القوات السعودية تضرب صنعاء والمخا، وإعلام الحوثيين يتحدث عن 3 قتلى على الأقل

الرياض — ضربت القوات السعودية صنعاء ومدينة المخا الساحلية في 24 أكتوبر، وفق ما أوردته قناة المسيرة المرتبطة بالحوثيين عبر وكالة الصحافة الفرنسية، إذ قُتل 3 أشخاص على الأقل في ضربة على منزل في العاصمة اليمنية وأصابت نحو 20 ضربة المخا، في تصعيد يمثل أوضح تحوّل حتى الآن عن وضعية الاعتراض الدفاعية التي حافظت عليها السعودية منذ انهيار الهدنة في يوليو 2026. وفي اليوم نفسه الذي كانت فيه المملكة تقصف اليمن، كانت هيئة الدفاع المدني فيها تحذّر السكان في الطائف وينبع ومكة المكرمة وجدة من صواريخ حوثية قادمة، فيما اعترض التحالف صاروخين باليستيين قبل أن يبلغا هدفيهما.
وتطرح العمليات الهجومية والدفاعية المتزامنة سؤالاً لم يجب عنه أي مسؤول سعودي علناً: هل تمثل هذه الضربات التفعيل الرسمي لـ«إجراءات الردع الجماعي» التي أعلنها الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع في 5 أكتوبر بعد اجتماع لجنة ميثاق مكة، أم أن المملكة صعّدت ببساطة وفق جدولها الزمني الخاص؟ فالسعودية تقصف دون قوة نارية أمريكية، بعد أن رفض دونالد ترمب طلبين مباشرين من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتنفيذ ضربات أمريكية على مواقع الحوثيين، ودون استراتيجية خروج أبدى أي أحد في الرياض أو واشنطن استعداداً لوصفها.
جدول المحتويات
- ما الذي أصاب صنعاء والمخا في 24 أكتوبر؟
- كيف انتقلت السعودية من الصواريخ الاعتراضية إلى الغارات الجوية؟
- لماذا تقاتل السعودية دون قوة نارية أمريكية؟
- ماذا حققت عملية فجر اليمن في 19 يوماً؟
- كيف ردّ الحوثيون
- عرض الوساطة الإيراني والحرب التي يغذيها
- ماذا يحدث بعد 3 نوفمبر؟
- الكلفة المدنية التي لا يتحمّل أي طرف مسؤوليتها
- أسئلة شائعة
ما الذي أصاب صنعاء والمخا في 24 أكتوبر؟
ضربت القوات السعودية صنعاء والمحافظة المحيطة بها ومدينة المخا الساحلية على البحر الأحمر في 24 أكتوبر، بحسب قناة المسيرة المرتبطة بالحوثيين عبر وكالة الصحافة الفرنسية. وأفادت المسيرة بنحو 20 ضربة على المخا، وقالت إن ضربة على منزل في صنعاء قتلت 3 أشخاص على الأقل وأصابت عدداً آخر. ولم يؤكد أي مسؤول سعودي الضربات أو يعلّق على الأهداف المحددة.
وجاءت الضربات في يوم كانت فيه السعودية نفسها تتعرض للهجوم، إذ اعترض التحالف صاروخين باليستيين حوثيين استهدفا الطائف وينبع، فيما أصدرت هيئة الدفاع المدني تحذيرات للسكان في ينبع، حيث نشرت فرنسا قوات مؤخراً، وكذلك في الطائف ومكة المكرمة وجدة. وبالنسبة إلى مملكة أمضت معظم الأشهر الثلاثة الماضية في محاولة إسقاط كل ما يرسله الحوثيون شمالاً، فإن قرار إرسال غارات جوية جنوباً في الصباح نفسه يمثل تحولاً تكتيكياً لم تعترف به حتى الإحاطات اليومية للتحالف.
وجميع أرقام الضحايا والضربات في 24 أكتوبر مصدرها قناة المسيرة، القناة التابعة للحوثيين ومقرها بيروت، وقد نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية دون تحقق مستقل. والتمييز مهم، لأن لإعلام الحوثيين سجلاً في تضخيم أرقام الضحايا المدنيين للأسباب نفسها التي تجعل للسعودية سجلاً في التقليل منها، وضباب هذه الحرب تحديداً كان كثيفاً بما يكفي لحجب الحقائق الأساسية، من يضرب ماذا، وبكم طائرة، وبأي أثر، عن كل مراقب خارجي يحاول تتبعها.
أما ما لا خلاف عليه فهو نمط التصعيد في الاتجاه الآخر. ففي 13 أكتوبر، ضرب التحالف مستودع الصباحة للوقود التابع لشركة النفط اليمنية في صنعاء بعد إصدار تحذير بالإخلاء، وأكد المتحدث باسم التحالف تركي المالكي أن الضربات أصابت أيضاً بنية تحتية نفطية في الحديدة وذمار. وفي 18 أكتوبر، قتلت ضربة سعودية على منزل في مديرية سحار بمحافظة صعدة 9 أشخاص على الأقل، بينهم 5 أطفال وامرأتان، بحسب وزارة الصحة التابعة للحوثيين، وأصيب 19؛ ومرة أخرى، لا تأكيد سعودياً.
واستهداف المخا، وهي مدينة ساحلية على البحر الأحمر لا موقع عسكري في الداخل، دالّ في حد ذاته، لأن مسؤولين في التحالف حددوا المدينة نقطة انطلاق للعمليات البحرية الحوثية وإطلاق الطائرات المسيّرة نحو الملاحة التجارية والبنية التحتية الساحلية السعودية. وقرار ضرب مركز سكاني بنحو 20 ضربة في يوم واحد، حتى لو كانت الأهداف المقصودة عسكرية، يحمل ثقلاً تصعيدياً لا يخففه صمت الرياض حيال الأمر.

كيف انتقلت السعودية من الصواريخ الاعتراضية إلى الغارات الجوية؟
صعّدت السعودية من عمليات الاعتراض الدفاعية إلى الغارات الجوية الهجومية في أقل من ثلاثة أسابيع، مدفوعة بوتيرة هجمات حوثية استنزفت مخزونات الصواريخ الاعتراضية أسرع مما كان أي أحد في الرياض قد أعدّ له. وأعلن الأمير خالد بن سلمان في 5 أكتوبر أن لجنة ميثاق مكة اتفقت على «تفعيل إجراءات الردع الجماعي»، وانطلقت عملية فجر اليمن في ذلك اليوم بنحو 100 طائرة مقاتلة للتحالف.
وبدا المسار من إسقاط الصواريخ القادمة إلى قصف المدن اليمنية حتمياً بأثر رجعي، لكنه لم يكن مقدّراً سلفاً، إذ لاحظ أحمد ناجي من مجموعة الأزمات الدولية أن «الرياض لم تكن قد استعدت لهجوم حوثي وكانت تفتقر إلى التنسيق مع القوات اليمنية الحليفة»، وهو حكم يوحي بأن تصعيد المملكة كان ردّ فعل لا خطة استراتيجية، مدفوعاً بالضغط المتراكم للهجمات اليومية لا بخطة حملة متماسكة. ومنحت عبارة الأمير خالد عن «الردع الجماعي» التحالف تفويضاً سياسياً للرد دون تحديد الشكل الذي سيتخذه الرد فعلياً، وقد تكون ضربات 24 أكتوبر على مناطق مدنية في صنعاء والمخا الإجابة عن سؤال لم يكن حتى مخططو التحالف أنفسهم قد حسموه بالكامل حين أطلقوا العملية.
و«الأهداف عالية القيمة» تعبير عسكري ملطّف قد يعني أي شيء من مخبأ قيادة حوثي إلى شاحنة وقود متوقفة على طريق خارج صعدة، وقد وصفت أبريل لونغلي آلي من معهد واشنطن، وهي من أكثر المراقبين تدقيقاً في هذه الحرب، نتائج الحملة بأنها «متباينة»، وهي طريقة مهذبة للقول إن القصف لم يوقف الصواريخ عن الانطلاق شمالاً. وجاءت الضربات على صنعاء والمخا في 24 أكتوبر في اليوم نفسه الذي أطلق فيه الحوثيون صواريخ باليستية على الطائف وينبع، ما يعني أن التحالف كان يضرب عاصمة اليمن والحوثيين يضربون المناطق الغربية للسعودية في آن واحد، في تصعيد متبادل لم تُصمَّم القدرة العسكرية لأي من الطرفين لتحمّله إلى ما لا نهاية. وبينما كانت الطائرات السعودية تضرب صنعاء والمخا، شنّ الحوثيون في الوقت نفسه هجمات على مقر خفر السواحل ومطار عدن، مستهدفين القوات الأمنية للحكومة المدعومة من السعودية في العاصمة المؤقتة في اليوم نفسه.
والتصعيد إلى ضرب المناطق الحضرية، صنعاء والمخا وصعدة، هو الخطوة التي تفصل عملية فجر اليمن عن الوضعية الدفاعية التي حافظت عليها المملكة طوال معظم يوليو وأغسطس وسبتمبر. ولم يربط أي مصدر سعودي صراحة ضربات 24 أكتوبر بإعلان الأمير خالد عن «الردع الجماعي»، ومعاملة هذه الصلة على أنها مثبتة لا مستنتجة سيكون خطأً، لكن المسار من الصواريخ الاعتراضية إلى الغارات الجوية كان مرئياً لكل متابع: مستودعات الوقود أولاً، ثم البنية التحتية النفطية، ثم المدن.
لماذا تقاتل السعودية دون قوة نارية أمريكية؟
وجّه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان طلبين مباشرين إلى دونالد ترمب في سبتمبر 2026 لتنفيذ ضربات أمريكية على مواقع الحوثيين، بحسب موقع أكسيوس، ورُفض كلاهما. وقال ترمب علناً إن الولايات المتحدة «لن تهاجم إيران في أي وقت قبل انتخابات التجديد النصفي» في 3 نوفمبر، وهو تصريح أبلغ الرياض فعلياً بأن تخوض حربها بنفسها لشهر على الأقل وربما أكثر، تبعاً لتصويت الناخبين الأمريكيين.
ولم تتخلَّ الولايات المتحدة عن السعودية تماماً، إذ ذكرت سي إن إن أن الدعم يقتصر على تبادل المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف وأكثر من 100 مستشار عسكري منتشرين مع القوات السعودية، لكن الفجوة بين الدعم الاستخباري ونوع القوة النارية الأمريكية التي قلبت الموازين في نزاعات خليجية سابقة هي الفجوة بين مستشار وجندي، وقد اكتشفها ولي العهد في اللحظة نفسها التي يطلق فيها الحوثيون على المدن السعودية صواريخ أكثر من أي وقت منذ انهيار الهدنة. وحقيقة أن السعودية تنتظر الانتخابات الأمريكية لتحدد ما إذا كانت ستحصل على قنابل أمريكية تقول عن حال التحالف أكثر مما يمكن أن يقوله أي بيان من أي من العاصمتين.

وأقرّ وزير الدفاع الباكستاني بأن «الجيش الذي يقاتل هو جيش السعودية»، فيما تؤدي باكستان وتركيا دوراً داعماً. ولخّصت دانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، المأزق بدقة، إذ قالت للجزيرة إن السعودية سترد «بقوة كبيرة»، لكنها أضافت: «ما زلت أعتقد أن السعوديين يريدون على الأرجح خفض التصعيد». والرغبة في خفض التصعيد مع قصف المدن في اليوم نفسه تناقض لم تحسمه المملكة، ورفض ترمب حسمه نيابة عنها ترك ولي العهد يقاتل وحده.
والعواقب العملياتية قابلة للقياس حتى لو لم تكن العواقب الاستراتيجية كذلك بعد. فالمملكة تدير حملتها الجوية دون طائرات الحرب الإلكترونية وطائرات التزود بالوقود جواً وسلسلة إعادة الإمداد بالذخائر الموجهة بدقة التي جلبها الجيش الأمريكي إلى كل عملية جوية للتحالف خلال التدخل السعودي الأول في اليمن منذ عام 2015 فصاعداً. وقد أنفقت المملكة المليارات على العتاد الأمريكي، من طائرات F-15SA وبطاريات باتريوت ومنصات أواكس، لكن العتاد دون البنية اللوجستية الأمريكية التي تبقيه في الجو أصل يفقد قيمته، وكل طلعة فوق اليمن تستنزفه أكثر.
ماذا حققت عملية فجر اليمن في 19 يوماً؟
أعلن التحالف تدمير 324 هدفاً عالي القيمة منذ 5 أكتوبر، لكن المقياس الأكثر دلالة هو الذي لا ينشره: عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية التي بلغت المدن السعودية أو اعتُرضت فوقها في الفترة نفسها. وقد أثار معدل استهلاك الصواريخ الاعتراضية تساؤلات حول ما تبقى من مخزونات الدفاع الصاروخي السعودي، وحقيقة أن الدفاع المدني كان يحذّر أربع مناطق غربية في اليوم نفسه الذي كان فيه التحالف يقصف المخا توحي بأن الحملة الجوية لم تُضعف بعدُ قدرة الإطلاق الحوثية بأي شكل يلمسه المدنيون السعوديون.
وخلصت آلي في معهد واشنطن إلى أن «نصراً عسكرياً حاسماً على المستوى الوطني لأي من الطرفين يظل مستبعداً للغاية»، وهو حكم يحمل وزناً لأن آلي تتابع اليمن منذ مدة أطول من معظم المحللين ولأن البيانات تدعم حذرها. وقالت إن ضربة المطار في 10 أكتوبر عمّقت دورة تصعيد كانت جارية أصلاً، دورة تستجلب فيها كل ضربة سعودية رداً حوثياً ويستدعي فيها كل رد حوثي تصعيداً سعودياً، دون أن يحقق أي من الطرفين اليد العليا استراتيجياً.
لدى السعودية خيارات جيدة قليلة. فالتصعيد يأتي بتكاليف ولا يتيح مخارج واضحة أو فورية، والاستسلام سيُظهر المملكة ضعيفة ويستدعي مزيداً من العدوان من إيران والقوى الوكيلة لها.
مركز صوفان، 15 أكتوبر 2026
وهذا التقييم، أي غياب أي حركات جيدة على الرقعة، هو نوع الطريق الاستراتيجي المسدود الذي ينتج عادة إما تسوية تفاوضية أو حرباً أوسع بكثير، ولا دليل على أن أياً منهما وشيك. وذكرت سي إن إن أن الرياض توقفت «دون أي نشر كبير لقواتها» في اليمن حتى منتصف أكتوبر، وهو ضبط للنفس قد يعكس حذراً عملياتياً أو الدروس المؤلمة للتدخل الأول، حين اكتشفت القوات البرية السعودية الداخلة إلى اليمن أن القوة الجوية والواقع على الأرض ليسا الشيء نفسه، وأن الأرض المقصوفة من الجو لا تبقى خالية دون جنود عليها.
كيف ردّ الحوثيون
ردّ الحوثيون بوعود بالإيلام وبالقدرة العملياتية على تنفيذ بعضها على الأقل. فقد حذّر المتحدث العسكري يحيى سريع في 13 أكتوبر، بعد ضرب التحالف مستودع الصباحة للوقود، من أن أي ضربات على صنعاء ستستجلب رداً شديداً على الرياض، وسمّى أهدافه بدقة من أعدّ حزم الضربات سلفاً: مقر أرامكو السعودية في الظهران، ومصفاة أرامكو في الرياض، ومطار الملك خالد الدولي. وطلب من المدنيين قرب منشآت أرامكو الإخلاء، في محاكاة لتحذيرات الإخلاء التي أصدرها التحالف نفسه قبل ضرباته في اليمن، وهو تماثل متعمد لم يفت أحداً من المتابعين. وفي 25 أكتوبر، زعم سريع تنفيذ ضربات على مصفاة رابغ ومحطات ضخ خط أنابيب شرق-غرب، منفذاً جزءاً من قائمة الأهداف المعلنة؛ ولم تؤكد السعودية أي أضرار.
ووسّع محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي للحوثيين، نطاق التهديد ليشمل الولايات المتحدة، إذ قال لوكالة الصحافة الفرنسية إن دخول أمريكا الحرب سيستجلب «رداً سريعاً ومؤلماً» يستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة. وبالنظر إلى أن القوات الأمريكية تقدّم أصلاً معلومات استخبارية ومساعدة في تحديد الأهداف، فإن الخط الفاصل بين «خارج الحرب» و«داخل الحرب» أرفع مما توحي به تصريحات ترمب العلنية، ويبدو أن الحوثيين يدركون ذلك.

وقد نمت قدرة الحوثيين على دعم خطابهم بالعتاد بشكل كبير خلال هدنة 2022–2026، وهي فترة وسّعت فيها أنصار الله قدرتها على تصنيع الطائرات المسيّرة محلياً وتلقت دعماً تقنياً إيرانياً أكبر، بحسب مركز صوفان. والصاروخان الباليستيان اللذان اعتُرضا فوق الطائف وينبع في 24 أكتوبر دليل على أن مواقع الإطلاق التي يقصفها التحالف منذ 19 يوماً إما لا تزال عاملة أو يُعاد بناؤها بسرعة، وهي مشكلة واجهتها القوات الأمريكية مراراً خلال التدخل الأول بقيادة السعودية في اليمن ولم تحلها بالكامل قط.
عرض الوساطة الإيراني والحرب التي يغذيها
اتصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية في 11 أكتوبر، في أول اتصال مؤكد علناً بين الحكومتين منذ بدء التصعيد الحوثي، وكانت الرسائل العلنية لطهران منذ ذلك الحين درساً متقناً في التموضع الدبلوماسي. وقال عراقجي: «الإصرار على النهج العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من تعقيد الوضع»، وهي جملة تبدو حكمة سياسية إلى أن تتذكر أن النهج العسكري المعني يعمل جزئياً بصواريخ إيرانية ومكونات طائرات مسيّرة إيرانية وبرامج تدريب إيرانية يديرها الحرس الثوري الإيراني في اليمن منذ معظم العقد الماضي.
وعزّز المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي هذا الإطار قائلاً: «لا نريد إطلاقاً أن تستمر الأعمال العدائية والحرب بين بلدين إسلاميين». والصياغة كاشفة، إذ إن عبارة «بلدين إسلاميين» تعامل النزاع كنزاع ثنائي، ماحية دور إيران نفسها في تسليح الحوثيين وتقديم المشورة لهم، ولم تردّ الرياض ولا الحوثيون على عرض الوساطة، وهو صمت يوحي بأن الطرفين فهما تماماً ما كانت طهران تعرضه.
وقدّم أندرياس كريغ من كينغز كوليدج لندن مفتاح التحليل لتموضع إيران، إذ قال للجزيرة: «إيران تحاول تحويل اليمن من عبء عسكري إلى رصيد دبلوماسي»، مع إشارته إلى أن أنصار الله «ليست مجرد وكيل إيراني ينتظر التعليمات». ووافقته نغار مرتضوي من مركز السياسة الدولية، ملاحظة أن إيران «تضع نفسها طرفاً لا غنى عنه في تسوية إقليمية أوسع»، تسوية ستدخلها طهران وسيطاً لا طرفاً محارباً، رغم تقييم مركز صوفان بأن الحوثيين لا يزالون يعتمدون على إيران في التدريب والخبرة، ولا سيما في الأسلحة الأكثر تطوراً بما فيها الصواريخ الجوالة والباليستية.
والتناقض، أي عرض وقف حرب مع توريد الأسلحة التي تديمها، ليس جديداً في السياسة الخارجية الإيرانية، لكن حجم التهديد الحوثي للسعودية جعل رفض عرض طهران أصعب. فإذا تمكن الحوثيون من مواصلة إطلاق الصواريخ على المدن السعودية أسرع مما يستطيع التحالف تدمير مواقع الإطلاق، فإن رقم هاتف طهران يصبح الرقم الذي سيتعين على الرياض الاتصال به في نهاية المطاف، مهما بلغ استياء المملكة من المحادثة.
ماذا يحدث بعد 3 نوفمبر؟
التاريخ الأهم لحرب السعودية في اليمن من أي محطة عملياتية هو انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر، لأن رفض ترمب ضرب إيران قبلها قُرئ في الرياض وطهران وصنعاء عداً تنازلياً لا موقفاً سياسياً. وذكرت إيه بي سي نيوز أن الولايات المتحدة وإسرائيل وضعتا خطط ضربات لإيران تُنفذ بعد الانتخابات النصفية، وهي وضعية تعامل الانتخابات كإشارة انطلاق وتمنح الحوثيين نافذة من عشرة أيام، من 24 أكتوبر إلى 3 نوفمبر، يعلمون خلالها أن التدخل الهجومي الأمريكي مستبعد.
وما يحدث بعد 3 نوفمبر يتوقف على متغيرات لا يستطيع أي محلل في واشنطن أو الرياض التنبؤ بها بثقة: هل يحتفظ حزب ترمب بالكونغرس، وهل يقرر الرئيس أن ضرب إيران يخدم مصالحه الداخلية، وهل يصعّد الحوثيون بطرق تفرض التدخل الأمريكي بصرف النظر عن الحسابات الانتخابية، وهل يصبح الملف النووي الإيراني، الذي ربطه عراقجي صراحة بالوضع في هرمز، مبرراً لنزاع أوسع. وحذّر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ من أن اليمن عاد إلى «حرب شاملة»، وهي عبارة توحي بأن المجتمع الدولي قبل بأن هدنة 2022 ماتت وأنه يحاول الآن إدارة العواقب بدلاً من منع التصعيد.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن الحسابات قاسية: كل يوم دون دعم هجومي أمريكي هو يوم تستنزف فيه المملكة الصواريخ الاعتراضية وطلعات الطائرات ورصيدها الدبلوماسي دون ضمان بأن القصف سيحقق النتيجة السياسية، أي امتثال الحوثيين أو على الأقل تراجع عمليات الإطلاق، التي تبرر الكلفة. ويُقرأ حكم مركز صوفان السابق، بأن المملكة تواجه تصعيداً مكلفاً دون مخرج مرئي، كتشخيص أكثر منه تحليلاً، والمريض لم يوافق بعد على مناقشة العلاج.
الكلفة المدنية التي لا يتحمّل أي طرف مسؤوليتها
قدّر برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من 18 مليون يمني يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وهو رقم سابق لتصعيد أكتوبر وسيتفاقم بشكل شبه مؤكد مع استهداف التحالف البنية التحتية للوقود وتسبّب القتال في نزوح مزيد من الناس، إذ أحصت المنظمة الدولية للهجرة 200,000 نازح جديد حتى منتصف أكتوبر، بحسب بيانات استشهد بها معهد واشنطن. وعلى الجانب السعودي، حذّرت هيئة الدفاع المدني السكان في أربع مناطق غربية في 24 أكتوبر، لكن الرياض لم تنشر أي حصيلة إجمالية للضحايا المدنيين من أسابيع الهجمات الحوثية، وهو إغفال يترك احتساب الكلفة البشرية لهذه الحرب بالكامل للجهات التي تنفذ الهجمات.
وضربة المنزل في صنعاء التي أفادت بها المسيرة في 24 أكتوبر، حتى لو كانت حصيلة ضحاياها دقيقة، لا تمثل سوى حادثة واحدة في يوم واحد ضمن حملة مستمرة منذ 19 يوماً في محافظات متعددة. ولم تحظَ ضربة صعدة في 18 أكتوبر، التي قالت وزارة الصحة التابعة للحوثيين إنها قتلت 9 أشخاص على الأقل، بأي تأكيد سعودي هي الأخرى. ولم يُنشر أي تقييم سعودي لضحايا ضربات التحالف من المدنيين منذ بدء العملية.
ولتحذير المبعوث الأممي من أن اليمن عاد إلى حرب شاملة عواقب عملية تتجاوز الدبلوماسية، إذ يؤثر في الجداول الزمنية لإيصال المساعدات وإدارة النزوح واستعداد المانحين الدوليين لتمويل العمليات في بلد تنهار فيه لوجستيات الوصول الإنساني لحظة اشتداد القصف. وبالنسبة إلى المقيمين الأجانب والمسافرين في المملكة، حيث بات تقييم ما إذا كانت السعودية لا تزال آمنة حساباً يومياً لا افتراضاً خلفياً، وبالنسبة إلى المدنيين اليمنيين على الجانب الآخر من الحدود، فإن السؤال لا يتعلق بتحذيرات السفر، بل بما إذا كانت الضربة التالية ستقع على مستودع وقود أم على منزل عائلة.

وفي 24 أكتوبر، بينما كانت هيئة الدفاع المدني في الرياض تطلب من السكان في مكة المكرمة وجدة الاحتماء من صواريخ قادمة، كانت الطائرات السعودية تضرب صنعاء، ولم تأتِ أرقام الضحايا الوحيدة إلا من القنوات التي يديرها الواقعون تحت القصف. وانتهى الأسبوع الثالث من الحرب كما بدأ أسبوعها الأول: الطرفان يضربان مدن بعضهما، ولا أحد منهما يقدّم حصيلة صادقة لما كلّفته الضربات، ولا أحد على أي من الجانبين مستعد لوصف ما يُفترض أن يحققه الأسبوع الرابع.
أسئلة شائعة
هل خسرت السعودية أي طائرات في عملية فجر اليمن؟
أكدت السعودية في 18 أكتوبر سقوط مروحية استطلاع في الجنوب الغربي، ما أسفر عن مقتل طاقمها المكوّن من فردين، ونسبت الخسارة إلى «عطل فني قرب نجران». وزعم الحوثيون أنهم أسقطوا المروحية. ولم يُبلغ عن أي خسائر مؤكدة أخرى لطائرات سعودية منذ انطلاق العملية في 5 أكتوبر، وإن كان معهد واشنطن قد لاحظ أن الحملة نشرت نحو 100 طائرة مقاتلة بـ«نتائج متباينة» (تايمز أوف إسرائيل، 2026-10-18؛ معهد واشنطن، 2026-10-14).
هل هدّد الحوثيون الدول التي تفكر في الانضمام إلى التحالف بقيادة السعودية؟
كتب رئيس البرلمان الحوثي يحيى علي الراعي مباشرة إلى الحكومة المصرية، محذراً من أن الانضمام إلى التحالف «قد يعرّض الأمن القومي المصري نفسه للخطر»، وهي رسالة حملت ثقلاً خاصاً بالنظر إلى ساحل مصر على البحر الأحمر وتعرّضها لاضطرابات الملاحة. وجاءت الرسالة فيما طلب الرئيس المصري السيسي من البرلمان التفويض بنشر قوات في السعودية، وهو طلب ظل معلقاً حتى أواخر أكتوبر (تايمز أوف إسرائيل، 2026-10-18).
هل تحتاج السعودية إلى إعادة بناء علاقتها مع الإمارات من أجل حملة اليمن؟
لاحظت أبريل لونغلي آلي من معهد واشنطن أن على السعودية إصلاح علاقتها مع الإمارات، التي طلبت منها الرياض سحب قواتها من اليمن في وقت سابق من عام 2026. وترك الانسحاب الإماراتي فجوة في تنسيق القوات البرية لم يملأها الانتشار الباكستاني الداعم، وغياب القوات الإماراتية أحد أسباب اعتماد التحالف بشكل كبير على القوة الجوية بدلاً من العمليات البرية في التصعيد الحالي (معهد واشنطن، 2026-10-14).
ما الدور الذي تؤديه قوات الحكومة اليمنية في الهجوم بقيادة السعودية؟
ذكرت سي إن إن أن الهجوم البري الذي انطلق في أوائل أكتوبر نفذته أساساً قوات الحكومة اليمنية، فيما قدّم التحالف بقيادة السعودية الدعم الجوي والتنسيق. وأكد وزير الدفاع الباكستاني أن القتال الرئيسي تخوضه القوات السعودية، مع تقديم الدول الحليفة دعماً لوجستياً واستشارياً، ما يجعل القوات البرية للحكومة اليمنية والطائرات السعودية العنصرين القتاليين الرئيسيين في الحملة (سي إن إن، 2026-10-10؛ الجزيرة، 2026-10-06).
وأشعلت الضربات السعودية على صنعاء والمخا رداً حوثياً فورياً: ففي غضون ساعات، شنّت أنصار الله سبع عمليات استهدفت أربعة مطارات ومحطة أرامكو في ينبع، في أوسع إعلان متزامن لاستهداف البنية التحتية الاقتصادية في الحرب. ويحلل تقرير الحوثيون يستهدفون 4 مطارات سعودية وينبع بعد غارات على صنعاء الموجة الانتقامية وتداعياتها على الإيرادات النفطية السعودية.
وبعد يومين، في 26 أكتوبر، نفذ التحالف ضربات مضادة إضافية دمّرت منصات إطلاق صواريخ حوثية في صنعاء، عقب اعتراض صاروخ باليستي استهدف الرياض، مكملاً دورة الإطلاق والتدمير نفسها التي كان التحالف قد أرساها في عدة أيام اعتراض متتالية في أكتوبر.
هذه ترجمة عربية لمقال نُشر بالإنجليزية في بيت آل سعود. Read the original in English