صحيفة هآرتس في أوائل أكتوبر تركيا وباكستان بوصفهما ممري الخروج الدبلوماسيين الرئيسيين للسعودية من حرب اليمن، وهو تأطير يضع أعضاء اتفاقية مكة، لا قطر، في موقع الدول التي تملك الثقل اللازم للتوسط في نهاية للحرب. والمنطق بسيط: فلأنقرة حضور عسكري وصناعة دفاعية تستثمر فيها السعودية، ولإسلام آباد رادع نووي والتزامات بالقوات، ولكلتا العاصمتين مصالح مباشرة في بقاء السعودية شريكاً استراتيجياً لا تضاهيها مصالح قطر.

لكن هذا التأطير يخلط بين التحالف والوساطة، لأن تركيا وباكستان قادرتان على الضغط على السعودية نحو التسوية، فهما مستثمرتان في أمن الرياض، لكنهما عاجزتان عن الضغط على الحوثيين نحو التسوية، لأنهما طرفان في التحالف الذي يقاتله الحوثيون. وقد أسفرت زيارة فيدان إلى الرياض عن التزامات دفاعية ثنائية، لا عن محادثة مع القيادة الحوثية أو اتصال هاتفي بطهران. فاتفاقية مكة أداة لخوض الحرب لا لصنع السلام، وأعضاؤها غير مؤهلين هيكلياً لدور الوسيط الذي تحتاج الرياض إلى من يؤديه قبل نهاية أكتوبر.

وتشغل قطر الفجوة التي تركتها الاتفاقية مفتوحة، وتفعل ذلك تحديداً لأنها بقيت خارجها. وقد عزز المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي هذا التمييز في 12 أكتوبر حين قال: «لا نريد استمرار الأعمال العدائية بين بلدين مسلمين، لا سيما أن المنطقة تواجه أصلاً توترات تسببت بها الولايات المتحدة وإسرائيل»، وهو تأطير يضع إيران وقطر في جانب واحد من رواية يُفرض فيها الصراع من الخارج، رواية حرصت الدوحة على عدم مناقضتها حتى وهي تؤكد السيادة السعودية في اتصالات هاتفية منفصلة. والتوتر بين هذين الموقفين حقيقي، لكنه توتر سبق لقطر أن أدارته، ومسألة المدة التي تستطيع فيها الحفاظ على الموقفين معاً تتوقف على مهارتها الدبلوماسية بقدر أقل مما تتوقف على ما إذا قرر الحوثيون اختبارها بإدراج قطر ضمن أهدافهم.

هل تستطيع قطر تلبية ما يطالب به الحوثيون فعلاً؟

يطالب الحوثيون برفع كامل للحصار عن مطار صنعاء، وفتح كامل لميناء الحديدة، والإفراج عن أربع عشرة سفينة يحتجزها التحالف. وعرضت السعودية هدنة لأسبوعين من دون معالجة أي من هذه المطالب، والفجوة بين الموقفين هيكلية، لا مسافة تفاوضية يستطيع وسيط ماهر سدّها بما يكفي من الاتصالات الهاتفية.

وردّ محمد عبدالسلام على المبادرات السعودية لوقف إطلاق النار في 15 أكتوبر بتأطير لم يترك مجالاً لنوع بناء الثقة التدريجي الذي تتوسط فيه الدوحة عادة. وقال لرويترز: «فتح المطارات والموانئ حق إنساني ولا ينبغي استخدامه أداة ضغط»، مقدّماً المطالب لا بوصفها مواقف تفاوضية بل شروطاً مسبقة، أي ثمن الدخول إلى المحادثات لا مضمون الاتفاق. أما المقترح السعودي لوقف إطلاق النار، الذي أوردته صحيفة الأخبار لأول مرة في 18 سبتمبر ونُقل عبر عُمان، فقد عرض هدنة لأسبوعين وفتح محادثات مباشرة مع القيادة الحوثية، لكنه لم يتناول المطار ولا الميناء ولا السفن.

«فتح المطارات والموانئ حق إنساني ولا ينبغي استخدامه أداة ضغط».

محمد عبدالسلام، كبير المفاوضين الحوثيين، 15 أكتوبر 2026

فالهدنة لأسبوعين تعالج البعد العسكري للصراع، بينما تعالج المطالب الحوثية الحصار الاقتصادي الذي يسبق التصعيد الحالي بسنوات والذي تصوّره أنصار الله بوصفه فعل العدوان الأصلي. ويستطيع الوسيط تضييق الفجوة بين موقفين تفاوضيين، لكن قطر لا تستطيع صناعة القرار الاستراتيجي، لدى أي من الطرفين، الذي من شأنه أن يجسر بين تصورين مختلفين تماماً لما يُفترض أن يحققه وقف إطلاق النار. وقد عرض مسؤول حوثي رفيع المنطق لمجموعة الأزمات الدولية بعبارات تجرّده من المفردات الدبلوماسية تماماً: «حصار مقابل حصار، وميناء مقابل ميناء».

ويرى الحوثيون التصعيد الحالي متماثلاً هيكلياً، فالسعودية تحاصر موانئ اليمن والحوثيون يضربون المطارات السعودية، ما يجعل البوادر الإنسانية التي تتوسط فيها قطر خارج صلب الموضوع. وكما كتب عبدالصمد الفقيه (Abdulsamad Elfgeeh) في الجزيرة في 14 أكتوبر، فإن الغرض من المفاوضات الحوثية «لن يكون السعي إلى السلام بل الحصول على متنفس كافٍ»، والمتنفس هو تحديداً ما لم يوفره العرض السعودي في سبتمبر. وتستطيع قطر نقل الرسالة بين الطرفين، لكن الرسالة نفسها لا يستعد أي من الطرفين لسماعها من الآخر، ولم تُبدِ الدوحة أي قدرة، وربما أي رغبة، على تغيير مضمونها قبل إيصالها.

البيوت البرجية التقليدية في صنعاء القديمة، اليمن، المدينة التي يطالب الحوثيون بإعادة فتح مطارها بالكامل شرطاً مسبقاً لمحادثات وقف إطلاق النار
مدينة صنعاء القديمة. ومطلب الحوثيين بإعادة فتح مطار صنعاء بالكامل، إلى جانب رفع الحصار عن ميناء الحديدة، شرط مسبق أعاد كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبدالسلام تأكيده في 15 أكتوبر بوصفه «حقاً إنسانياً» لا موقفاً تفاوضياً. الصورة: Dan from Brussels / Wikimedia Commons / CC BY-SA 2.0

ماذا يحدث إذا انعقدت القمم تحت النار؟

لدى الرياض ثلاث فعاليات كبرى في تسعة أيام، موسم الرياض الذي ينطلق في 21 أكتوبر، والقمة الأوروبية الخليجية في 24 أكتوبر، ومبادرة مستقبل الاستثمار من 26 إلى 29 أكتوبر، ويصبح تنظيم كل منها بوصفه دليلاً على الاستقرار والانفتاح السعوديين أصعب إذا لم تتوقف الضربات الحوثية. والروزنامة هي ما يمنح القناة الخلفية القطرية إلحاحها، لأن السعودية لا تحتاج إلى اتفاق سلام دائم قبل هذه الفعاليات؛ بل تحتاج إلى أساس موثوق للقول إن خفض التصعيد جارٍ.

وقد بدأت مبادرة مستقبل الاستثمار تُظهر الضغط بالفعل. فقد تحول المؤتمر إلى صيغة هجينة بعد ضربات المطار، مع انسحاب مديرين تنفيذيين من بي بي وإكسون موبيل وتوتال إنرجيز من الحضور الشخصي، وعرض المنظمون بدائل منها الوصول بطائرات خاصة إلى الظهران مع نقل بري إلى الرياض. وسيُعقد المؤتمر، فليس لدى السعودية خيار يتضمن الإلغاء، لكن من دون الحضور الفعلي الذي كان غرضه بأكمله. فقد صُممت المبادرة لجمع المديرين التنفيذيين الأجانب في قاعة واحدة مع صناع القرار السعوديين، ولتوليد المصافحات والصفقات الجانبية التي تحرك تدفقات الاستثمار، والاتصال المرئي لا يحاكي ديناميكيات قاعة بُنيت لهذا الغرض.

وتحمل القمة الأوروبية الخليجية رهانات مختلفة لكن الهشاشة ذاتها، لأنها برئاسة مشتركة مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والغرض منها إثبات أن علاقة الخليج بأوروبا نضجت لتتجاوز الاعتماد على الطاقة إلى شراكة استراتيجية تشمل الدفاع والتقنية والاستثمار المناخي. وقد توقع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي في سبتمبر أن تسرّع القمة العلاقات الثنائية، لكن التسريع يصعب الحفاظ عليه حين تُغلق مطارات الدولة المضيفة على فترات متقطعة وتوسّع وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران تحذيرها بشأن الأجواء السعودية.

ويوفر بيان قطر في 13 أكتوبر، بلغته عن «الجهود الدبلوماسية» و«السلام الشامل»، تحديداً نوع السقالات الدبلوماسية التي تحتاج إليها هذه الفعاليات، بصرف النظر عما إذا كان سيقود إلى شيء ملموس. فالقمة الأوروبية الخليجية تحتاج إلى رواية ليست عسكرية حصراً، والدوحة تقدم رواية لم تكن الرياض قادرة على إنتاجها وحدها، وإن كان صمود هذه الرواية أمام المطالب الحوثية التي أعاد عبدالسلام تأكيدها في الأسبوع نفسه سؤالاً لا يبدو أن قطر ولا السعودية مستعدتان لاختباره قبل انقضاء القمم.

من يملأ الفراغ الأمريكي قبل 3 نوفمبر؟

تملؤه قطر بحكم الأمر الواقع. فقد قال ترمب في 8 أكتوبر إن الولايات المتحدة «لن تهاجم إيران في أي وقت قبل الانتخابات النصفية» في 3 نوفمبر، ما أخرج واشنطن من دور الداعم العسكري الموثوق أو المحاور الدبلوماسي طوال نافذة تتزامن مع أهم روزنامة فعاليات للسعودية منذ سنوات.

ولم يكن التصريح مفاجئاً، فقد كان ترمب قد أشار إلى ضبط النفس برفضه خريطة طريق عراقجي لسبعة أيام في سبتمبر، وبتحميل الذخائر على طائرات متجهة إلى السعودية من دون استكمال الإطار السياسي الذي يجعل للأسلحة تماسكاً استراتيجياً. وأرسلت واشنطن أكثر من مئة مستشار عسكري ضمن قيادة مشتركة جديدة للدعم الاستخباراتي، وهو انتشار يوفر قدرة تكتيكية من دون توجيه استراتيجي، والفجوة بين الدعم الاستخباراتي والانخراط الدبلوماسي هي الفجوة التي تحاول قطر ملأها.

وفي هذا الفراغ، تتحدد قيمة قطر بدقة: فهي الدولة الخليجية الوحيدة القادرة على أداء دور الوسيط الدبلوماسي لكل من الرياض وطهران في فترة ابتعدت فيها واشنطن طوعاً عن المحادثة. فعُمان تملك المعرفة المؤسسية لكن قناتها متعثرة. وأعضاء اتفاقية مكة قادرون على الضغط على السعودية لا على الحوثيين. وانضمت مصر إلى قطر في 15 أكتوبر في الدعوة إلى «تفعيل القنوات السياسية والدبلوماسية لحل الأزمة الراهنة»، مضيفةً ثقل القاهرة الدبلوماسي إلى موقف وساطة كان حكراً على الدوحة، لكن مصر لا تملك نفوذاً في صنع القرار الحوثي أكثر مما تملكه قطر.

وللغياب الأمريكي تاريخ انتهاء محدد، وتعرفه الرياض والدوحة كلتاهما. فبعد 3 نوفمبر، ستملك واشنطن إما تفويضاً مُصادقاً عليه لموقفها من إيران، وإما واقعاً سياسياً جديداً يفرض إعادة المعايرة، وفي الحالتين سيتقلص الحيز الدبلوماسي الذي تشغله قطر حالياً مع عودة الاهتمام الأمريكي. والرياض تتسامح الآن مع الرسائل المزدوجة لقطر بدلاً من المطالبة بنوع الاصطفاف غير المشروط الذي ميّز حقبة حصار 2017، وهذا التسامح مقياس لقلة الخيارات المتبقية للسعودية في الأسابيع التي تسبق مبادرة مستقبل الاستثمار والقمة الأوروبية الخليجية، لا علامة على أن التوترات القديمة بين العاصمتين قد حُلّت.

مركز الملك عبدالله المالي في الرياض، حيث كان من المقرر أن يُفتتح مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في 26 أكتوبر وسط الأزمة الإقليمية
مركز الملك عبدالله المالي في الرياض، الذي يستضيف مبادرة مستقبل الاستثمار من 26–29 أكتوبر، وقد تحول المؤتمر إلى صيغة هجينة بعد أن دفعت الضربات الحوثية على المطار مديرين تنفيذيين من بي بي وإكسون موبيل وتوتال إنرجيز إلى إلغاء حضورهم الشخصي. الصورة: Ahmed / Wikimedia Commons / CC BY-SA 4.0

حدود دور الرسول

تقوم المنفعة الدبلوماسية لقطر في هذا الصراع على شرط هيكلي هو أيضاً قيدها الهيكلي: فالدوحة قادرة على التحدث إلى الجميع لأنها لم تلتزم لأحد. فهي ليست في التحالف، ولا في اتفاقية مكة، ولا تموّل الحملة الجوية السعودية، ولا تستضيف أصولاً ضاربة أمريكية، وهذه الغيابات مجتمعة هي السبب في أن وزارة الخارجية الإيرانية ترد على اتصالات قطر وأن القيادة الحوثية لم توصد الباب بعد.

لكن الرسول العاجز عن فرض شروط الرسالة قناةٌ لا وسيط، والمسافة بين هاتين الوظيفتين هي المسافة بين موقف قطر الحالي وأي شيء يشبه وقف إطلاق النار. وقد رأت أنيل شيلاين (Annelle Sheline) من المركز العربي في واشنطن أن السعودية «تعتقد أن الدبلوماسية فشلت وأن الجهود السابقة لاسترضاء الحوثيين لم تؤدِّ إلا إلى توسع طموحاتهم»، وهي قراءة، إن صحت، تختزل القناة القطرية إلى صمام لتنفيس الضغط لا ممر خروج، شيء تبقيه الرياض مفتوحاً لإظهار نشاط دبلوماسي من دون أن تتوقع نتائج دبلوماسية.

ويشير الاتصال المشترك في 15 أكتوبر بين وزيري الخارجية المصري والقطري، الذي طالب بتفعيل «القنوات السياسية والدبلوماسية»، إلى أن الدوحة تحاول توسيع قاعدة وساطتها قبل حلول القمم. وقد لا يُنتج هذا الجهد وقفاً لإطلاق النار، لكنه يمنح الرياض شيئاً تحتاج إليه بالقدر نفسه تقريباً: سجلاً مرئياً لحراك دبلوماسي يجعل القصف يبدو ذراعاً من ذراعي استراتيجية مزدوجة المسار لا السياسة الوحيدة المتبقية للسعودية.

أسئلة متكررة

ما سجل قطر وسيطاً في نزاعات الخليج والشرق الأوسط؟

أدت قطر دور قناة وساطة للإفراج عن رهائن ومحتجزين في اليمن في مناسبات عدة، ونقلت اتصالات عبر القنوات الخلفية خلال المحادثات النووية الإيرانية. ويختلف الجهد الحالي عن الوساطات السابقة لأن السعودية تتعرض لهجوم عسكري نشط، ولأن الرهانات تتجاوز تبادل الأسرى إلى جدوى الروزنامة الاقتصادية والدبلوماسية للرياض. ومن المفارقات أن حصار 2017–2021، الذي قطعت خلاله السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع الدوحة بسبب سياستها تجاه إيران وقناة الجزيرة، جعل قطر أكثر دول مجلس التعاون الخليجي قدرة على الحفاظ على حوار مستقل مع طهران، وهي قدرة تحولت إلى ميزة لا عبء بعد أن أعادت قمة العُلا العلاقات في يناير 2021.

هل لدى قطر أي التزام عسكري في الحملة السعودية في اليمن؟

قطر ليست عضواً في التحالف بقيادة السعودية، وليس لها قوات ملتزمة بموجب اتفاقية مكة، التحالف العسكري المبرم عام 2026 الذي يربط السعودية وتركيا وباكستان. وقدّر موقع إيران دوسييه أونلاين أن قطر «تُبقي قواتها وأموالها خارج اليمن»، وهو الشرط الهيكلي المسبق لمصداقية الدوحة قناةً. وقد جرى لقاء الأمير مع مبعوث إيراني في 6 أكتوبر من دون أي اعتراض معلن من الرياض، ما يشير إلى أن السعودية تقبل عدم انخراط قطر في القتال ثمناً للحفاظ على قناة لا تستطيع تكرارها عبر جهازها الدبلوماسي الخاص.

كيف يؤثر المشهد الإعلامي القطري في موقف الوساطة؟

ترسل وسائل الإعلام القريبة من الدولة في قطر إشارات مزدوجة تعكس توازنها الدبلوماسي. فقد مالت صحيفة الوطن إلى تأطير مؤيد للوساطة يُبرز الدور البنّاء للدوحة في الأزمة، بينما قدّمت صحيفة الشرق الأمن السعودي بوصفه خطاً أحمر خليجياً جماعياً تتشاركه قطر. وتتيح الرسائل المتزامنة للدوحة تقديم نفسها لطهران وسيطاً محايداً وللرياض شريكاً متضامناً من دون إجبار أي من الجمهورين على مواجهة التناقض، وهو تقسيم للأدوار يعزوه موقع إيران دوسييه أونلاين إلى الانضباط التحريري لا إلى المصادفة.

هل يمكن أن يصمد دور الوساطة القطري أمام ضربة حوثية على الأراضي القطرية؟

من شبه المؤكد أن هجوماً حوثياً مباشراً على قطر سينهي قدرة الدوحة على الحفاظ على موقفها غير المنخرط في القتال، وسيفرض عليها خياراً بين التضامن والوساطة تجنبت قطر حتى الآن اتخاذه. ولم يدرج الحوثيون قطر ضمن أهدافهم، إذ تركزت قائمة ضرباتهم على المطارات السعودية ومنشآت أرامكو السعودية والبنية التحتية للتحالف، كما أن المسافة الجغرافية بين قطر ومدى الصواريخ اليمنية توفر قدراً من الحماية لا يتشاركه جيران شبه الجزيرة الخليجيون. وتوسيع الحرب لتشمل الأراضي القطرية سيُزيل القناة الخليجية الوحيدة النشطة حالياً مع طهران، ما يمنح الحوثيين وإيران كليهما سبباً لتركها دون مساس.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English