الدفاع والأمن
تركيا عرضت تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية بينما أُحيلت صفقة F-35 إلى الكونغرس
تصحيح، 1 نوفمبر 2026: ذكر وصف الصفحة أن تركيا تطرح مقاتلات «قآن» ومسيّرات «أكنجي» للسعودية في إطار اتفاق مكة. ولم يقل وزير الخارجية هاكان فيدان إلا إن تركيا لن تواجه مشكلة في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية، ولم يحدد ما ستقدمه؛ وبات الوصف يذكر ذلك.
واشنطن — أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس في 17 سبتمبر بصفقة مقترحة بقيمة 24.3 مليار دولار لبيع ثمانٍ وأربعين مقاتلة شبحية من طراز F-35A إلى السعودية، فاصطدمت الصفقة مباشرة بتقرير لوكالة استخبارات الدفاع يشكك في إمكانية تأمين المواقع التي ستضم أكثر الطائرات سرية في الترسانة الأمريكية، نظراً لاستخدام السعودية تقنيات صينية في منشآت الاتصالات والدفاع. وبعد يومين، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لقناة NTV إن السعودية قد تكون لديها احتياجات عسكرية، «لا سيما في بعض المسائل الفنية»، وإن تركيا «لن تجد أي مشكلة» في تلبيتها. ولم يحدد ما الذي ستزوّده تركيا.
ليس السؤال ما إذا كان الكونغرس سيعرقل الصفقة؛ إذ لم يُقدَّم أي قرار بالرفض، وتمتد مهلة المراجعة البالغة ثلاثين يوماً إلى منتصف أكتوبر. بل السؤال هو ما إذا كانت الرياض قد صمّمت البديل قبل أن تُوجِد واشنطن الحاجة إليه، وما إذا كانت اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقّعة في 7 أغسطس مع تركيا وباكستان قد أُريد لها منذ البداية أن تكون ممراً لشراء الأسلحة يرتدي زيّ الدفاع الجماعي.
ومع عدم اتخاذ أي إجراء في قاعتَي المجلسين بعد ثمانية أيام من مهلة المراجعة البالغة ثلاثين يوماً، لم تتجاوز معارضة الكونغرس للصفقة البالغة 24.3 مليار دولار حتى الآن حدود التصريحات.

جدول المحتويات
الصفقة التي وصلت ومعها اعتراضها
قُدّمت الحزمة، التي تضم ثمانٍ وأربعين مقاتلة F-35A ومحركاً احتياطياً، رسمياً إلى الكونغرس في 17 سبتمبر 2026، ما أطلق مهلة المراجعة الإلزامية البالغة ثلاثين يوماً، التي يمكن خلالها لأي من المجلسين إقرار قرار مشترك بالرفض. وأصدر النائب راجا كريشنامورثي (Raja Krishnamoorthi)، عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، بياناً لم تترك صراحته أي مجال للتحوّط الدبلوماسي.
لا ينبغي لإدارة ترمب المضي في صفقة بيع مقاتلات F-35 المقترحة إلى السعودية في وقت تحذّر فيه أجهزة استخباراتنا نفسها من أنها قد تضع جواهر التكنولوجيا العسكرية الأمريكية في متناول الحزب الشيوعي الصيني.
النائب راجا كريشنامورثي (ديمقراطي - إلينوي)
والفارق بين المعارضة السياسية والاعتراض المؤسسي مهم هنا. فالمشككون في الكونغرس لا يحتجون، كما فعلوا خلال نقاشات صفقات الأسلحة السعودية في عهد أوباما، بأن الأسلحة ستُستخدم لقتل المدنيين في اليمن؛ بل يحتجون بأن الأسلحة ستُخترق قبل أن تخرج من صناديقها، وبأن البيئة الاستخباراتية داخل السعودية لا تتوافق بنيوياً مع البروتوكولات الأمنية التي تتطلبها F-35. هذا ليس اعتراضاً حقوقياً بل اعتراض يتعلق بمكافحة التجسس، وله وزن مختلف في الكابيتول هيل لأنه يستند إلى تقرير لوكالة استخبارات الدفاع.
وللفارق أهمية لسبب ثانٍ. فقد طُردت تركيا من برنامج F-35 في يوليو 2019 لشرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، وهو قرار شراء واعٍ اتخذته أنقرة وهي تعرف عواقبه. أما الحالة السعودية فمختلفة في بنيتها: إذ لا تعترض الوكالة على ما اشترته الرياض من قوة منافسة، بل على ما ركّبته شركات قوة منافسة بالفعل داخل المملكة. فشراء منظومة أسلحة روسية خيار؛ أما استضافة بنية تحتية صينية للاتصالات في المنشآت المجاورة للمنشآت الدفاعية فواقع قائم.
وإذا نجت الصفقة، تصبح السعودية أول دولة عربية تشغّل F-35، وهو إنجاز قدّمته إدارة ترمب، حين وقّعت اتفاقية الدفاع الاستراتيجي الأمريكية-السعودية التي منحت الرياض صفة الحليف الرئيسي من خارج الناتو في نوفمبر 2025، بوصفه محور تحالف أُعيدت معايرته. وإن لم تنجُ، تواجه الرياض واقعاً في سوق السلاح تكتشف فيه الدولة التي وُعدت بالطائرة في إطار صفقة استراتيجية أن أبرز ما تقدمه تلك الصفقة لم يكن يوماً في يد واشنطن بالكامل.
ماذا وجدت وكالة استخبارات الدفاع داخل القواعد السعودية؟
بحسب رواية أسوشيتد برس لتقرير وكالة استخبارات الدفاع، فقد شكّك التقرير في قدرة القوات الأمريكية والسعودية على تأمين المواقع التي ستضم الطائرة، مستشهداً بوصول عسكريين صينيين إلى القواعد السعودية وبالاستخدام الواسع للتقنيات الصينية في منشآت الاتصالات والدفاع في السعودية.
وقد وردت مخاوف منسوبة إلى وكالة الاستخبارات التابعة للبنتاغون نفسه في رسالة مؤرخة في 19 نوفمبر 2025 وجّهها النواب كريشنامورثي وجو كورتني (Joe Courtney) ودونالد نوركروس (Donald Norcross) إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو، قبل عشرة أشهر من إخطار وزارة الخارجية الرسمي بالصفقة.
وسألت رسالة نوفمبر 2025 عن مدى استخدام وزارة الدفاع السعودية خدمات رقمية من شركات صينية بينها هواوي وتشاينا تيليكوم، وعمّا إذا كان بوسع الرياض مقايضة تكنولوجيا F-35 مع بكين. وجاء الإخطار بالصفقة بعد عشرة أشهر، ولا تزال تلك المخاوف موضع جدل في الكونغرس.

الممر الصناعي الدفاعي لاتفاق مكة
تُضفي اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقّعها في 7 أغسطس 2026 ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف، طابعاً رسمياً على الأمن الجماعي بلغة مشابهة لبند الدفاع الجماعي في حلف الناتو: أي هجوم مسلح على أحد الموقّعين يُعدّ هجوماً على الثلاثة جميعاً. ويقوم الاتفاق على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الثنائية بين السعودية وباكستان الموقّعة في 17 سبتمبر 2025، أي قبل عام بالضبط من إخطار وزارة الخارجية الكونغرس بصفقة F-35، وانضمت تركيا بعد نحو أحد عشر شهراً من الاتفاق الثنائي، إذ اتفق مسؤولون اجتمعوا في إسطنبول في 31 أغسطس على إنشاء أمانة عامة في الرياض.
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| 21 فبراير 2024 | الرحلة الأولى لمقاتلة الجيل الخامس التركية «قآن» |
| 17 سبتمبر 2025 | توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الثنائية بين السعودية وباكستان |
| 19 نوفمبر 2025 | رسالة كريشنامورثي/كورتني/نوركروس تنقل مخاوف وكالة استخبارات الدفاع إلى هيغسيث وروبيو |
| 7 أغسطس 2026 | توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك (السعودية، تركيا، باكستان) |
| 31 أغسطس 2026 | اجتماع إسطنبول يتفق على إنشاء أمانة عامة في الرياض |
| 17 سبتمبر 2026 | وزارة الخارجية تُخطر الكونغرس بصفقة F-35A السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار |
| 19 سبتمبر 2026 | فيدان يقول إن تركيا «لن تجد أي مشكلة» في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية |
| 22 سبتمبر 2026 | أستراليا تؤكد تحويل قطع غيار F-35 إلى هونغ كونغ |
| نحو 17 أكتوبر 2026 | انتهاء مهلة المراجعة في الكونغرس البالغة 30 يوماً |
| 2028 | أولى تسليمات «قآن» لسلاح الجو التركي وفق توقعات شركة صناعات الفضاء التركية |
ويصعب التقليل من شأن المخزون العسكري المشترك الذي يتحكم فيه الاتفاق: نحو 1.4 مليون عنصر في الخدمة الفعلية، و3,400 طائرة، و6,000 دبابة، وأكثر من 340 قطعة بحرية، بحسب قراءة الجزيرة لمؤشر «غلوبال فاير باور» لعام 2026. وقال عمر كريم (Umar Karim)، الخبير في السياسة الخارجية السعودية بجامعة برمنغهام، لوكالة الصحافة الفرنسية إن هذا الاصطفاف «موجّه بوضوح نحو إيران ويهدف إلى التصدي لنهج إيران الاستراتيجي الجديد الرامي إلى الهيمنة على منطقة الخليج الأوسع». وذهب ستيفن كوك (Steven Cook) من مجلس العلاقات الخارجية أبعد من ذلك، إذ عنون تحليله «النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بقيادة الولايات المتحدة انتهى. واتفاق مكة يثبت ذلك»، وهو استنتاج ربما يبالغ في تصوير القطيعة لكنه يحدد اتجاه المسار بدقة كافية لإثارة انزعاج واشنطن.
غير أن ما يهم أكثر من لغة المادة 5 هو أجندة التعاون الدفاعي الكامنة تحتها. فتصريح فيدان في 19 سبتمبر بأن تركيا «لن تجد أي مشكلة» في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية، «لا سيما في بعض المسائل الفنية»، لم يحدد ما ستزوّده تركيا، لكن تركيزه على المسائل الفنية أشار إلى الصناعة لا إلى القتال. وحين يكون الإنفاق الدفاعي السعودي مُثقَلاً أصلاً بحرب لا تقوى على تحمّل كلفتها وبعجز في الدفاع الجوي لم تعالجه، تصبح الفجوة بين تحالف أمني قد لا يطلق رصاصة واحدة وقناة شراء زوّدت بالفعل طائرات مسيّرة السمةَ الأبرز أثراً في الاتفاق.
هل تستطيع تركيا فعلاً أن تحل محل F-35؟
ليس كبديل مباشر؛ فمقاتلة «قآن» تعمل بمحركات مختلفة، وتفتقر إلى نضج دمج المستشعرات الذي تتمتع به F-35، ولا يُتوقع أن تبدأ تسليماتها قبل 2028. لكن تركيا لا تحتاج إلى مضاهاة F-35 في كل مواصفة لتغيير الموقف التفاوضي للرياض. فطائرة متاحة قريبة من الجيل الخامس من دون مراجعة في الكونغرس تغيّر الحسابات حتى لو لم تدخل الخدمة السعودية قط.
وتتوقف قدرة تركيا على أن تحل محل F-35 بشكل شبه كامل على الجانب الذي تعتقد الرياض أنها تشتريه من القيمة التي تقدمها الطائرة، لأن «قآن» التركية ليست F-35، ولا تدّعي أنها F-35، ولا تحتاج إلى أن تكون F-35 كي تغيّر ميزان القوة التفاوضية بين الرياض وواشنطن. وقد أتمّت «قآن» رحلتها الأولى في 21 فبراير 2024، وأفاد موقع «بريكينغ ديفنس» في فبراير بأن شركة صناعات الفضاء التركية في «المراحل الأخيرة» من المحادثات بشأن مشاركة السعودية في برنامج «قآن».
فإذا كانت السعودية تشتري قدرة الاختراق الشبحي في مواجهة شبكة دفاع جوي متكاملة لخصم نظير، وهو نمط المهمة الذي صُمّمت له F-35 في مواجهة منظومتَي S-300 وS-400 الروسيتين، فإن «قآن» ليست بديلاً ولن تكون كذلك لسنوات. فالطائرة تعمل في تكوينها الحالي بمحركات GE F-110، لا بمحرك F135 الذي يشغّل F-35. ويوصف المحرك المحلي الذي تخطط له تركيا، TF35000 من إنتاج شركة TEI، بأنه يولّد قوة دفع لا تقل عن 36,000 رطل، مع التخطيط لدمجه واختباره في 2029–2030.

أما إذا كانت الرياض تشتري التنويع الاستراتيجي، أي طائرة قريبة من الجيل الخامس من مورّد خارج عملية المراجعة في الكونغرس الأمريكي، فإن «قآن» تصبح عرضاً مختلفاً جذرياً. فالطائرة لا تحتاج إلى مضاهاة F-35 مستشعراً بمستشعر لإعادة تشكيل الموقف التفاوضي للرياض؛ بل يكفي أن توجد بوصفها منصة ذات مصداقية كافية تجعل الكونغرس يدرك أن احتكار F-35 لقوة الجيل الخامس الجوية في الخليج آخذ في الانتهاء وليس دائماً.
والعرض التركي في مجال المسيّرات أكثر نضجاً وهو موجود بالفعل داخل منظومة المشتريات السعودية. فقد اتفقت الرياض مع بايكار على صفقة لمسيّرات «بيرقدار أكنجي» القتالية الثقيلة في يوليو 2023، ويُدرج سلاح الجو الملكي السعودي الآن ضمن مشغّليها، ما يضع «أكنجي» أقرب بكثير إلى خط المواجهة من أي بديل من المقاتلات المأهولة قيد النقاش. ولا تحل «أكنجي» محل F-35 بأي معنى عقائدي، لكنها تؤدي دور المراقبة المستمرة والضربات الدقيقة الذي تقوم عليه كثير من الطلعات التي تنفذها السعودية فعلاً حين يقصر درعها في الأداء، وتأتي من دون مراجعة في الكونغرس مدتها ثلاثون يوماً أو تقييم لمكافحة التجسس من وكالة استخبارات الدفاع.
والفجوة الزمنية هي الجواب الصادق عن السؤال الذي يطرحه هذا القسم. فتسليمات «قآن» على بعد عامين إلى ثلاثة أعوام، فيما تنتهي مهلة الكونغرس بشأن F-35 في منتصف أكتوبر. وتركيا لا تعرض أن تحل محل F-35 غداً، بل تعرض أن تضمن أن يكون رفض الكونغرس انتكاسة لا يُتماً استراتيجياً، وأن تأتي موافقة الكونغرس في سوق أثبتت فيها الرياض بالفعل أنها لا تعتمد على هذه الموافقة كي تبدأ بناء سلاح جو من الجيل الخامس.
خمسة أيام وغطاء قمرة قيادة واحد وهونغ كونغ
في 22 سبتمبر، بعد خمسة أيام من بدء مراجعة الكونغرس لصفقة F-35 السعودية، أكدت أستراليا تقريراً لبوليتيكو أفاد بأن مكونات لطائرات F-35 كانت متجهة إلى الولايات المتحدة، منها غطاء قمرة قيادة مزوّد بتقنية تشتيت الرادار وباب لحجرة الأسلحة، قد حُوّلت إلى هونغ كونغ. وأفادت بلومبرغ لاحقاً بأن موظفاً في شركة UPS فاته تحذير من وكيل شحن بشأن المسار. ووصف وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارلز (Richard Marles) المكونات المحوّلة بأنها ليست «حساسة»، وهو وصف لا ينسجم بسهولة مع حقيقة أن تقنية تشتيت الرادار هي التجسيد المادي للتخفي، أي الفارق بين مقاتلة تختفي عن الرادار وأخرى لا تختفي.
ولا صلة عملياتية لعملية التحويل بالصفقة السعودية: فقد تعلقت بقطع أسترالية، وإخفاق في الشحن، ووجهة نهائية في هونغ كونغ لا علاقة لها بالرياض. لكنها، بكل المعاني السياسية، وصلت إلى مكاتب موظفي الكونغرس الذين يراجعون الإخطار السعودي في اللحظة ذاتها التي كانت فيها مخاوف وكالة استخبارات الدفاع بشأن البنية التحتية الصينية تحدد مسار النقاش. وتصبح الحجة القائلة إن أكثر تقنيات F-35 حساسية يمكن تأمينها داخل السعودية أصعب بشكل ملموس حين تُحوَّل مكونات لـF-35، منها غطاء مزوّد بتقنية تشتيت الرادار، إلى منطقة تديرها بكين، بعد خمسة أيام من بدء مهلة المراجعة، عبر سلسلة الإمداد الخاصة بالبرنامج نفسه.
ويقوّض الخرق في سلسلة الإمداد أيضاً الحجة الثانوية التي يطرحها مؤيدو الصفقة في الكونغرس: وهي أن بيئة الصيانة السرية لـF-35 تعمل على شبكات معزولة بما يكفي لتحمّل وجود معدات هواوي في منشآت سعودية مجاورة. فغطاء قمرة قيادة ينتقل من أستراليا إلى هونغ كونغ بسبب تحذير شحن فائت يثبت أن المحيط الأمني للبرنامج لا يتجاوز في موثوقيته أضعف حلقاته اللوجستية، وأن أضعف حلقة قد لا تكون في المملكة التي نبّهت إليها الوكالة بل داخل سلسلة إمداد البرنامج نفسه.
وبالنسبة إلى الرياض، تؤدي عملية التحويل إلى هونغ كونغ دور الذريعة والإدانة في آن واحد. فهي تثبت أن تسرب تكنولوجيا F-35 ثغرة تطال البرنامج بأكمله لا ثغرة سعودية بعينها، ما يُضعف حجة إفراد البنية التحتية للاتصالات في المملكة بوصفها خطراً يستوجب الاستبعاد. لكنها تثبت أيضاً أن إضافة مشغّل آخر في بيئة متنازع عليها استخباراتياً تضاعف ذلك الخطر العام بدل أن تعزله، وسيستخدم معارضو الصفقة في الكونغرس الحجتين معاً، لأن أياً منهما ليست خاطئة.
من يتحكم في البنية التي وقّعتها الرياض؟
على الورق، الرياض هي من تتحكم؛ فالأمانة العامة في السعودية. أما عملياً، فتملك تركيا القدرة التصنيعية («قآن» و«أكنجي» و«تي بي 2» والكورفيتات)، وتوفر باكستان الردع النووي الذي لا يستطيع الاتفاق تسميته. ولا تزال ضمانة الدفاع المشترك غير مختبرة، في حين تعمل الروابط الصناعية الدفاعية بالفعل، ما يعني أن البنية تعمل بشروط أنقرة. وقد توصلت فرنسا إلى نتيجة مختلفة: إذ قدّم الالتزام العسكري لماكرون تجاه ينبع، من جنود ورادارات ومنظومات دفاعية، ما لم تقدمه لغة المادة 5 في اتفاق مكة.
وأهم غموض في اتفاق مكة ليس ما إذا كان يعمل معاهدةً حقيقية للدفاع المشترك، وهو سؤال لم يُجب عنه الاتفاق بعد، بل ما إذا كان يُنشئ بنية تتحكم فيها الرياض أو بنية تستوعب الرياض ضمن شروط تُحدَّد في أنقرة وإسلام آباد. فالأمانة العامة في الرياض، لكن القدرة الصناعية الدفاعية ليست فيها في الغالب الأعم. فتركيا تصنع «قآن» و«أكنجي» و«بيرقدار تي بي 2» التي أعادت كتابة قواعد حرب المسيّرات من ليبيا إلى ناغورنو كاراباخ، إضافة إلى الكورفيتات البحرية. وتسهم باكستان بردع نووي لا يعترف به الاتفاق رسمياً، وبقاعدة صناعية عسكرية تنتج مقاتلة JF-17 بالاشتراك مع الصين، أي الصين نفسها التي تشكّل بنيتها التحتية للاتصالات أساس اعتراض وكالة استخبارات الدفاع الذي يهدد صفقة F-35 السعودية.
والاتفاق أيضاً محاولة من أنقرة لتصبح المورّد الدفاعي الرئيسي غير الغربي للخليج في اللحظة نفسها التي باتت فيها قدرة واشنطن على تسليم منصتها التصديرية الأبرز موضع تساؤل. فلم يذهب أردوغان إلى مكة في أغسطس لتوقيع معاهدة دفاع جماعي ضد تهديد لم يستدعِ رداً جماعياً في الأسابيع السبعة التي تلت؛ بل ذهب ليضع تركيا في موقع الدولة التي تصنع ما تحجبه أمريكا، وقد أشار تصريح فيدان في سبتمبر إلى هذا الاتجاه.
ودور باكستان في هذه البنية أكثر محدودية مما يوحي به حجم جيشها. فقد أعلنت وزارة الخارجية في إسلام آباد علناً أنه «لم تجرِ أي نقاشات بشأن إطلاق رد عسكري بموجب اتفاق مكة»، وهي صيغة تقدّم الجاهزية بوصفها مشروطة لا ملتزماً بها، وتقف دون آلية الرد التلقائي التي صُمّمت المادة 5 من ميثاق الناتو لتوفيرها بفارق كبير. كما أن العلاقة الدفاعية العميقة لباكستان نفسها مع بكين، من خط الإنتاج المشترك لمقاتلة JF-17 إلى ميناء غوادر الممول صينياً الواقع على مداخل مضيق هرمز، تزيد تعقيد البيئة الاستخباراتية التي حددتها الوكالة بوصفها الخطر الجوهري على F-35. ويضم الموقّعون الثلاثة على اتفاق مكة تركيا، التي أُبعدت عن برنامج F-35 بسبب شرائها منظومة S-400 الروسية، وباكستان، التي تصنع JF-17 بالاشتراك مع الصين، واختيار الرياض هاتين الدولتين شريكين في الأمن الجماعي في اللحظة التي كانت تطلب فيها من الكونغرس الموافقة على صفقة F-35 بقيمة 24.3 مليار دولار يوحي إما بثقة استراتيجية في قدرتها على الفصل بين تحالفاتها، وإما برهان على أن الصفقة لن تأتي أصلاً وأن الاتفاق كان لا بد أن يعوّض غيابها. وربما كان ما حصلت عليه الرياض حين اشترت سقفاً نووياً لا تستطيع تحديده بنفسها أقل أهمية مما وقّعته في مكة مع شركاء تمثّل سجلات مشترياتهم نفسها النموذج الذي يقوم عليه اعتراض الكونغرس الذي تواجهه السعودية الآن.

هل تحتاج الرياض إلى F-35 أم إلى ورقة الضغط؟
على الأرجح إلى ورقة الضغط. فلا تعالج F-35 ثغرات الدفاع الجوي ولا الدور الردعي المفقود لقاعدة الأمير سلطان الجوية، وهما ما حدّدا هشاشة السعودية في أزمة إيران. وما تقدمه الطائرة هو شهادة اعتماد: تأكيد أن واشنطن تأتمن الرياض على أكثر المنصات حساسية في ترسانتها. وقد تكون لهذه الشهادة أهمية تفوق أهمية الطائرة نفسها.
حصلت السعودية على صفة الحليف الرئيسي من خارج الناتو بموجب اتفاقية الدفاع الاستراتيجي الموقّعة مع واشنطن في نوفمبر 2025، وهي تسمية فتحت باب تسريع شراء الأسلحة وأطر التعاون الدفاعي التي كانت الولايات المتحدة تقصرها سابقاً على دول مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية. لكن الاتفاقية استبعدت عمداً التعهد التنفيذي الصريح الذي منحته واشنطن لقطر: التزاماً بمعاملة أي هجوم على الدولة الشريكة بوصفه تهديداً مباشراً للولايات المتحدة نفسها. وكانت F-35 محور الحصيلة العسكرية، أي العتاد الذي جعل صفة الحليف الرئيسي من خارج الناتو ملموسة لا بروتوكولية، ومن دون الطائرة تصبح الاتفاقية الاستراتيجية إطاراً لا يصل أبرز مُخرجاته أبداً.
أما ما إذا كانت الرياض تحتاج فعلاً إلى F-35 بوصفها منظومة سلاح، لا بوصفها دليلاً على أن واشنطن تعدّ المملكة شريكاً أمنياً من الدرجة الأولى، فسؤال أجاب عنه الشهران الماضيان جزئياً. فقد فقدت قاعدة الأمير سلطان الجوية قيمتها الردعية قبل أن تطلق إيران رصاصة واحدة، لا لأن سلاح الجو الملكي السعودي كان يفتقر إلى المقاتلات الشبحية، بل لأن دور القاعدة موقعاً متقدماً لانتشار الطائرات الأمريكية تعطّل بقرارات سياسية لا تستطيع أي طائرة عكسها. وثغرات الدفاع الجوي التي كشفتها الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات مشكلة صواريخ اعتراضية لا نقص في الطائرات، وF-35 لا تعالج أياً من المشكلتين.
وما تقدمه F-35 ليس القدرة وحدها بل شهادة الاعتماد: أن الرياض اجتازت عتبة مكافحة التجسس لأكثر المنصات حساسية في الترسانة الأمريكية، وأن العلاقة تجاوزت إطار السلاح مقابل النفط القائم على المعاملات إلى شيء أقرب إلى الشراكات الدفاعية المتكاملة التي تقيمها واشنطن مع طوكيو أو كانبيرا. وقد بات الدفاع عن هذه الشهادة أصعب فأصعب أمام اللجان التي تتحكم في الصفقة، في ظل اتساع الاتصالات العسكرية مع بكين، والآن اتفاق للأمن الجماعي يضم دولة طردتها واشنطن من برنامج F-35.
وقد أفرزت استراتيجية السعودية الدفاعية المتنوعة مفارقة: فكلما نوّعت الرياض مورّديها، أفسحت مجالاً أكبر للصين، ما يجعل متطلبات مكافحة التجسس الخاصة بـF-35 أصعب تلبية، ما يدفع إلى مزيد من التنويع بعيداً عن المنصة التي تسببت متطلباتها في التنويع. ولم يُنشئ اتفاق مكة هذه الحلقة؛ بل أضفى طابعاً رسمياً على حلقة بدأت لحظة خلصت الرياض إلى أن الاعتماد على مورّد سلاح واحد يستطيع مجلسه التشريعي عرقلة أي صفقة في أي وقت يمثل نقطة ضعف استراتيجية لا علاقة تستحق الحفاظ عليها بشروط واشنطن.
ولن يسلّم البديل التركي طائرة واحدة قبل عامين إلى ثلاثة أعوام، فيما تُغلق مهلة المراجعة في منتصف أكتوبر. وما يحدث داخل هذه الفجوة، أي ما إذا كانت الرياض ستنتظر أو تغيّر وجهتها أو تقبل F-35 بشروط تقتضي تفكيك البنية التحتية الصينية التي نبّهت إليها الوكالة، سيحدد ما إذا كان اتفاق مكة سيبقى أداة تحوّط أو يصبح البنية التي تحل محل ما لم تستطع واشنطن تقديمه.
أسئلة شائعة
هل نجح الكونغرس يوماً في عرقلة صفقة بيع عسكري خارجي لطائرات F-35؟
كان إبعاد تركيا عن البرنامج في يوليو 2019، بعد شرائها منظومة S-400 الروسية، قراراً من السلطة التنفيذية لا تصويتاً في الكونغرس. واعتباراً من 2024، كان من المتوقع أن تبلغ كلفة برنامج F-35 2 تريليون دولار حتى عام 2088، وهو رقم يمنح المحافظين الماليين أسباباً لتمحيص أي توسيع لقاعدة المشغّلين بمعزل عن نقاش مكافحة التجسس المحيط بالصفقة السعودية.
ما المنصة الرئيسية للتفوق الجوي التي تشغّلها السعودية حالياً؟
يشغّل سلاح الجو الملكي السعودي أربعاً وثمانين مقاتلة من طراز F-15SA سُلّمت بموجب صفقة بيع عسكري خارجي بقيمة 29.4 مليار دولار وُقّعت في ديسمبر 2011، ما يجعل بوينغ F-15 العمود الفقري لأسطول المقاتلات في المملكة. ويتولى أسطول يوروفايتر تايفون المؤلف من اثنتين وسبعين طائرة مهمة التفوق الجوي من الخط الثاني والضربات متعددة المهام، فيما أُحيلت طائرات تورنادو ADV إلى التقاعد ولا تزال تورنادو IDS في الخدمة.
هل لاتفاق مكة بُعد نووي؟
لا تذكر الاتفاقية الأسلحة النووية أو الردع النووي أو التزامات الردع الموسّع في أي من بنودها المنشورة، لكن أحد الموقّعين الثلاثة، أي باكستان، يمتلك ما يُقدَّر بـ170 رأساً نووياً ووسائل الإيصال اللازمة لاستخدامها في أنحاء المنطقة. وقال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لشبكة سي بي إس في مقابلة عام 2018 إنه إذا طوّرت إيران سلاحاً نووياً «فسنحذو حذوها في أسرع وقت ممكن»، ولطالما دارت تكهنات بأن العلاقة الدفاعية الثنائية بين السعودية وباكستان تتضمن تفاهماً غير رسمي على مظلة نووية لم تؤكده أي من العاصمتين أو تنفه. ولا يمتد بند الدفاع الجماعي في اتفاق مكة إلى سيناريوهات الاستخدام النووي أو الرد الانتقامي، لكنه يُضفي طابعاً رسمياً على تحالف عسكري مع دولة مسلحة نووياً في وقت لا يزال فيه الملف النووي الإيراني وطموحات الرياض نفسها في التخصيب، بموجب الاتفاق النووي المدني الأمريكي-السعودي الذي جعله ترمب مشروطاً باتفاقيات أبراهام، بلا حل.
ماذا يحدث إذا انتهت مهلة المراجعة في الكونغرس من دون قرار بالرفض؟
إذا لم يُقرّ مجلس النواب أو مجلس الشيوخ قراراً مشتركاً بالرفض خلال مهلة الثلاثين يوماً، تنتقل الصفقة إلى مرحلة التعاقد، لكن المضي فيها لا يعني التسليم. فقبل التسليم، سيتعين على الرياض إنشاء منشآت صيانة سرية، وتدريب الطيارين والأطقم الأرضية، وأن تثبت لمكتب البرنامج بما يرضيه أن مخاوف وكالة استخبارات الدفاع بشأن البنية التحتية للاتصالات قد عولجت. فموافقة الكونغرس هي بداية عملية الشراء، ومخاوف مكافحة التجسس التي لاحقت الصفقة في مرحلة المراجعة ستلاحق الطائرة في كل مرحلة لاحقة من مراحل الدمج.
ويندرج تأخر شراء F-35 ضمن نمط أوسع من الاتفاقات بلا ضمانات: فثغرة الدفاع المشترك في اتفاقية الدفاع الاستراتيجي تترك الرياض أمام إطار يفتح مسارات لصفقات السلاح من دون أن يُلزم الولايات المتحدة باستخدامها.
ملاحظة المحرر، 12 أكتوبر 2026: ذكرت نسخة سابقة من هذا المقال أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال للصحفيين في نيويورك إن أنقرة ستلبي الاحتياجات العسكرية للرياض، ووصفت ذلك بأنه عرض لمقاتلات بديلة؛ والواقع أن فيدان تحدث إلى قناة NTV التركية في 19 سبتمبر ولم يحدد ما ستزوّده تركيا، وقد عُدّل العنوان تبعاً لذلك. كما أخطأت النسخة السابقة في ذكر الوقت المتبقي من مراجعة الكونغرس، ووصفت أحد عشر يوماً من «صمت» الكونغرس، ونسبت أول تقرير عن تحويل قطع F-35 إلى هونغ كونغ إلى بلومبرغ وقالت إنها مرّت عبر وسيط تابع لشركة لوكهيد مارتن (والواقع أن بوليتيكو كانت أول من نشر خبر التحويل، وأن بلومبرغ أفادت بخطأ في الشحن لدى UPS)، وسمّت ووصفت محركاً تركياً لم يُعثر عليه في أي مصدر، ونسبت اقتباساً خطأً إلى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، واستشهدت بتقييمات للمركز العربي في واشنطن وموقع «ذا كونفرسيشن» ونادي فالداي تعذّر التحقق منها، وتضمنت تفاصيل غير موثقة عن نتائج وكالة استخبارات الدفاع وصفقات المسيّرات والتكاليف. وقد صُحّحت هذه المعلومات أو حُذفت.
هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English