بيت آل سعودHouse of Saud

الجغرافيا السياسية

الاتفاق النووي وُقّع من دون سلام.. ثم جعل ترمب السلام هو الثمن

Trump and MBS meet in Riyadh during Donald Trump's Saudi Arabia state visit, May 2025

تصحيح، 1 نوفمبر 2026: بقي في النص اقتباسان منسوبان إلى نفتالي بينيت والسيناتور إد ماركي رغم أن ملاحظة المحرر في 12 أكتوبر ذكرت حذفهما، وقد حُذفا الآن، كما حُذفت عبارات تقول إن ماركو روبيو أيّد مشروع قانون لعرقلة اتفاق نووي سعودي، إذ لم يُعثر على مصدر لذلك. ولم يعد ملخص الصفحة يقول إن الاتفاق يتيح التخصيب من دون تطبيع، وهو ما ناقضه ترمب في 23 يوليو.

واشنطن — وقّعت الولايات المتحدة مع السعودية في 22 يوليو اتفاقية للتعاون النووي المدني يُتوقع أن تسري ثلاثين عاماً، وقد تفضي إلى إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم في المملكة بحسب مصدرين نقلت عنهما أسوشيتد برس، ولا تتضمن، بحسب التقارير، أي إشارة إلى التطبيع مع إسرائيل. وقد نحّى النص الموقّع، كما نُقل، جانباً الصفقة التي سادت في عهد بايدن، أي سنوات من الدبلوماسية المكوكية كان فيها وصول السعودية إلى التكنولوجيا النووية رهينة اتفاق سلام. وبعد يوم، أعاد ترمب ذلك الشرط، إذ نشر أن الاتفاق «مشروط تماماً بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام المحترمة جداً والناجحة»، وأنه «لن يكون هناك أي تخصيب للمواد!»

ووقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان اتفاقية 123، التي وصفتها وزارة الطاقة الأمريكية بأنها «اتفاقية تعاون نووي سلمي لشراكة تمتد عقوداً بمليارات الدولارات»، إلى جانب اتفاقية ثنائية للضمانات. وبحسب أسوشيتد برس، يمهّد الإطار الطريق لإنشاء منشأة تخصيب في السعودية بعد دراسة أمريكية-سعودية مشتركة، وقال أحد المصدرين إنه لا يتضمن البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكتب دان شابيرو (Dan Shapiro)، الزميل المتميز في مبادرة سكوكروفت للأمن في الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، أن «الاتفاقية فُصلت عن التطبيع السعودي مع إسرائيل».

ما الذي تخلّت عنه اتفاقية 123 فعلاً؟

تمنح اتفاقية 123، المسماة نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية التي تنظم التعاون النووي الأمريكي مع الدول الأجنبية، السعودية إطاراً للتعاون النووي المدني يُتوقع أن يستمر ثلاثين عاماً وأن يُشرك شركات أمريكية في تطوير البرنامج. وبحسب مصدرين نقلت عنهما أسوشيتد برس، فإنها تمهّد الطريق لإنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية بعد دراسة أمريكية-سعودية مشتركة، وصفها محللو المجلس الأطلسي بأنها دراسة مدتها عامان.

وما لا تتضمنه الاتفاقية لا يقل أهمية عما تتضمنه. فقد أفادت جيروزاليم بوست، نقلاً عن نيويورك تايمز، بأن الاتفاق لا يتضمن التطبيع مع إسرائيل، وهو الشرط الذي ربطته به مفاوضات عهد بايدن. والمرجع الذي يُقاس عليه هو اتفاقية الإمارات لعام 2009 الخاصة بمحطة براكة، التي لم تسعَ إلى التخصيب، وهو نموذج يسمّيه الخبراء «المعيار الذهبي».

وقال رايت إن الاتفاقيات «تلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار»، وهو ادعاء لا يمكن الدفاع عنه إلا إذا عُرّف المعيار بأنه كل ما تتضمنه هذه الاتفاقية بعينها. فالنص لم يُنشر، وبدلاً من البروتوكول الإضافي هناك اتفاقية ضمانات ثنائية أمريكية-سعودية لم تُعلَن شروطها.

قبل توقيع الاتفاقية، كانت السعودية تتجه نحو سقف نووي لا تستطيع تحديده بنفسها. والاتفاق الموقّع يجيب عن ذلك السؤال: فالسقف بات محدداً الآن، ولم يتعين على المملكة التنازل عن أي شيء يتجاوز ما كانت مستعدة لتقديمه أصلاً.

المعيار الذهبي وما حلّ محله

في 2009، أبرمت الإمارات العربية المتحدة اتفاقية 123 لمحطة براكة النووية من دون السعي إلى تخصيب اليورانيوم محلياً. وأصبح ذلك النموذج ما يسمّيه مجتمع منع الانتشار «المعيار الذهبي»، أي المرجع الذي قيست عليه اتفاقيات التعاون النووي الأمريكية اللاحقة.

ولم تكن أهمية المعيار الذهبي فنية فحسب يوماً. فحين تخلّت أبوظبي عن التخصيب، بعثت برسالة سياسية مفادها أن البرامج النووية المدنية في الخليج يمكن أن تعمل ضمن قيود تجعل تطوير الأسلحة صعباً بنيوياً، لا محظوراً بلغة المعاهدات فحسب، بل ممنوعاً مادياً بغياب البنية التحتية للتخصيب. ولم تقبل السعودية المعيار الذهبي في هذا الاتفاق، واتفاقية 123 بصيغتها الموقّعة تمثل قرار واشنطن التوقف عن الإصرار عليه.

وبحسب التقارير، تبتعد الاتفاقية السعودية عن ذلك المعيار. فقد قال مصدران لأسوشيتد برس إنها تمهّد الطريق لإنشاء منشأة تخصيب بعد دراسة مشتركة، وقال أحدهما إنها لا تتضمن البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يتيح عمليات تفتيش أوسع. ولم تُنشر اتفاقية الضمانات الثنائية المرافقة لها. واحتج النائب براد شيرمان بأن الاتفاق يمنح الرياض الضوء الأخضر لإعادة المعالجة والتخصيب.

وقد عكس رد المجلس الأطلسي في 22 يوليو مدى وضوح الانقسام الذي يُحدثه الاتفاق في آراء الخبراء. فقد رسم ماثيو كرونيغ (Matthew Kroenig)، من مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس، الخط الفاصل: «لذلك سيكون من الخطأ السماح بالتخصيب في السعودية في إطار أي اتفاق». أما زميلته جينيفر غوردون (Jennifer Gordon)، التي تدير مبادرة سياسات الطاقة النووية في المجلس، فعنونت مساهمتها «انتصار للولايات المتحدة على روسيا والصين». وقد ظهر التقييمان على الصفحة نفسها، في اليوم نفسه، من المؤسسة نفسها.

ويتبع هذا الانقسام خط صدع يمر عبر مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية بأكملها: هل الأخطر منح السعودية الوصول إلى التخصيب، أم ترك المنافسين الروس والصينيين يملؤون الفراغ؟ وتجيب اتفاقية 123 عن هذا السؤال باختيار الميزة التجارية على قيود منع الانتشار، وستتكشف عواقب هذا الاختيار على مدى عمر الاتفاق البالغ ثلاثين عاماً.

لماذا رُبط الاتفاق النووي بالتطبيع؟

كان الربط خياراً سياسياً متعمداً من بايدن، لا شرطاً قانونياً في قانون الطاقة الذرية. فالمادة 123 تفرض التزامات بمنع الانتشار في أي اتفاقية تعاون؛ لكنها لا تفرض ربط الاتفاق بمعاهدة سلام. غير أن إدارة بايدن تعاملت مع التعاون النووي السعودي بوصفه حافزاً عالي القيمة ضمن حزمة دبلوماسية أكبر تتطلب من محمد بن سلمان تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فإذا أرادت المملكة التكنولوجيا النووية الأمريكية، كان عليها أن تقدم شيئاً تقدّره واشنطن أكثر: اتفاق اعتراف سعودي-إسرائيلي يعيد رسم خريطة المنطقة.

وقد أطاح هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 بالجدول الزمني وبالظروف السياسية التي قام عليها. وحين أُزيل الركام الدبلوماسي، كانت السعودية تصرّ على مسار واضح نحو دولة فلسطينية، وهو شرط لم يكن نتنياهو ليقبله ولم يكن بايدن قادراً على تحقيقه. فتجمّد إطار النووي مقابل التطبيع في مكانه ولم يذُب قط.

ولم يكن انهيار الإطار مجرد ضحية للجدولة. فبعد 7 أكتوبر، اكتسب إصرار السعودية على قيام الدولة الفلسطينية وزناً مختلفاً: إذ صار رفضاً بنيوياً للتطبيع في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، منسجماً مع مبادرة السلام العربية لكنه بات أكثر صرامة في تطبيقه. وظل الاتفاق النووي، المربوط بالتطبيع، معلّقاً بشرط لم تستطع واشنطن ولا القدس تلبيته. وتبيّن أن نفوذ بايدن، الذي بدا هائلاً بما يكفي لإشاعة الثقة في البيت الأبيض في 2023، كان يتوقف كلياً على ظروف لم تكن الإدارة قادرة على التحكم فيها.

ولم يكن نهج ترمب إعادة بناء الإطار بل تفكيكه. فبتوقيع اتفاقية 123 من دون شرط التطبيع، بحسب التقارير، ومن دون ضمانات المعيار الذهبي، أزالت الإدارة الثمن النووي والكلفة الدبلوماسية في آن واحد. وعلى الورق، لم تعد السعودية بحاجة إلى الاعتراف بإسرائيل للوصول إلى التخصيب، إلى أن قال ترمب بعد يوم إنها بحاجة إلى ذلك. فـالاتفاق الذي أمضى السيناتور ليندسي غراهام سنوات في محاولة إبرامه وقّعه رئيس آخر، بشروط أخرى، وبعواقب أخرى.

وقد عبّر شابيرو عن الكلفة بوضوح: «لقد لعبت الولايات المتحدة ورقة قيّمة كان يمكن الاحتفاظ بها». فقد كان النفوذ هو الاتفاق النووي، وبصيغته الموقّعة أُنفق هذا النفوذ على اتفاق خدم الطموحات النووية للمملكة من دون أن يشتري أياً من النتائج الدبلوماسية التي أمضت واشنطن سنوات في محاولة تأمينها.

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يلتقي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الرياض، 14 أكتوبر 2023
وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يلتقي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الرياض في 14 أكتوبر 2023، بعد أسبوع من هجوم حماس في 7 أكتوبر الذي أطاح بالجدول الزمني الدبلوماسي المصمم لربط الوصول السعودي إلى التكنولوجيا النووية بالتطبيع مع إسرائيل. الصورة: US Department of State / Public Domain

ماذا خسرت إسرائيل في 22 يوليو؟

خسرت إسرائيل الثمن. ففي عهد بايدن، كان ثمن الوصول السعودي إلى التكنولوجيا النووية هو التطبيع، وكانت المصالح الإسرائيلية مضمّنة بنيوياً في شروط الاتفاق حتى من دون أن تكون إسرائيل طرفاً فيه. وفي النص الموقّع في 22 يوليو، بحسب التقارير، أُزيل هذا الثمن، وحصلت المملكة على مسار نحو التخصيب من دون الاعتراف بإسرائيل، ومن دون التنازل عن أي شيء بشأن الدولة الفلسطينية، ومن دون أي التزام بالإطار الدبلوماسي الذي أمضى بايدن وبلينكن سنوات في بنائه.

وتتجاوز العاقبة العملية المسألة النووية نفسها. فقد ربط إطار بايدن ثلاث مصالح أمريكية، هي منع الانتشار النووي والسلام الإسرائيلي-العربي والشراكة الاستراتيجية مع السعودية، في صفقة واحدة يتطلب فيها التقدم في إحداها التقدم فيها جميعاً. وقد فصل توقيع 22 يوليو بينها. وفي 23 يوليو، تحرك ترمب لإعادة الربط، قائلاً إن الاتفاق «مشروط تماماً» بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام؛ ولم ترد الرياض فوراً.

الصندوق الأسود على الأراضي السعودية

بحسب التقارير، سيُبقي بند التخصيب القدرة على الأراضي السعودية ضمن إطار يُشرك شركات أمريكية. وسيتوقف البناء على دراسة أمريكية-سعودية مشتركة، وصفها محللو المجلس الأطلسي بأنها دراسة مدتها عامان، ما يعني أن قدرة التخصيب احتمال بنيوي مضمّن في اتفاقية موقّعة لا واقع عملياتي وشيك، وقد قال ترمب منذ ذلك الحين إنه لن يكون هناك تخصيب.

واتفاقية الضمانات الثنائية الموقّعة بدلاً من البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية هي العنصر الأقل فهماً في الاتفاق والأكثر تأثيراً في إنفاذ منع الانتشار. فالبروتوكول الإضافي يمنح مفتشي الوكالة وصولاً أوسع، بما في ذلك إلى مواقع غير معلنة. أما بموجب الترتيب الثنائي، فإن حقوق التفتيش والتحقق تحددها شروط أمريكية-سعودية لم يُكشف عنها علناً. وقد يتبيّن أن الفارق بين التفتيش متعدد الأطراف والثقة الثنائية حاسم على مدى اتفاقية مدتها ثلاثون عاماً، ولا يمكن تقييم تبعاته إلى أن تُنشر الشروط الثنائية.

والسؤال المعلّق فوق الصندوق الأسود هو ما الذي سيحدث لمنشأة مرتبطة بالولايات المتحدة على الأراضي السعودية إذا تدهورت العلاقة الثنائية خلال نافذة الثلاثين عاماً. فـإقصاء السعودية مؤخراً من مسارات دبلوماسية إقليمية متعددة وإعادة الاصطفاف الأوسع في التحالفات الخليجية يذكّران بأنه لا يوجد ترتيب ثنائي، مهما أُحكمت صياغته، بمنأى عن القوى التي تعيد تشكيل العلاقات على مدى عقود. فمنشأة تعمل بوصفها ضمانة أمريكية في 2028 قد تعمل بوصفها شيئاً مختلفاً تماماً بحلول 2050.

محطة براكة الإماراتية للطاقة النووية قيد الإنشاء، يناير 2013، خلال زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو للموقع
موقع إنشاء محطة براكة النووية في أبوظبي، التي بُنيت بموجب الاتفاقية الأمريكية-الإماراتية لعام 2009، التي لم تسعَ إلى التخصيب، وهو النموذج الذي يسمّيه الخبراء «المعيار الذهبي». الصورة: IAEA Imagebank / CC BY-SA 2.0

هل يملك الكونغرس الأصوات اللازمة لعرقلته؟

بمجرد إحالة الاتفاقية الموقّعة رسمياً إلى الكونغرس، تبدأ ساعة مراجعة مدتها تسعون يوماً بموجب قانون الطاقة الذرية. وخلال تلك النافذة، يمكن للكونغرس إقرار قرار مشترك بالرفض، لكن البنية قائمة على النفاذ ما لم يُرفض: فاتفاقيات 123 تدخل عادة حيز التنفيذ ما لم تُقرّ أغلبيات قادرة على تجاوز النقض قرارات مشتركة بالرفض، ويقع العبء الإجرائي بالكامل على المعارضين.

وأعاد الديمقراطيون في مارس تقديم مشروع قانون من الحزبين يعود إلى 2018 يشترط موافقة الكونغرس على أي اتفاقية 123 سعودية، ما يقلب القاعدة الافتراضية في الكونغرس باشتراط الموافقة الإيجابية بدلاً من القبول السلبي. ولم يصبح مشروع القانون قانوناً.

وفي مجلس النواب، انتقد النائب براد شيرمان الاتفاق، محتجاً بأنه يمنح الرياض الضوء الأخضر لإعادة المعالجة والتخصيب. وتتطلب عرقلته أغلبيات قادرة على تجاوز النقض في المجلسين، وهو سقف مرتفع أمام المعارضين.

وتزيد الحسابات السياسية تعقيداً البُعدُ التجاري. فقد توقع شيرمان أن يعود الاتفاق بالنفع على شركة وستنغهاوس، التي تبني مفاعلات الماء الخفيف الكبيرة التي تسعى إليها السعودية، فيما يحتج المدافعون عن الاتفاق بأن السعودية قد تلجأ من دونه إلى روسيا أو الصين. وكان وصف رايت للاتفاقية بأنها «تحقق الرخاء في الداخل والأمن لحلفائنا في الخارج» موجّهاً إلى أعضاء الكونغرس الذين قد تكون لديهم مخاوف تتعلق بمنع الانتشار لكنهم يترددون في التصويت ضد مصالح صناعية محلية. فعملية الكونغرس حقيقية، لكن القاعدة الافتراضية القائمة على النفاذ ما لم يُرفض تُلقي العبء على المعارضين. ويتوفر في تحليل منفصل فحص مفصّل لـالمعارضة الإسرائيلية لاتفاق التخصيب السعودي.

التهمة التي تكتب نفسها

تتداول التهمة من دون حاجة إلى أن تصوغها طهران: فالولايات المتحدة تنفذ حملة قصف جوي على البنية التحتية النووية الإيرانية بينما تمنح في الوقت نفسه مساراً نحو التخصيب للخصم الإقليمي الرئيسي لإيران. وقد طرح شيرمان النقطة مباشرة، قائلاً إن الولايات المتحدة «تقصف إيران لأنها تصرّ على التخصيب وإعادة المعالجة». ومن الصعب دحض هذه المقارنة لأنها ليست مسألة تأويل، بل وصف لما حدث.

والحجة القائلة إن واشنطن تطبق منع الانتشار بانتقائية، إذ تدمّر برنامج تخصيب لدولة بينما تبني برنامج دولة أخرى، باتت الآن مدعومة بتسلسل الأحداث. والمسؤولون الإيرانيون الذين يتحدثون عن الدبلوماسية صباحاً ويوجّهون الضربات بعد الظهر ليسوا معروفين بضبط النفس الخطابي، واتفاقية 123 تمنحهم حجة لا تتطلب أي مبالغة.

وقد حذّر مشرّعون ومجموعات معنية بمنع الانتشار من أن الاتفاق قد يشكّل حافزاً لإيران، ولا سيما أن طهران تراقب منافسها الإقليمي الرئيسي وهو يحصل على مسار نحو التخصيب الذي حُرمت منه إيران وقُصفت لسعيها إليه.

فإذا كان بوسع السعودية الوصول إلى التخصيب تحت إشراف أمريكي، وإذا كانت إيران عاجزة عن الوصول إليه من دون قنابل أمريكية، فإن الحافز لبلوغ قدرة الاختراق النووي قبل أن تصبح المنشأة السعودية عاملة يزداد قوة، لا بدافع الأيديولوجيا بل بدافع التوقيت. والنزاع الإقليمي الأوسع الذي يهدد الآن ممرَّي التجارة البحرية للسعودية كليهما هو الخلفية التي سيجري على وقعها أي تسريع نووي إيراني، وهي خلفية غير مستقرة.

الجائزة من دون الثمن

لمّح محمد بن سلمان إلى أن السعودية قد تسعى إلى برنامج تسلح إذا حصلت طهران على قنبلة، بحسب أسوشيتد برس. وهذا هو السياق الذي وقّع فيه وزير الطاقة في حكومته اتفاقية 22 يوليو، واتفاقية 123، بحسب التقارير، توفر إطاراً قانونياً للجانب المدني من ذلك الطموح.

وعززت صورة التوقيع الرسالة. فقد وقّع الاتفاقية وزير الطاقة لا وزير الخارجية، ما يقدّم التخصيب قراراً يتعلق بالطاقة لا بالأمن. والمسعى السعودي الأوسع لبناء علاقات أمنية في أنحاء المنطقة معزول بعناية عن المسألة النووية، والمسار الوزاري للتوقيع يضمن بقاءه كذلك.

كما تُوجِد اتفاقية 123 توتراً مع أحد مبرراتها نفسها. فقد كانت الحجة التجارية للتوقيع أن السعودية ستسعى إلى التكنولوجيا النووية بتعاون أمريكي أو من دونه، وأن الانخراط الأمريكي سيوفر رقابة وقيوداً لا توفرها الشراكات الروسية أو الصينية. وبند التخصيب يختبر هذه الحجة مباشرة، إذ يمنح قدرة قد لا تكون آليات الرقابة، الثنائية لا متعددة الأطراف وغير المنشورة لا الشفافة، قوية بما يكفي لتقييدها على مدى ثلاثين عاماً.

هاجمت حماس في 7 أكتوبر 2023، فانهار الجدول الزمني للتطبيع. ولم تُحيِه سنوات الدبلوماسية التي تلت. وفي 22 يوليو 2026، وقّعت المملكة الاتفاق النووي من دون اتفاق السلام الذي كان يُفترض أن يكون الثمن، بحسب التقارير، ثم قال ترمب بعد يوم إن الثمن لا يزال قائماً.

الرئيس دونالد ترمب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض خلال زيارة الدولة السعودية، 18 نوفمبر 2025
الرئيس دونالد ترمب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، ونصب واشنطن خلفهما، خلال الزيارة الثنائية في نوفمبر 2025، وهي العلاقة التي وُقّع نتاجها السياسي في 22 يوليو 2026، في اتفاق قال ترمب في اليوم التالي إنه «مشروط تماماً» بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام. الصورة: The White House / Public Domain

أسئلة شائعة

هل تستطيع السعودية بناء سلاح نووي بموجب هذه الاتفاقية؟

لا تجيز اتفاقية 123 تطوير الأسلحة، وبند التخصيب المُبلَغ عنه سيُشرك شركات أمريكية. غير أن الاتفاقية لا تتبع نموذج المعيار الذهبي الذي قبلته الإمارات، وقد لمّح محمد بن سلمان إلى أن المملكة قد تسعى إلى برنامج تسلح إذا حصلت إيران على قنبلة. والطريق من البنية التحتية للتخصيب المدني إلى مواد صالحة للاستخدام العسكري طويل لكنه غير مغلق، واتفاقية الضمانات الثنائية الموقّعة بدلاً من البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تزال غير منشورة، ما يعني أن التقييم المستقل لقيودها متعذّر حالياً.

ماذا يحدث إذا انتهكت السعودية شروط الاتفاقية؟

من حيث المبدأ، تستطيع الولايات المتحدة سحب التعاون النووي إذا انتهكت دولة شريكة التزامات منع الانتشار. أما عملياً، فإن إنهاء اتفاقية موقّعة مع حليف رئيسي منتج للنفط خلال حرب إقليمية دائرة سينطوي على كلفة اقتصادية واستراتيجية هائلة لن تتحملها أي إدارة باستخفاف. ويركّز إطار الضمانات الثنائي عبء الكشف وعبء الإنفاذ كليهما داخل العلاقة الأمريكية-السعودية، ما يُوجِد توتراً متأصلاً بين دور المفتش ودور الحليف صُمّم نظام الوكالة الدولية للطاقة الذرية متعدد الأطراف خصيصاً لتجنبه.

هل كان بإمكان روسيا أو الصين الفوز بالعقد النووي السعودي بدلاً من ذلك؟

تلك كانت الحجة التي طُرحت لصالح الاتفاق. فقد صاغت جينيفر غوردون من المجلس الأطلسي السؤال على أنه ما إذا كانت السعودية ستشارك الولايات المتحدة وحلفاءها أم «تلجأ إلى روسيا أو الصين» لبرنامجها النووي المدني. وبصيغتها الموقّعة، يُتوقع أن تُشرك الاتفاقية شركات أمريكية على مدى ثلاثين عاماً، ما سيصعّب على المورّدين الروس أو الصينيين تولّي قيادة البرنامج حتى لو تغيّرت الظروف السياسية مستقبلاً.

هل لا يزال بإمكان الكونغرس عرقلة الاتفاق؟

مشروع القانون الذي قُدّم من الحزبين في 2018 وأعاد الديمقراطيون تقديمه في مارس 2026 سيشترط موافقة إيجابية من الكونغرس على أي اتفاقية تعاون نووي أمريكية-سعودية، ما يقلب القاعدة الافتراضية الحالية القائمة على النفاذ ما لم يُرفض. ولم يصبح قانوناً. وحتى لو أُقرّ، فسيواجه على الأرجح نقضاً رئاسياً يتطلب تجاوزه أغلبية الثلثين في المجلسين. ويتعين سنّ التشريع قبل انقضاء ساعة المراجعة البالغة تسعين يوماً.

هل أُغلق مسار التطبيع مع إسرائيل نهائياً؟

ليس رسمياً، وقد أعاد ترمب فتحه بعد يوم من التوقيع بقوله إن الاتفاق «مشروط تماماً بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام المحترمة جداً والناجحة». وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إنه من دون هذه الخطوة «يُلغى الاتفاق». ولم ترد الرياض فوراً. فإذا صمد الشرط، يعود الاتفاق النووي حافزاً للاعتراف؛ وإن لم يصمد، فسيتعين على واشنطن إيجاد نفوذ جديد تريده السعودية فعلاً. كما أن شروط المملكة منذ 7 أكتوبر باتت أصعب بنيوياً: فمسار واضح نحو دولة فلسطينية شرطاً للتطبيع مطلب لا يبدو أن أي ائتلاف حاكم إسرائيلي محتمل مستعد حالياً لتلبيته، وإقصاء السعودية من مسارات وقف إطلاق النار والوساطة الجارية لا يمنح الرياض حافزاً فورياً يُذكر لتقديم تنازلات بشأن الاعتراف بإسرائيل بينما تعجز عن تأمين مقعد في المفاوضات التي تعدّها أكثر إلحاحاً.

وسارت دبلوماسية وزارة الخارجية على مسار منفصل عن الملف النووي: إذ يُظهر مقال أثينا تلقّت الاتصال الذي لم يستطع البحر الأحمر تلقّيه كيف كان وزير الخارجية يضغط من أجل ضمانات لحرية الملاحة عبر اتصالات ثنائية.

ملاحظة المحرر، 12 أكتوبر 2026: ذكرت نسخة سابقة من هذا المقال أن الاتفاق النووي الأمريكي-السعودي الموقّع في 22 يوليو أنهى رسمياً الربط بين الوصول السعودي إلى التكنولوجيا النووية والتطبيع مع إسرائيل، وأنه أول اتفاق من نوعه يتيح التخصيب لدولة عربية. وفي 23 يوليو قال الرئيس ترمب إن الاتفاقية «مشروطة تماماً بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام المحترمة جداً والناجحة» وإنه «لن يكون هناك أي تخصيب للمواد!»، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إنه من دون هذه الخطوة «يُلغى الاتفاق»؛ كما أن بند التخصيب أوردته مصادر لم تُكشف أسماؤها، وتعذّر التحقق من مصدر ادعاء «الأول». ونسبت النسخة السابقة أيضاً إلى دان شابيرو اقتباسين لا يردان في تعليقه المنشور لدى المجلس الأطلسي، ودمجت مقاطع من اقتباس منسوب إلى ماثيو كرونيغ، وأخطأت في وصف زيارة الوزير بلينكن إلى الرياض في أكتوبر 2023، وتضمنت اقتباسات من نفتالي بينيت وإيهود باراك والسيناتور إد ماركي، وتفاصيل عن التزامات الإمارات في 2009، وهدفاً سعودياً للقدرة النووية، ورواية عن تحركات وزير الخارجية السعودي في 22 يوليو لم نتمكن من التحقق منها. وقد صُحّحت تلك المقاطع أو حُذفت.

هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English